رداً على خافيير سولانا   
الخميس 12/3/1426 هـ - الموافق 21/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 18:54 (مكة المكرمة)، 15:54 (غرينتش)


توجان فيصل

 

يأتي مقال السيد خافيير سولانا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي, المنشور في جريدة الحياة  تحت عنوان "أوروبا ونداؤها الديمقراطي إلى الشرق الأوسط", على  نسق الخطاب التخديري المفرغ من السياسات العملية التي نسمعها نحن العرب من مختلف المسؤولين الأوروبيين منذ سنوات, مما يجرح مشاعرنا, أو بالأحرى يجدد جراحاتنا القديمة.

 

فسولانا ليس كاتب مقالة أو عمود يومي أو أسبوعي بحيث نغفر له افتقار مقالته تلك للفحوى والجدية بسبب كونه ربما شغل ولحق به الوقت وعليه أن يملأ الفراغ المخصص له.

 

سولانا سياسي ودبلوماسي عامل ومتفرغ, نفهم أنه قد يضطر للتصريح الشفهي ولو بقوله "لا تعليق", ولكنه لا يلجأ للمقالة إلا إذا كان لديه فعلاً ما يقوله! فما الذي لدى سولانا, وماذا قال لنا في مقالته تلك؟

 

كرر سولانا على مسامعنا كعادة كل الساسة الأوروبيين الإشادة بأوروبا باعتبارها موطن الحريات والديمقراطية إلى حد أن هذه القيم "تجري في دم الأوروبيين" غربيهم ووسطهم وشرقيهم من أعضاء الاتحاد الأوروبي الجدد, وكرر أنهم قدوة يجب أن نتطلع إليها.

 

"
ما يتوقعه العالم من السياسيين والدبلوماسيين أمثال السيد سولانا هو سياسات وبرامج محددة تعمل فعلاً على دعم التغيير الديمقراطي.. فأين هي هذه السياسات والبرامج
"
كل هذا "عال العال", وليس فينا -باستثناء حكامنا ونفر مثلهم يسعى لمشاركتهم أو الحلول محلهم- من لا يتطلع لهذه الديمقراطية والحرية كنموذج يحتذى وكحلم يراود كل النشطاء السياسيين. بل إن كافة قادة وزعماء الحركات والتيارات الإصلاحية قد تتلمذوا بشكل رئيسي على يد مفكري ورواد الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان الأوروبيين بالذات. أي أن النداء الديمقراطي ليس بحاجة للإطلاق, فالإطلاق قام به أصحابه من العلماء والمفكرين والرواد القدوة.

 

أما ما يتوقعه العالم من السياسيين والدبلوماسيين أمثال السيد سولانا, فهو سياسات وبرامج محددة تعمل فعلاً على دعم التغيير الديمقراطي .. فأين هي هذه السياسات والبرامج؟

 

مثله للأسف, كمثل الحكام العرب, يلجأ السيد سولانا لمقولة إن الرغبة في التغيير وحركات الدمقرطة والمطالبة بحقوق الإنسان يجب أن تأتي من الداخل وبفعل ذاتي, ليتسنى للخارج -هو أوروبا هنا- دعمها. وربما يظن سولانا مثله في هذا مثل الحكام العرب, أنه بهذا أعفى أوروبا من أي مجهود وعلق مشروع الدمقرطة وحقوق الإنسان في العالم العربي إلى مالا نهاية!

 

ويفوت السيد سولانا أن يلاحظ  أن كامل الشعوب العربية تطالب بالديمقراطية وحقوق الإنسان, وأن خيرة رجالها ونسائها أصبحوا "مطاردين" موزعين بين السجون والمحاكم العرفية والمنافي والعيش تحت تهديد الاعتقال أو التصفية الجسدية, أو على الأقل تحت مراقبة  تصيدية لا تحترم أيا من خصوصيات الإنسان المكونة لحريته, تقصر رواية جورج أورويل "1984" عن وصفها!

 

ولا يلاحظ السيد سولانا أن "سيادة القانون" التي يعتبرها من لزوم الديمقراطية, قد تكون خطيرة لأنه لا يعرف أي قانون يسود في بلادنا. ولو عرف سيجد أنها قوانين الطوارئ والمحاكم العسكرية والاستثنائية التي تعاقب على كل محاولة إصلاح ولو بمجرد النقد أو طرح الأفكار عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 

وتخترع تهم مطاطة من مثل "المساس بهيبة الدولة " أو "التحريض على الوضع القائم, أو على ما يمس الاستقرار والأمن .." بمعنى أن أية محاولة لتغيير أي شيء مما هو قائم تصبح جريمة " أمن دولة".

 

حتى المحاكم المدنية كبلت بسلسلة قوانين تشرع للقمع والفساد والتمييز وتحمي مرتكبيه وتعاقب فقط من يكشفه أو يحاول وقفه.. وغني عن القول إن العدالة ذاتها, ناهيك عن الدمقرطة والتغيير, لا يهددها شيء كما تهددها سيادة هذه القوانين.

 

"
الحكم الصالح اصطلاح جرى تصنيعه بالاتفاق والتواطؤ مع الحكام العرب، لأن جذور العبارة تعود إلى القرون الوسطى سواء في أوروبا أو في العالم العربي
"
و"سيادة القانون هذه" دون التمحيص في حقيقة القوانين السائدة, يقرنها السيد سولانا بإصطلاح "الحكم الصالح"، وهذا اصطلاح جديد اخترعته أميركا من أجلنا نحن شعوب العالم العربي الذين لم نتأهل كبشر لاستحقاق "الديمقراطية" كما تأهل البشر من الصنف الأول في أميركا وأوروبا، وهو اصطلاح أجزم بأنه جرى تصنيعه بالاتفاق والتواطؤ مع الحكام العرب، لأن جذور العبارة تعود إلى القرون الوسطى, سواء في أوروبا أو في العالم العربي.

 

ولكن أوروبا توقفت عن استعمال عبارات مثل "الحاكم الصالح, والملك العادل", حتى في قصص الأطفال, حيث آخر جمهور لها, منذ أكثر من نصف قرن, واستبدلتها بتوجه مستقبلي للأطفال عبر توظيف الخيال العلمي بالذات. وقد  سبق أن كتبت عن هذا مقالة بعنوان "الحكم الصالح لحكام فاسدين"، ولكن سولانا, ومن خلفه أوروبا وإلى جانبه أميركا, لم يشرحوا  لنا بعد كيف يمكن أن تتحقق هذه المعادلة العجيبة على أرضنا دون غيرها إلا في أساطير ألف ليلة وليلة! 

 

أشياء كثيرة أخرى لم يشرحها السيد سولانا كما يجب حين تطوع بأن يخرج على منبر صحيفة عربية كبرى ليكرر نداء أوروبا الديمقراطي لنا في هذا الظرف الدقيق بالذات .. منها على سبيل المثال الملح الذي تطرحه أميركا وفرنسا علينا, وتتواطأ معهما أوروبا كما يبدو: كيف يحدث أن هؤلاء جميعاً يطالبون بعزل رأس الدولة الوحيد المنتخب ديمقراطياً في العالم العربي, وهو الرئيس اللبناني, ودونما لجوء حتى للآلية الديمقراطية المتوفرة, وهو مجلس نواب لبناني منتخب أيضا؟

 

هل لأن ذلك المجلس رضي بالتمديد للحود كنتيجة, بغض النظر عن مشاورات ومناورات الحشد للتمديد مما يجري في كافة أنحاء العالم الحر؟ وكيف لا تصبر أميركا وأوروبا على لحود للفترة المتبقية من التمديد أو لغاية انتخاب مجلس نيابي جديد بات على الأبواب, وتصبر, بدلاً من ذلك وعلى حسابنا, على رؤساء دول يمدد لهم منذ عقود وآخرين باقون, دونما حاجة لانتخاب أو تمديد, مدى الحياة؟!

 

في بحث عن إجابة ضمن مقالة السيد سولانا, نتوقف عند قوله: "يعتبر التحول إلى الديمقراطية هدفاً صعباً خصوصاً في أنظمة سياسية صلبة ووسط ضغوط إقليمية كبيرة, ويتطلب جعل الحكام يتخلون عن بعض نفوذهم جواً من الثقة والتفاؤل يعتمد بالمقابل على ظروف الأمن الخارجي"!

 

ونتساءل ماذا يعني "بالأنظمة الصلبة"؟ صلابة المواقف الأيديولوجية أم التمسك بالكرسي, بمعنى الدكتاتورية؟ ثم ألا ينطبق الاثنان على النظام العراقي, ضمن تبني القراءتين العربية والغربية له كي لا يقال إننا ننحاز لقراءة بعينها هنا؟ فكيف لم يطلب من النظام العراقي "التخلي عن بعض نفوذه", بل ورفضت أميركا, وصمتت أوروبا على أحسن تقدير, عن  اقتراح دول عربية بتخليه عن كامل منصبه ونفوذه, ودونما انتظار لرد النظام العراقي على الاقتراح بما يوحي بخشيتهم من قبوله به مقابل عدم شن حرب على العراق؟

 

ثم لماذا لم يؤخذ هنا "بالظروف المخففة" التي يسوقها سولانا ليبرر عدم تنازل دكتاتوريات الشرق الوسط والعالم العربي حتى عن جزء من نفوذهم؟ ألم يكن النظام العراقي تحت "ضغوط إقليمية" لكونه أكبر معقل للقومية العربية, ومنتجاً في الوقت نفسه لأكبر "حالة ضغط شعبية إقليمية" على الغرب, لو أن الغرب يعبأ بالصوت الشعبي العربي؟

 

هل نسي سولانا المظاهرات التي كانت تخرج بعشرات ومئات الآلاف في العواصم العربية لدعم موقف النظام العراقي, ناهيك عمن قمعوا على يد الأنظمة العربية؟! ألم يكن هنالك ضغط إقليمي ودولي "رسميان" هذه المرة, على النظام والشعب العراقي معا, تجسدا في حصار غير مسبوق في قسوته, في القرون الأخيرة على الأقل؟

 

ألا يجعل هذا الواقع النظام والشعب العراقي أحوج "لجو من الثقة والتفاؤل" من كافة الأنظمة العربية (لن نقول الشعوب لأنها في واد آخر غير وادي أنظمتها)؟!

 

"
كيف لا تصبر أميركا وأوروبا على لحود للفترة المتبقية من التمديد أو لغاية انتخاب مجلس نيابي جديد بات على الأبواب وتصبر -بدلاً من ذلك وعلى حسابنا- على رؤساء دول يمدد لهم منذ عقود وآخرين باقون دونما حاجة لانتخاب أو تمديد مدى الحياة
"
بعد سابقة احتلال بلد عربي بين يوم وليلة, والإطاحة بنظامه في زعم إحلال الديمقراطية عليه, وبعد تواطؤ أميركا وأوروبا على تجميد الحياة السياسية في البلد الديمقراطي الوحيد بين العرب، ناهيك عن تأجيج الشارع وإحياء الفتن, وقد يكون ترتيب اغتيال رئيس آخر منتخب, فلا أحد فوق الشبهات خاصة المنتفعين، لترتيب انقلاب على رئيس دولة ورئيس حكومة منتخبين, بعد كل هذا يقول لنا السيد سولانا إن "الاتحاد الأوروبي يثق في أن التغيير لن يحصل بين ليلة وضحاها, ولكنه -أي الاتحاد الأوروبي- التزم على المدى البعيد في المنطقة وهو يستند على موارد ضخمة لذلك". هنا نأتي للمفصل الأهم: المال وتوظيفه السياسي أو توظيفه للسياسة. 

 

يقول سولانا إن الاتحاد الأوروبي ينفق كل عام أكثر من بليون يورو كمساعدات, وبليونين كقروض ميسرة .. "بدون دعاية" حسب قوله!! ولكن ما نريده هنا نحن هو الدعاية والإعلان, أي الخروج للعلن وقول كيف وأين ولمن ولماذا تصرف هذه المبالغ؟

 

إن قبلنا قول سولانا إن إنفاقها هو "لترويج الأمن والتطور .. هذه الأهداف المدروسة, لكون التغيير الديمقراطي لا يمكن أن يحدث وينجح إلا إذا شعر الناس بالازدهار والأمان" .. فإننا نؤكد للسيد سولانا أن هذا بالفعل ما هو حاصل.

 

فالأوضاع الاقتصادية في تلك الدول، (فيما يعني معيشة الغالبية الساحقة من الشعوب وليس ثروات الحكام, وإن جرى الخلط المتعمد تحت عناوين معدلات نمو ومجمل ناتج قومي) في تراجع مضطرد, كما أن تلك الأنظمة هي التي كانت وما تزال تزعم أن أمنها مهدد من الخارج, رغم أن العراق هو المحاصر ثم المحتل من قبل "الأصدقاء الأميركان"!

 

وإسرائيل لم تعد عدوا في نظر تلك الأنظمة, بل إن من يقول عنها أو عن أميركا مثل هذا, يعاقب! فما الخطر الذي يهدد أنظمة لم يعد العراق, بكل ما كان يمثله من قوة عسكرية أو زخم قومي يهددها, وهي في الوقت ذاته آمنة في ظل صداقتها لأكبر قوة عسكرية في المنطقة وللقوة العظمى الدولية الموجودة أيضا بجيوشها واستخباراتها في المنطقة؟!

 

وقد يؤشر هذا لسولانا وللأوروبيين على من يخلق أو حتى يختلق المتطرفين "والإرهاب", بل ويدفع الشعوب العربية باتجاه دعمهم دفعا, لكونهم باتوا أهون الشرين!

 

أما إذا كان الإنفاق الأوروبي هو لصالح "الأسواق المنفتحة, والعقول المنفتحة", فليعذرنا السيد سولانا حين نشك في أن الثانية غير مطلوبة, بل ويتم  تأجيلها بل ومحاربتها لصالح الأولى.

 

"
الدكتاتوريات في الشرق الأوسط ستعمل حتماً على أن لا يتحقق الأمن والازدهار كي لا تحدث الديمقراطية وإن حدثت فستعمل كي لا تنجح
"
ولأن السيد سولانا يتوفر له من الطواقم الرسمية, ومن الوسائل الشعبية للشفافية من صحافة حرة إلى منظمات مجتمع مدني, ومن الحماية القانونية من سطوة الفاسدين ما لا يتوفر لنا .. فإننا نحيله إلى ملفات الشركات الأوروبية التي تعمل في الشرق الأوسط بهذا التمويل الأوروبي, وإلى شركائها العرب الذين لن يجد صعوبة في تحديد أسمائهم الشخصية (وليس فقط الوهمية خلف مسمى شركات وهيئات) في الملفات الأوروبية, وإن غابوا عن النسخ العربية من تلك الملفات أو حجر على نشرها.

 

ونحيله إلى أرصدة هؤلاء الشخصية في البنوك الأوروبية (والسويسرية تحديداً) .. ونحن نجزم بأن السيد سولانا لن يجد صعوبة في تحديد أدق لهوية أصحاب تلك الأسماء, فهم ليسوا نكرات على شاكلة هذا الجسم الضبابي الضخم الذي يسمى الشعوب العربية, من "جيران أوروبا" الذين تؤثر عدم الاختلاط بهم!!

 

ولكن هل تبلغ الرغبة في عدم المخالطة تلك حداً يمنع أن يسمع هؤلاء الذين يوجهون نداءات الديمقراطية, نداءات واستغاثات أكثر جدية من الطرف المقابل .. أم هل هو حديث من على الشرفات العليا يوجه لهذا الجسم البشري الضخم (mass, حسب التعبير الإنجليزي الأدق لازدواجية معناه), محكوم منذ أوائل العصر الكولونيالي بأن يكون باتجاه واحد  فقط ؟؟!!

______________

كاتبة أردنية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة