أميركا تعطي الأولوية لحصار سوريا   
الخميس 15/10/1426 هـ - الموافق 17/11/2005 م (آخر تحديث) الساعة 21:44 (مكة المكرمة)، 18:44 (غرينتش)

منير شفيق

مجموعة السياسات التي اتبعتها الإدارة الأميركية خلال أكتوبر/تشرين الأول 2005 لا تترك مجالاً للشك في أنها راحت تعطي لموضوع الهجوم على سوريا موقع الأولوية، فسوريا الآن بالنسبة إلى الإدارة الأميركية صارت كما كان العراق قبل بضعة أشهر من يوم شن الحرب عليه.

وهكذا لابد للسياسة، أية سياسة، من أن تعمل ضمن أولوية حاكمة في كل مرة، أو فترة، حتى لو بدا أن تلك الأولوية مختلطة بغيرها من الضرورات والأهداف لاسيما إذا كان الأمر يقتضي الحرب، أو ما هو في مستوى الحرب من ضغوط أو حصار أو مقاطعة أو عزل، ولهذا ليس أمامها من مفر إلا أن تكشف تلك الأولوية حتى لو لم تعلن ذلك، وحاولت التغطية عليه.

فمن يدقق بالسياسات الأميركية خلال الفترة الأخيرة المذكورة، يجد أنها ذهبت إلى التهدئة مع روسيا بعد أن كانت العلاقات الروسية الأميركية آخذة بالتأزم.

"
أولوية البرنامج النووي الإيراني تقتضي من الإدارة الأميركية نزع أسلحة حزب الله، وذلك غير ممكن ما لم تتعاون سوريا، مما يستدعي خروجها من لبنان، ومن ثم إخضاعها بعد ذلك، وهو ما يجري راهنا
"
فقد عرضت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس على بوتين أن تشكل لجنة مشتركة أميركية روسية للتباحث في كل ما يتعلق بالجمهوريات المستقلة في آسيا الوسطى حيث كانت أميركا قد وجهت للأمن الإستراتيجي الإقليمي الروسي عدة ضربات تحت الحزام، مما كان يثير غضب الحكومة الروسية ورئيس الدولة فلاديمير بوتين.

وحدث الموقف نفسه من جانب الخارجية الأميركية، ومن جانب دونالد رمسفيلد وزير الدفاع الأميركي إزاء الصين.

فبعد أن كانت العلاقات الأميركية الصينية سائرة حثيثا نحو التأزم بسبب ما تدعيه إدارة بوش من تطوير الصين لقواتها العسكرية وأسلحتها وإخفاء حقيقة موازنتها، تقدم رمسفيلد في زيارته خلال شهر أكتوبر إلى الصين باقتراحات إيجابية تخفف من التوتر، وتجنح إلى التهدئة وترطيب الأجواء.

أما العلاقات الأميركية الأوروبية، خصوصاً الأميركية الفرنسية، فتشاهد الآن ما يشبه شهر العسل بعد تأزم وصل إلى حد بعيد، فأميركا أشعرت فرنسا وأوروبا بالطبع أن لا غنى عن شراكتهما وإشراكهما معها في إدارة السياسات الدولية، بعد أن كان المحافظون الجدد قد تبنوا -وبأعلى درجات التصريحات الفظة- إستراتيجية العزف الأميركي المنفرد.

فالكل يذكر اتهامهم لفرنسا وألمانيا بأنهما تمثلان أوروبا القديمة، ومن ثم الانفراد مع بريطانيا باتخاذ قرار الحرب على العراق.

طبعاً لا شك في أن ما يحدث الآن من انقلاب في الإستراتيجية إزاء فرنسا وأوروبا، لا تفسير له غير الفشل الذي منيت به إستراتيجية المحافظين الجدد خلال الثلاث سنوات الماضية في كل ميدان عالمي، وعلى التحديد بداية، في العراق.

هذا التفسير يترجم الآن على الساحة السورية، بإعطائها الأولوية التي تفرض من أميركا ألا تكرر أخطاءها التي ارتكبتها في الهجوم على العراق، يوم ظنت أن بإمكانها من خلال عضلاتها وحدها أن تنجز المهمة ولا حاجة إلى شريك يقاسمها في الغنيمة، على أي وجه من أوجه الاقتسام حتى لو لم يطلب قسمة نصفية أو ما يقاربها.

وإعطاء سوريا الأولوية في الهجمة الأميركية في هذه المرحلة، يمكن أن يلحظ أيضاً من خلال السياسات الأميركية في منطقتنا نفسها، والمقصود البلاد العربية وإيران وتركيا وباكستان.

فمن الملحوظ أن السياسة الأميركية راحت تهدئ أو تتخلى عن التأزيم أو تحيد كل دولة كانت مشتبكة معها بشكل أو بآخر، وهذا واضح من الإيجابية التي تعامل بها الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

فإذا كان لم يقدم له شيئا ملموسا فقد كان سخيا في المديح والاسترضاء والوعود الملتبسة. فالمهم هو العمل على تهدئة الجبهة الفلسطينية في هذه المرحلة إلى أقصى الحدود من أجل إنهاء المهمة في سوريا.

"
إعطاء الأولوية الآن للملف السوري يفسر قبول أميركا بتدخل الجامعة العربية في العراق من خلال مشروع مصالحة، في حين أنها كانت في الماضي القريب لا تقبل بمثل هذا التدخل
"
الأمر نفسه يمكن أن يلحظ في موضوع البرنامج النووي الإيراني الذي أصبحت له الأولوية الأميركية ولم تزل حتى الآن، بل يمكن اعتبار فتح الملفين اللبناني والسوري في خدمة تلك الأولوية ضغطاً أو حصارا أو حربا.

فإذا كانت أولوية البرنامج النووي الإيراني تقتضي من الإدارة الأميركية أن تنزع أسلحة حزب الله في لبنان، وإذا كان نزع تلك الأسلحة غير ممكن ما لم تتعاون سوريا، فإن من الضروري خروجها من لبنان، ومن ثم محاولة إخضاعها بعد ذلك، وهو ما يجري راهنا.

ولهذا فإن تهدئة الحملة على إيران نفسها تصبح ضرورية لخدمة إنجاز هذين الملفين من أجل التوجه إليها بعد ذلك. وهذا ما يفسر المرونة التي أظهرتها السياسة الأميركية، ولو بصورة مؤقتة، بما يتضمن التأجيل، في المواجهة مع إيران، كما كانت الحال في سياستها العراقية، وفي سياستها هي والترويكا الأوروبية إزاء البرنامج النووي الإيراني نفسه، بعد أن أوقف عند عتبة مجلس الأمن.

وبكلمة، ليس من تفسير لكل ذلك سوى التركيز على الأولوية في الضغط على سوريا ومحاصرتها.

ومن هنا يمكن التقاط التوقيت الذي دفع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى إطلاق تصريحه حول إزالة الدولة العبرية من الخريطة، كأنه يمد يد العون لسوريا من جهة ويعترض خطة الانفراد بسوريا ثم بحزب الله تمهيدا لضرب إيران من جهة أخرى.

ثم إذا كان هذا التحليل يمكن أن يطبق أيضا في تفسير تأجيل فتح ملف أسلحة حزب الله لبنانيا، فإنه يفسر كذلك خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله يوم 28/10/2005 الذي يحمل في بعض أبعاده اعتراض لخطة الانفراد بسوريا تمهيدا لمحاصرتها والهجوم عليها.

وبالمناسبة فإن فتح ملفات محاصرة سوريا لإخضاعها وانتزاع أسلحة حزب الله وتصفية البرنامج النووي الإيراني، يمثل قضية إسرائيلية من الدرجة الأولى أكثر منها أميركية.

وهذا ما لا ينبغي أن يغيب عن البال عند كل تفسير للسياسات الأميركية في منطقتنا، حتى لا تلتبس الأمور حين تطرح الذرائع وتناقش التفاصيل.

إن إعطاء الأولوية الآن للملف السوري يفسر أيضا قبول أميركا بتدخل الجامعة العربية في العراق من خلال مشروع مصالحة، في حين أنها كانت في الماضي القريب لا تقبل بمثل هذا التدخل.

ولهذا من البديهي أن الموقف الأميركي المستجد من تدخل الجامعة العربية بشخص أمينها العام عمرو موسى الذي لا ترتاح إليه واشنطن، يدخل ضمن التهدئة على المستويين العراقي والعربي من أجل خدمة أولوية محاصرة سوريا وعزلها، طبعا إلى جانب أهداف أخرى مثل تجييره عراقيا لتخفيف أزمتها العراقية، وأزمتها الداخلية والضغط على إيران.

لكن العامل الأهم الآن لهذه الخطوة في هذه اللحظة، يجب أن يرى في المعركة المفتوحة ضد سوريا في مجلس الأمن.

"
آخر ما يشغل بال الإدارة الأميركية هو كشف الحقيقة فيما يتعلق باغتيال الحريري، لأنه أصبح مجرد ذريعة لا تختلف عن ذريعة ضرب تنظيم القاعدة في أفغانستان أو أسلحة الدمار الشامل في العراق أو حل قيام الدولتين في فلسطين
"
ولا بد من التفريق دائما عند قراءة السياسة الأميركية، بين ما يعلن من أهداف وما يتوخى فعلا من أهداف يراد تحقيقها تحت تأثير ما يستخدم من ذريعة أو يطرح كأسباب مباشرة للتحرك.

في السنوات الأربع الماضية أمثلة حية على هذه الإشكالية، فقد ذهبت الإدارة الأميركية إلى الحرب على أفغانستان تحت هدف استئصال مصدر الإرهاب بحجة ما حدث يوم 11 سبتمبر/أيلول 2001، لكن تبين في ما بعد أن ثمة أهدافاً أبعد من ذلك الهدف، بل هي الأهداف الحقيقية، وما الهدف المعلن عنه إلا الذريعة.

فمن يلحظ أولويات السياسة الأميركية بعد احتلال أفغانستان لا يجدها في ملاحقة فلول طالبان واجتثاث تنظيم القاعدة، وإنما بتكريس الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان نفسها بل وفي ما حولها من بلدان آسيا الوسطى، أما الهدف الذريعة فقد انتقل فورا إلى المرتبة الثالثة من حيث الأهمية وانقلبت متابعته إلى مواقع الدفاع وليس الهجوم.

أما ما أعلن من هدف وراء الحرب على العراق فقد كان أشد بلاغة في ابتعاده عن الهدف الحقيقي، فالكل اكتشف الذريعة الكاذبة للحرب حين أعلن بأن الهدف هو انتزاع أسلحة الدمار الشامل من العراق، وإذا بذلك الهدف مجرد أكذوبة مفضوحة تمت فبركتها.

بينما الهدف الحقيقي كان ما عبرت عنه السياسات الأميركية بعد الاحتلال حتى اليوم من تخريب للعراق ونهب لثرواته، وشل لقدراته، وصولا إلى تقسيمه بما يخدم مشروع الشرق أوسطية، في تجزئة المنطقة إلى دويلات طائفية وإثنية وجهوية، لا مشترك بينها غير الوجود في منطقة جغرافية تنتسب إليها، أي الشرق الأوسط، وذلك بإلغاء هويتها العربية والإسلامية وحتى القُطرية الوطنية غالباً.

وحتى في فلسطين فقد تبين أن ما سمي بحل الدولتين، هو الحل الشاروني الجاري تطبيقه الآن على الأرض.

من هنا فإن آخر ما يشغل بال الإدارة الأميركية هو كشف الحقيقة فيما يتعلق باغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري، إذ كشف الحقيقة في هذه القضية أصبح ذريعة لا تختلف عن ذريعة ضرب تنظيم القاعدة في أفغانستان أو أسلحة الدمار الشامل في العراق أو حل الدولتين في فلسطين.

إنه مجرد ذريعة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فالهدف الحقيقي هو سوريا وموقعها في الإستراتيجية الجغرافية، ومن وجهة نظر المشروع الإسرائيلي الصهيوني والمحافظين الجدد وحلفائهم في الإدارة الأميركية.

وهذا واضح من عروض الصفقات التي قدمت لسوريا قبيل صدور تقرير ديتليف ميليس الذي سُخر ليكون سوط تهديد ووعيد على ظهر سوريا حتى تقبل بالصفقة الأميركية التي خلاصتها: الاستسلام الكامل للمشروع الصهيوني الشرق أوسطي في المنطقة، بما يتضمنه من وقوف إلى جانب أميركا في العراق والمساهمة في انتزاع أسلحة حزب الله في لبنان، وتمرير المشروع الشاروني في فلسطين، وصولا إلى مشروع الشرق الأوسط الكبير.

لو قبلت سوريا بهذا الاستسلام لما ورد اسمها في تقرير ميليس، ولرأينا التقرير قد خرج على صورة أخرى، ولهذا يجب أن يقرأ ذلك التقرير  في مرحلته الحالية ضمن استمرار عرض الصفقة، بما يتضمن تبرئة سوريا في حالة الموافقة على الصفقة أو إدانتها في حالة رفضها.

وهذا ما يفسر إشارته في أكثر من موقع إلى أن المتهمين حتى الآن يمكن أن يكونوا أبرياء، مثل تأكيده أنه باتجاه إدانة سوريا في حالة ما لم تثبت البراءة، والبراءة والإدانة هنا لا علاقة لهما بالوقائع والأدلة وإنما باستجابة أو عدم استجابة سوريا للمطلوب منها أميركيا إسرائيليا.

لهذا هدأت أميركا كل الجهات من حولها من أجل خدمة هذه الأولوية التي تهدف إلى إخضاع سوريا والى مواصلة حصارها، مع تشديد الخناق عليها من خلال مجلس الأمن حتى تخضع.

"
الخطأ الذي يجب تجنبه يتمثل في القول إنه لا خيار لسوريا غير القبول بالإملاءات الأميركية أو الاستسلام لاستباحتها من خلال تقرير ميليس، وإلا كان مصيرها هو مصير العراق، لأنه يمكنها أن تأخذ بخيار ثالث
"
من هنا يجب أن يقرأ الحراك الأميركي في مجلس الأمن وطريقة تناوله واستخدامه لتقرير ميليس، ثم لا ينبغي أن تخلط أهدافه بأهداف الحراك الفرنسي الذي يشاركه في الضغوط وصوغ مشاريع القرارات، كما لا ينبغي لأي تحليل سياسي رصين أن يخلط مطالبة الأطراف اللبنانية والعربية والدولية بالكشف عن الحقيقة أي عن المجرمين الذين دبروا ونفذوا اغتيال الشهيد الحريري، بالاستخدام الأميركي لهذه القضية العادلة والمحقة.

فالأهداف الأميركية بكلمة: لا علاقة لها بكشف الحقيقة، إذ كيف يمكن الفصل بين هذه الأهداف وما تستهدفه في العراق وفلسطين ولبنان وكل منطقة ما تسميه الشرق الأوسط الكبير، في حين أن أغلب الذين يطالبون بكشف الحقيقة يعارضون مشروعها للمنطقة الذي هو المشروع الإسرائيلي مقنعا بالإستراتيجية والسياسات الأميركية.

أما الخطأ الآخر الذي يجب تجنبه فيتمثل في القول إنه لا خيار لسوريا غير القبول بالإملاءات الأميركية أو الاستسلام لاستباحتها من خلال تقرير ميليس، وإلا كان مصيرها هو مصير العراق، لأنه يمكنها أن تأخذ بخيار ثالث يمانع الإملاءات الأميركية ولا يسمح للتعاون مع لجنة ميليس أن يتجاوز سيادة الدولة فيستبيحها من أجل تركيعها أو تفكيكها.

إن اتباع هذا الخيار الأخير ليس واجبا يتضمن ردعا للهجمة الأميركية الإسرائيلية عن سوريا والمنطقة فحسب، وإنما هو أيضا ممكن، إذ أن أميركا في أزمة حقيقية داخليا وفي أكثر من موقع دولي، والوضع في المنطقة والعالم ليس في مصلحتها وإن لم يأخذ شكل التحدي الظاهر في نقاط الممانعة والمقاومة الشعبية، علما بأن هذا التقدير للموقف يتطلب تحليلا خاصا به.
__________________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة