عن مصر المكان والمكانة   
الثلاثاء 1430/6/1 هـ - الموافق 26/5/2009 م (آخر تحديث) الساعة 0:54 (مكة المكرمة)، 21:54 (غرينتش)

 


حين يختار الرئيس باراك أوباما القاهرة لكي يوجه منها رسالة إلى العالم العربي والإسلامي، فإن أحد الأسئلة التي ينبغي أن نفكر في الإجابة عليها هو ما إذا كان قد قصد المكان أم المكانة؟

(١)

ما دعاني إلى طرح السؤال أنه منذ أعلن النبأ في واشنطن فإن صداه في مصر كان مبالغا فيه، حتى ذهب سيل التحليلات التي نشرت في الصحف القومية بوجه أخص إلى أن القرار بمثابة شهادة جدارة للوضع القائم في مصر ووسام رصع جبينها. ولم يفت الذين كتبوا ذلك الكلام أن يشددوا على أن اختيار الرئيس الأميركي يرد على المتشككين ويقطع ألسنة المتقولين الذين يتحدثون عن تراجع مكانة مصر ودورها في محيطها العربي والإسلامي.

ولم تكن تلك هي المبالغة الوحيدة، لأنني أحد الذين يزعمون أن الآمال المعلقة على الإدارة الأميركية الجديدة لا تخلو بدورها من مبالغة. وقد قصدت استخدام مصطلح الإدارة الأميركية، لأن السياسة هناك ليست محكومة بنوايا الرئيس ورغباته الشخصية، ولكنها تمر بقنوات مؤسسية كثيرة تؤثر على قرار الرئيس وموقفه، بحيث قد تجعل من السياسة شيئا آخر مختلفا عما يردده السياسي الجالس على مقعد الرئيس. وهذا شق في المسألة تصدى له عدد غير قليل من المعلقين الذين دعوا إلى عدم التسرع والاستباق في الحكم على سياسة الرجل، ومن ثم التعامل مع مقولاته بخليط من الترقب والحذر، انتظارا للمرحلة التي تترجم فيه رسائله المطمئنة والمريحة إلى أفعال ومواقف تتبناها إدارته وحكومته.

وحين يتعلق الأمر بالشرق الأوسط وبالعلاقة مع الإسلام والمسلمين بوجه أخص، فإن الحذر يصبح أوجب، لأن لأي رئيس أميركي كوابح وحدودا في التعامل معها لا يستطيع أن يتجاوزها، حتى لو أراد.

"
اختيار الرئيس أوباما للقاهرة يعود لأحد احتمالين، الأول أن يكون لدى الرئيس أوباما ما يقوله بخصوص الصراع العربي الإسرائيلي، والثاني أن يكون أوباما قد أراد أن يوجه لفتة خاصة إلى مصر
"
لست في صدد تقييم موقف الإدارة الأميركية الجديدة، ولكني معني بمحاولة الإجابة على السؤال الذي طرحته في البداية، المتعلق بالمكان والمكانة في مصر الراهنة. وهو ما يدعوني إلى استطراد بسيط يسلط الضوء على خلفيات زيارة الـ١٤ ساعة التي سيقوم بها الرئيس أوباما إلى مصر في الرابع من شهر يونيو/حزيران القادم، ذلك أن الباحث لا تفوته ملاحظة أن الرئيس الأميركي كان قد خاطب العالم العربي والإسلامي بشكل مباشر مرتين على الأقل خلال المائة يوم الأولى من ولايته. إحداها أثناء زيارته لتركيا في الخامس من شهر أبريل/نيسان الماضي، والثانية جاءت في ثنايا الرسالة التي وجهها إلى الشعب الإيراني بمناسبة عيد النوروز في شهر مارس/آذار الماضي.

وقبل ذلك وجه إشارة إيجابية في أكثر من خطاب له ذكر فيها أن الولايات المتحدة ليست في حرب أو اشتباك مع الإسلام، بل إنه لم يستخدم مصطلح الحرب ضد الإرهاب، الذي لم يكن يخلو منه بيان سياسي صادر عن الإدارة السابقة.

إذا صح أنه سيوجه من القاهرة في زيارته المرتقبة رسالة إلى العالم العربي والإسلامي للمرة الثالثة، فإن ذلك يحتاج إلى تفسير. وقد ألقيت سؤالا في هذه النقطة على الصحفي الأميركي البارز سيمور هيرش، محرر مجلة "نيويوركر" الذائع الصيت، حين التقيت به في دبي قبل أيام. في رده قال إنه ليست لديه إجابة محددة، لكنه لا يستبعد أحد احتمالين، أحدهما أن يكون لدى الرئيس أوباما ما يقوله بخصوص الصراع العربي الإسرائيلي، خصوصا أن زيارته للقاهرة تأتى بعد لقائه في واشنطن مع ممثلين للأطراف الثلاثة: ممثلي "المعتدلين" العرب والإسرائيليين والفلسطينيين. الاحتمال الثاني أن يكون أوباما قد أدخل تعديلا على برنامج زيارته الخارجية بناء على نصيحة بعض الجهات المعنية في واشنطن، لكي يوجه لفتة خاصة إلى مصر، التي ترعى حوار الفصائل الفلسطينية في حين تحتفظ بعلاقات إيجابية مع إسرائيل، خصوصا أن القاهرة كانت قد توقعت منذ البداية أن تكون هي وليست أنقرة المنصة التي يوجه منها الرئيس الأميركي الجديد أول خطاباته إلى العالم الإسلامي.

(٢)

موضوع مكانة مصر أثير في الاجتماع الأخير لمنتدى الإعلام العربي الذي عقد في دبي قبل عشرة أيام. إذ خصصت جلسة للفضائيات المصرية طرح فيها السؤال التالي: هل يمكن أن يستعيد الإعلام المصري مجده؟ دعك من أن الإعلام اختزل في الفضائيات دون غيرها، الأمر الذي استدعى استضافة أربعة من مسؤولي ونجوم القنوات المصرية، لأن السؤال تمت صياغته بصورة افترضت أن الإعلام المصري لم يعد مؤثرا في الفضاء العربي. وهذا الافتراض لم يختلف عليه أحد سواء من المتحدثين على المنصة، أو من نخبة المثقفين المشاركين في الجلسة.

المتحدثون أثاروا ثلاث نقاط. الأولى أن لديهم هامشا واسعا في الحركة، والثانية أنهم يدركون أنهم يؤدون مهمتهم في حدود الظروف المتاحة، مدركين أنهم يعيشون في بلد له أوضاعه الخاصة التي تختلف عن النماذج السائدة في أوروبا مثلا. والثالثة أنهم يدركون أن هناك طفرة إعلامية في العالم العربي، وأن مسألة الريادة المصرية في الإعلام لم تستمر، بعدما طور الإعلام العربي من إمكانياته وأصبح الجميع يتنافسون على جذب المشاهد العربي.

"
الفضائيات المصرية تعاني من الانكفاء والتركيز على الداخل, فهي ليست فضائيات بالمعنى المعروف، ولكنها قنوات محلية عاجزة عن مخاطبة المشاهد العربي مع انخفاض سقف الحرية، الأمر الذي جعلها متخلفة عن قنوات عربية أخرى
"
كلام ممثلي القنوات الفضائية المصرية كان صادقا ومعقولا. أما صدى الكلام لدى جمهور الحاضرين فقد كان مثيرا للانتباه. ذلك أن الأغلبية الساحقة من المتحدثين ركزوا على أن الفضائيات المصرية تعانى من الانكفاء والتركيز على الداخل. حتى قال أحد المعلقين إنها ليست فضائيات بالمعنى المعروف، ولكنها قنوات محلية عاجزة عن مخاطبة المشاهد العربي. آخرون تحدثوا عن انخفاض سقف الحرية في القنوات المصرية، الأمر الذي جعلها متخلفة عن قنوات عربية أخرى منافسة.

وخلال المناقشة سمعت اثنين من المثقفين العرب يقول أحدهما للآخر إن مصر حين تقود الدعوة إلى مراقبة مكاتب الفضائيات العربية وتستصدر لذلك قرارا من وزراء الإعلام العرب، فإن ذلك يغلق الباب أمام احتمال استعادة الإعلام المصري لمجده. فرد الآخر قائلا إنه إذا كانت وزارة الإعلام المصرية تتبنى هذا الموقف إزاء القنوات العربية، فلا بد أن تكون قبضتها الرقابية على القنوات المحلية أشد وأكثر صرامة.

في هذه الأثناء وقف أحد المثقفين قائلا إنه ليس من العدل أن يوجه كل اللوم والعتاب للقنوات الفضائية، لأن الإعلام في مصر إذا كان منكفئا أو مقيد الحركة، فإن ذلك يعد مرآة للسياسة، ولذلك فليس من الإنصاف أن يوجه الاتهام للإعلام المصري بالضعف، لأن الضعف الحقيقي يكمن في تراجع السياسة المسيطرة.

(٣)

هذا التشخيص له شواهد أخرى تؤيده، لأن غياب التأثير المصري عن ساحة الإعلام له نظيره في عالم السياسة. ذلك أن الذي يتاح لهم أن يترددوا في العواصم العربية في المشرق والمغرب -و أنا أحدهم- يواجهون حيثما ذهبوا بالسؤال: أين مصر ومتى تعود؟ وكانت السودان أحدث محطة سمعت فيها السؤال، حتى قال لي أحد مثقفيهم إن الرؤساء والملوك العرب حين وقعوا في أنشاص عام ١٩٤٦ بيانهم الخاص بشأن فلسطين، فإن الملك فاروق وُصِف في البيان بأنه "صاحب بلاد النوبة والسودان وكردفان ودارفور". وعلق على ذلك قائلا إن مصر الراهنة نفضت يدها من كل ذلك وأدارت ظهرها لحدودها الجنوبية تماما، حتى أصبح بعض الناس فيها لا يعرفون الفرق بين دارفور وكارفور (المتجر الكبير).

وقال لي مثقف تونسي ذات مرة إن مصر في السابق كانت ترسل إلى تونس نخبة من أساتذة الجامعات المرموقين، ولكنها أصبحت الآن توفد إليها ضباط المباحث ورجال أمن الدولة. وفي لبنان -كما في أوساط الفصائل الفلسطينية- يتحدثون عن غياب مصر الشقيقة الكبرى، وظهور وجه آخر لمصر لم تعد فيه فوق الصراعات والتحالفات، ولكنها أصبحت طرفا في تلك الصراعات والتحالفات، الأمر الذي نال من هيبتها ومرجعيتها.

"
الشواهد كثيرة على تغير مكانة مصر واختلافها في العقود الثلاثة الأخيرة عما كانت عليه قبل ذلك, حتى شاع في الكتابات السياسية وصف تلك العقود بأنها مرحلة "الجزر"، في مقابل سابقاتها التي اعتبرت سنوات المد القومي
"
واستوقفني في حوار مع بعض ممثلي الفصائل قول أحدهم إنهم يجيئون إلى القاهرة امتثالا "لقهر الجغرافيا". وكان المصطلح جديدا على مسامعي، حيث أدركت أن المقصود به هو الضرورة الجغرافية الملحة التي جعلت غزة ملاصقة للحدود المصرية، ومن ثم أصبحت المنفذ الوحيد للفلسطينيين إلى العالم الخارجي، الذي لا يمر بإسرائيل.

الشواهد كثيرة على تغير المكانة واختلافها في العقود الثلاثة الأخيرة، عما كانت عليه قبل ذلك، حتى شاع في الكتابات السياسية وصف تلك العقود بأنها مرحلة "الجزر"، في مقابل سابقاتها التي اعتبرت سنوات المد القومي.

لا غرابة والأمر كذلك، أن يتحدث الباحثون في الشؤون الإستراتيجية والسياسية عن ثلاثة مشروعات تتحرك في المنطقة هي: التركي والإيراني والإسرائيلي. ولا يكاد المرء يجد إشارة إلى تحرك للدور المصري إلا في حدود ما تنشره صحفنا القومية لأسباب مفهومة. وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة فإننا لا نكاد نجد دورا لمصر الراهنة إلا في حدود رعاية حوارات الساحة الفلسطينية التي فرضتها الضرورة الجغرافية. ولا يفوتنا هنا أن نلاحظ أن بلدا مثل قطر (لا وجه للمقارنة مع تركيا بالمناسبة) أصبح يتحرك على مساحة في العالم العربي أوسع بكثير، حتى أثبت وجودا في لبنان وفلسطين واليمن وفي العلاقات بين تشاد والسودان.

(٤)

تسلط كتابات الدكتور جمال حمدان عالم الجغرافيا السياسية الأشهر أضواء مهمة على الدور المصري في صعوده وتراجعه. ويظل كتابه عن عبقرية المكان في "شخصية مصر" مرجعا مهما في ذلك، رغم صدور أجزائه الثلاثة قبل نحو ٣٠ عاما. وقد وقعت في ثنايا الجزء الثاني من مؤلفه على بعض الخلاصات التي تتصل بجوهر الموضوع الذي نحن بصدده. ولم أستطع أن أقاوم الرغبة في التذكير بها في ختام المقال. من ذلك قوله ما يلي:

* كقاعدة عامة أساسية، تتناسب قوة مصر السياسية تناسبا عكسيا مع درجة عزلتها وانغلاقها داخل حدودها وتقلص ظلها الخارجي، وطرديا مع مدى انطلاقها خارج حدودها. فكلما كانت مصر ضعيفة عاجزة، تضاءل حجمها السياسي وخف وزنها، وانطوت وتقوقعت داخل حدودها وتقلص ظلها الخارجي. وعلى العكس، كلما كانت قوية فوارة وزاد ثقلها، فاضت قدرتها خارج حدودها وامتد نفوذها وتمدد وجودها عبرها (ص ٧٢٣).

"
أثبتت تجربة القرن الأخير على الأقل أن الاستعمار الغربي أو الإمبريالية العالمية لا مانع لديها بالضرورة من الاعتراف بزعامة مصر الإقليمية أو العربية في حد ذاتها، إذا ما هي اعترفت بالتبعية لها أو بالتحالف معها
"
* كما كانت عزلة مصر السياسية تعني عزلتها عن العرب بالتحديد، فإن تلك العزلة كانت دائما نتيجة لارتباطها بالغرب بالتحديد. فسواء في ظل خضوعها للاستعمار المباشر كما في مصر الملكية، أو في ظل تعاونها معه كما في السبعينيات مؤخرا، فإن عزلة مصر العربية كانت من نتاج ارتباطها بالغرب عموما واستعماره أو إمبرياليته خصوصا. وعلى العكس كان الاستقلال السياسي الحقيقي يرادف كسر العزلة السياسية وفك العزلة عن العرب بالدقة (ص ٧٢٤).

* أثبتت تجربة القرن الأخير على الأقل أن الاستعمار الغربي أو الإمبريالية العالمية لا مانع لديها بالضرورة من الاعتراف بزعامة مصر الإقليمية أو العربية في حد ذاتها، إذا ما هي اعترفت بالتبعية لها أو بالتحالف معها. فما دامت زعامة مصر الإقليمية تضمن لها أن تنقاد المنطقة برمتها خلفها والتبعية لها، فلا بأس في الاعتراف لها بتلك الزعامة بل وتثبيتها فيها (ص ٧٢٥).

إنك إذا طالعت هذه الخلاصات مرة ثانية فستجد فيها إجابة على كثير من الأسئلة المثارة حول مكان مصر ومكانتها. كما ستجد فيها تفسيرا لعوامل المد والجزر في الحالة المصرية، قد تريحك من ناحية وتعذبك من ناحية أخرى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة