المصريون في مواجهة العبث بسمعة بلدهم   
الثلاثاء 1431/2/4 هـ - الموافق 19/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:50 (مكة المكرمة)، 12:50 (غرينتش)


نعيش منذ أسابيع مشهدا يحاكي ذلك الذي تابعناه خلال العدوان على غزة قبل عام، لاسيما أن إعلان تسيبي ليفني الحرب قد تم من القاهرة، وقالت شواهد كثيرة إن قدرا من التواطؤ، وربما التحريض قد توفر في ذات السياق.

لا نبالغ إذا قلنا إن مشهد الأسابيع الأخيرة قد يبدو أكثر سوءًا، أو بذات المستوى من السوء في أقل تقدير، فهناك في المشهد الأول اصطفّ قطاع عريض من المصريين إلى جانب النظام منكرين ما يوجه إليه من اتهامات، ورافضين تحميله المسؤولية عما يجري، في حين تبنى آخرون ذات المعادلة التقليدية المعروفة ممثلة في إمكانية قيام المصري بانتقاد نظامه، لكنه لا يسكت في حال جاء النقد من آخرين.

"
في ضوء ما جرى ويجري، نؤكد على أننا عربا ومسلمين لا يمكن أن نكره مصر والمصريين أيا كانت الظروف، فهم منا ونحن منهم، وقد كانوا وسيبقون طليعة الأمة في مواجهة العدوان عليها
"
هذه المرة تابعنا خطابا سياسيا قويا من طرف أعداد كبيرة من الكتاب والسياسيين والنقابيين والعلماء تعبر عن قطاع عريض جدا من المصريين كان لهم رأي آخر فيما يتعلق بالجدار الفولاذي الذي يبنى على الحدود مع قطاع غزة، إلى جانب منع قوافل المساعدات والمتضامنين من الدخول إلى القطاع، ولم يتورع كل أولئك عن القول إن ما يجري يسيء إلى مصر وشعبها، بينما صرخ بعضهم من الخارج (كذلك من الداخل) مطالبا برحمة المغتربين المصريين الذين أصبحوا يتوارون خجلا من إخوانهم العرب والمسلمين، لاسيما حين تتوجه المسيرات في العواصم الأوروبية والعربية نحو السفارات المصرية.

الأكثر إثارة في ردود الفعل هو تساؤل عدد من الكتاب عن عبثية سؤال "لماذا يكرهوننا؟" في ضوء ما جرى ويجري، الأمر الذي كان مثيرا للحزن والقهر، ومدعاة للتأكيد على أننا عربا ومسلمين لا يمكن أن نكره مصر والمصريين أيا كانت الظروف، فهم منا ونحن منهم، وقد كانوا وسيبقون طليعة الأمة في مواجهة العدوان عليها.

من العبث تحميل الجماهير المصرية عبء ما يفعله النظام، تماما كما أن من العبث تحميل أي شعب عربي مسؤولية ما يفعله نظامه السياسي، لاسيما أن المسافة بين الأنظمة والشعوب كانت ولا تزال كبيرة، على تفاوت بين نظام وآخر، وقد زادت اتساعا خلال السنوات الأخيرة.

مع العلم بأن قيام الصحافة ووسائل الإعلام في هذا البلد أو ذاك بممارسة النفاق السياسي للنظام، لا يعني أن الموقف الشعبي والرسمي قد غدا واحدا، ويكفي أن يدخل أي أحد إلى مواقع الإنترنت وما تنشره من تعليقات على الأخبار والمقالات حتى يدرك هذه المعادلة.

في زمن الدولة القطرية وتجزئة سايكس بيكو وما هو أسوأ (نظرية القطر أولا)، وبعد ذلك سيطرة فئات بعينها على السلطة والثروة في آن معا، وظهور لعبة التوريث، لم يعد بالإمكان الحديث عن تطابق، بل ولا حتى شبه تطابق في الموقف بين الأنظمة والشعوب، حتى لو توفر شيء من ذلك في بعض المحطات والحالات المحدودة والحوادث العابرة.

ولذلك لا يمكن للجماهير العربية الواعية، ونخبها المعبرة عن نبضها أن تتورط في تحميل الشعوب وزر مواقف أنظمتها السياسية، فضلا عن خوض المعارك الجانبية بين بعضها وبعض كما وقع في قضية مباراة الجزائر ومصر التي تركت شروخا في علاقة الأخوة بين الشعبين ندعو الله أن تلتئم سريعا.

"
كانت فتوى مجمع البحوث الإسلامية بشأن الجدار تعبيرا عن الانحطاط الذي أصاب هذه المؤسسة العريقة، وهي ظاهرة تعبر بدورها عن أزمة الدولة القطرية وصياغة الفتاوى على مقاسها بعيدا عن روحية الأمة
"
الأسوأ بالطبع هو شمول هذه المعادلة للعلم والعلماء، لاسيما مؤسسة الأزهر التي ابتذلت في معارك السياسة كما لم تبتذل من قبل، وقد كانت فتوى مجمع البحوث الإسلامية بشأن الجدار تعبيرا عن هذا الانحطاط الذي أصاب هذه المؤسسة العريقة، وهي ظاهرة تعبر بدورها عن أزمة الدولة القطرية وصياغة الفتاوى على مقاسها بعيدا عن روحية الأمة، فضلا عن تبعية الديني للسياسي في زمن النخب التي تتحكم في السلطة والثروة كما أشير من قبل، والتي تعبر عن مصالحها وليس مصالح القطر (دعك من مصلحة الأمة).

لكن ما ينبغي أن يقال هنا أيضا هو أن علماء مصر لم يكونوا على مقاس شيخ الأزهر أيضا، فقد كان لهم صوتهم المغاير، وعلى رأسهم عدد من العلماء يتصدرهم العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، وكذلك جبهة علماء الأزهر التي قالت ما لم يقله أحد آخر في هجاء فتوى الجدار ومُصدريها، حيث قال بيانها إن "القول بالتحريم والتحليل بغير سلطان سوى سلطان الوظيفة الزائلة هو لون من الكفر يتهدد مرتكبيه بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة"، مضيفا "ليس مما أنزله الله إليكم أن تعينوا الغادر على غدره بباطل القول وزوره، وأن تعينوا الفاجر على فجوره بالصمت عليه والتسويغ له".

في مواجهة هذه الموجة من الرفض لممارسات النظام من قبل النخب والجماهير، وقع افتعال قصة الجندي المصري الذي استشهد في مدينة رفح، والذي استثمرت دماؤه بطريقة بشعة للتحريض على حماس وسائر الفلسطينيين، وحرف الأنظار عن جريمة الجدار الفولاذي، بل تبريرها، وتابعنا طوال أيام وصلات ردح بالغة البشاعة ذكرت بتلك التي استخدمت ضد الجزائر عشية المعركة الكروية.

ونقول افتعال، لأن شواهد كثيرة تدل على أن الجندي قد أصيب برصاص من الجانب المصري، وهو الرصاص الذي أصاب عشرات الفلسطينيين بعضهم في حالة الخطر الشديد، مع أن العكس لا يغير كثيرا في المشهد تبعا لاحتمال أن يكون الأمر قد وقع بيد عميل يريد من أمروه التحريض ضد حماس أو إحداث مزيد من الشروخ في العلاقة بين الشعبين الشقيقين. وعلى أية حال فإن دم الشهيد المصري يبقى في رقبة الذين صنعوا المشكلة بما فعلوه بقافلة شريان الحياة كما ذهب صديقنا الأستاذ فهمي هويدي.

إن حماس التي تدرك موقف النظام منها لا يمكن أن تفعل ما يحرّض الشعب المصري عليها، هي التي تدرك حجم تعاطفه معها، ولو سألت أي قيادي فيها لتمنى لو كان الشهيد من عناصر الحركة بدل الجندي المصري.

على أن ذلك لا يحول دون إبداء ملاحظة مهمة في السياق المتعلق بالحالة المصرية على وجه التحديد، ذلك أننا نتمنى بالفعل من الجماهير المصرية، ومن سائر الفعاليات الشعبية أن تكفّ عن ترديد تلك النظرية القائلة بحق المصريين وحدهم في انتقاد نظامهم، ليس فقط لأن هذه المعادلة لا ينبغي أن تكون فاعلة في حق أي نظام عربي أو إسلامي، بل أيضا لأن مصر هي قائدة الأمة، وهي الدولة التي تؤثر مواقفها سلبا وإيجابا على عموم الوضع العربي، الأمر الذي لا ينطبق على أكثر الدول الأخرى، فالدول الصغيرة مع كل الاحترام لشعبها الطيب المدجج بحب الأمة والانتماء إليها والانحياز لقضاياها لا تؤثر في الوضع العربي كما تؤثر مصر أو السعودية أو سوريا أو الجزائر.

"
كلما كان الحراك الشعبي المصري حيويا ضد أخطاء السياسيين وخطاياهم، مع الإقرار بحق ما تبقى من العرب والمسلمين في الاحتجاج أو انتقاد النظام ورموزه، فإن روح الأمة ستبقى حيّة
"
إذا كانت الدولة القطرية أو دولة التجزئة قد فرضت علينا، ومن بعدها هذا الاحتكار للسلطة والثروة من قبل نخب معينة، فلا ينبغي لشعوبنا أن تستسلم لهذه المعادلة، إذ يجب أن تبقى روح الأمة سارية فينا حتى يبقى أمل النهوض قائما، لأن أملا كهذا لن يتوفر في حال بقيت دولة التجزئة من المقدسات، ولم يحدث التقدم على طريق التعاون والتضامن الحقيقي وصولا إلى الوحدة.

في السياق الذي نحن بصدده، يمكن القول إنه كلما كان الحراك الشعبي المصري حيويا ضد أخطاء السياسيين وخطاياهم، مع الإقرار بحق ما تبقى من العرب والمسلمين في الاحتجاج أو انتقاد النظام ورموزه، فإن روح الأمة ستبقى حيّة، وهو ما ينطبق على الموقف من الآخرين.

وعموما ستبقى مصر هي مصر وشعبها هو المسلم العربي الأبي الذي لا غنى للأمة عنه ولا غنى له عنها، بل هو رائدها في التغيير، فيما ندرك أن حملات التحريض على إخوته التي يتعرض لها لا يمكن أن تؤثر في وعيه الجمعي، حتى لو أثرت في قليل من أبنائه لبعض الوقت (وداع أهل العريش الحميم لقافلة شريان الحياة دليل على ذلك)، لاسيما أن معاناته من أخطاء النظام وخطاياه في الداخل كبيرة، فضلا عن تفريطه بأمن مصر القومي وحضورها ودورها في الخارج، بخاصة خلال السنوات الأخيرة منذ سيطرة هواجس التوريث عليه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة