التغير الاجتماعي والمخاض الديمقراطي في مصر   
الاثنين 1434/4/28 هـ - الموافق 11/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:34 (مكة المكرمة)، 11:34 (غرينتش)

 

قد لا تدرك المجتمعات التي تمر بحالة الثورة أن هناك تغيرات عميقة في العقل والإدراك والمفاهيم والسلوك في منظومة الحياة الاجتماعية والسياسية ستغمرها، ولابد أن تكون مستعدة لتكاليفها وهي تعبر إلى الديمقراطية.

ولذلك فإن ما يحدث في مصر الآن هو أعراض هذا السلوك المتناقض، وانكشاف مواقف تسترت طويلاً وراء شعارات ثم وجدت نفسها فجأة أمام استحقاق. ونستطيع أن نرى الصور بوضوح إذا ابتعدنا قليلا عن المسرح المصري ولاحظنا ذرات الموقف.

الأغلبية الساحقة من الشعب المصري فقراء دبروا أوضاعهم كلما ضاقت بهم السبل، فانحسرت بعض القيم الاجتماعية والأخلاقية أمام الضغوط الحياتية المستمرة

فالأغلبية الساحقة من الشعب المصري فقراء دبروا أوضاعهم كلما ضاقت بهم السبل واشتد بهم شظف العيش، فانحسرت بعض القيم الاجتماعية والأخلاقية أمام الضغوط الحياتية المستمرة، وتدهور مستوى الحياة في الخدمات والأسعار والعمل والتجارة، وقبل الناس بمعظم ما كانوا يرفضونه في ظروف سابقة، بل أصبحت المقارنة بين الموت والحياة نوعاً من الترف بعد أن رفرف طائر الموت في جنبات المكان، وصار سن الشباب والفتوة عبئاً لا يتمنى الناس الوصول إليه لكل ما ينتظره من بطالة وعنوسة، وصار الزمن عبئاً على المكان والناس.

وكانت السلطة مقدسة أو خارج دائرة التفكير، حتى إن وكلاء النظام كانوا يجوّزون نقد كل رموز السلطة إلا الرئيس وأسرته، بل كانوا يشجعون على هذا النقد حتى يظهر الرئيس المخلص والطاهر بين شياطين، وتظل أسرته -بما أحاطها به الإعلام، وبظهورها الكثيف المقرر يومياً في أجهزة الإعلام- هي طاقة النور، فأطلق على زوجة الرئيس "السيدة الفاضلة"، وأطلق على أنجاله ما شاء من أوصاف.

وكان طبيعياً أن يكره الناسُ كلَّ ما كان في حياتهم قبل الثورة، فكرهوا السلطة برموزها واستخفوا بأدواتها، وقد أسقطوا خلال الثورة أجهزة القمع التي عجزت عن إطفاء لهيب الثورة، وانفسحت أمام الناس آفاق الحياة العامرة بكل ما حرموا منه، ودخلت مصر -بعد الثورة الاجتماعية- ثورة توقعات بالغة الطموح.

وظن الناس أن مجرد قيام الثورة يبرِئ الأكمه والأبرص، ويحيي الميت، ويطعم الجائع، ويثري المعدم الفقير. فهلل الناس لسقوط الدستور وهم لا يعلمون أن سلوك الحاكم لم يحترم يوما دستوراً ولا قانوناً، ولكن ضغط النخبة وربطها الفساد بالدستور أوقع في روع الناس أن سلوك الحاكم الفاسد المستبد مسطور في الدستور، فإذا زال الدستور فقد زالت الغمة، أو أن زوال الحاكم أزال كل ما ارتبط به وعاش في عهده.

بعد الثورة مباشرة، رحب الناس بكل ما حظره النظام السابق، وأطلقوا لأنفسهم آفاق الحرية في القول والفعل والأمل، بعد أن سقطت الشواطئ التي ظنوا أنها كانت يوما مقدسة، ولم تتم عودتهم إلى شواطئ آمنة ذات مصداقية، وتلك أقسى مهمة للنخبة التي انصرفت إلى غير أولويات الوطن.

وفي هذا المناخ، رحب الناس بكل بديل عن النظام السابق دون تفكير، أملا أن يكون هذا البديل هو الضامن لتحقيق أحلامهم، ولم يدرك الناس أن مجرد انتخاب البرلمان والرئيس ووضع الدستور لا يفتح خزينة الذهب ليوزع على الناس بالقسط، ولم يفهموا لماذا لا يتم الحصول على الأموال المنهوبة المهربة لتوزع فوراً بالقسطاس عليهم.

بل اشتد الناس في الخطاب فيما بينهم، ولم يدركوا أن المجتمع الذي يغلي يحتاج إلى ضبط الغليان حتى يصنع دولة جديدة بنفس نبضه. في هذه اللحظة تدخلت عناصر لكي تزيد الغليان، وساهم الإعلام بشكل هائل في رفع درجة الحرارة، ثم في توجيه الغضب إلى السيد الجديد الذي رفعه الشعب للتصدي لمهمة تحقيق آماله، فأوهمه الإعلام والنخبة بأن الحاكم لابد من أن يكون له فعل السحر.

هناك تحولات سوف تحدث ولابد أن يجهز المجتمع نفسه لقبولها، أولها أن احترام القانون ونفاذه على الجميع، وأنه هو الحاكم لعلاقات الناس فيما بينهم وعلاقة الناس بالحاكم، ثقافة لابد من أن تستقر

هناك تحولات سوف تحدث ولابد أن يجهز المجتمع نفسه لقبولها.
وأول هذه التحولات أن احترام القانون ونفاذه على الجميع، وأنه هو الحاكم لعلاقات الناس فيما بينهم وعلاقة الناس بالحاكم، ثقافة لابد من أن تستقر، بعد أن دعا البعض إلى عدم تطبيق قوانين النظام السابق الجائرة التي سنها برلمان مزور لصالح قلة فاسدة، فكيف نقنع الناس بأن المشروع اليوم يختلف عن مشروع الأمس، ثم نرسخ لديه ثقافة احترام القانون الصالح، وما هي معايير الصلاح في مرحلة العبور إلى اليقين.

ثانياً: أن حقوق الإنسان في نظر الناس مطلقة دون قيود، فحقه في حرية التعبير في كل وقت ودون سقف وبأي مفردات وضد أي شخص، خاصة إذا كان مسؤولا، لأن ثقافة احترام المسؤول ارتبطت بفساد المسؤول وبثقافة القهر على احترامه، دون أن يفكر الناس لحظة في جدوى هذا الاحترام.

فحق الإنسان في السكن الذي يختاره والماء الذي يشربه والمأكل الذي يشتهيه، والعمل الذي تهفو نفسه إليه، والتصرف كما يشاء دون أن يراجعه أحد، وأن يكتب ما يشاء على الحوائط، وأن يدمر الأماكن الأثرية والتاريخية والثقافية، لأن ذلك تعبير عن الثورة والانفلات من كل قيد، وهذا المناخ يتناسب تماماً مع أخلاق البلطجة والتفاهة والسطحية والانحطاط، كل ذلك صار نمطاً سائداً في سلوك الناس، فكيف نرد الناس إلى ضوابط هذه الحقوق؟

لقد أصبح رجل الشرطة عدوا يجب استهدافه في أي موقف، فرجل الشرطة هو المخطئ والمدان، والمواطن هو صاحب الحق في كل حال، وإذا جُرح فهو جريح الثورة، وإذا مات فهو شهيد الثورة.

ثالثاً: انتشرت تجارة الثورة، فظهرت مجموعات من الاتحادات والمجموعات والائتلافات والحراس والمؤرخين تتخذ الثورة ملكا لها، ويدعى كل منها أنهم هم شباب الثورة، وأصبح لواقعة الوجود في ميدان التحرير ثمن لابد للمجتمع من أن يؤديه.

آن الأوان لأن تتم دراسة هذه الظاهرة بعد أن فقد الشعب الإجماع على مضمون الميدان في فترات سريعة متلاحقة، فالميدان هو الميدان، وكان مفتوحاً لكل من يرى في نفسه أنه ثائر، ولكنه بعد ذلك أغلقته مجموعة تـُدخل فيه من ترى هي فيه أنه أهل لذلك، بل استباح البعض أعمال البلطجة وقطع الطرق، وإغلاق مجمع التحرير، ومهاجمة الشرطة وقصر الرئاسة بالنيران، ويحسبون ذلك من قبيل الجهاد والثورة، وهو في الحق دليل على غياب الدولة التي لم تنشأ بعدُ، وتحريض النخبة بدلا من أن تقوم بدورها في زجر هذا السلوك وتقويمه.

رابعاً: اختلطت عند البعض صورة النظام وصورة الدولة، فصار كل من عاش قبل الثورة ولم يكن ثائراً من الفلول تجب مطاردته وعزله ومعاداته، وهذه كارثة اجتماعية وسياسية. فهناك فرق بين موظفي الدولة وأعوان النظام الذين ميزهم وجعلهم مخالب لفساده في كل قطاع، فهؤلاء كانوا النظام الذي أحرق الدولة، وهم الذين يجب عزلهم في كل القطاعات، خاصة في السياسة الاقتصادية والإعلام والتعليم، حيث تخلى بعضهم عن قيم الأستاذية.

لقد أفسد البعض عقول الشباب الذي انتظر علم هذا الأستاذ، فألقى إليه غيلة برسائل تخدم نظاماً يعادي الدولة والمجتمع، ولذلك يجب نزع الدرجة والاعتبار منهم حتى يظل للجامعة وقارها وللعلم فرسانه.

يجب أن نشيع ثقافة الديمقراطية بأن لا أحد يعلو على النقد والمحاسبة، ولكن بآداب الاختلاف والنقد، وليس بغوغائية الشارع وانفلات الناقد من كل قيد

خامساً: لابد من مراجعة وضع الشهيد بعد أن أصبحت الشهادة أداة لطلب المنافع، ووسيلة للتخلص من الحياة لصالح الأسرة الفقيرة، ولابد من دراسة المسألة بعد أن انعدم المعيار، وامتدت قائمة من يسمَّون الشهداء، بل صار دفع الصبية في معارك العبث مسموما بالرغبة في توريط الحاكم حتى تصبح المطالبة بمحاكمته ثمناً سياسياً لأمراء الدم في مصر، فأصبحت حياة الشباب وقوداً في معركة دنيئة تسيء إلى المجتمع والوطن، وأصبح استغلال الفقر بدلا من معالجته مباحاً. والغريب أن أحدا لا يجرؤ سياسياً على فتح هذا الملف خوفاً من أن يتهم بأنه ضد "الشهداء".

سادساً: الديمقراطية تعني ضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم ومحاسبة الحاكم، ولكن يجب أن نشيع ثقافة الديمقراطية بأن لا أحد يعلو على النقد والمحاسبة، ولكن بآداب الاختلاف والنقد، وليس بغوغائية الشارع وانفلات الناقد من كل قيد. ثم إن الناقد لابد من أن يفهم أولاً ماذا ينقد، لأن معظم ما تم نقده كان سببه فقر الفكر والمعرفة أو الكيد وسوء الأدب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة