تحولات القذافي قبل ثورة الليبيين وبعدها   
الأحد 1432/3/25 هـ - الموافق 27/2/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:12 (مكة المكرمة)، 14:12 (غرينتش)


مع نهاية الحرب الباردة وأفول نجم المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي، أدرك معمر القذافي أن ظهره بات مكشوفا أمام الولايات المتحدة والغرب، وهنا تحديدا قرر نقل البندقية إلى الكتف الآخر، وبذل كل ما في وسعه من أجل الحصول على شهادة حسن سلوك تخرجه من دوائر الإرهاب.

من المرجح أن الضربة الجوية التي وجهتها الولايات المتحدة لمقر إقامة العقيد عام 1986 لم تكن تريد القضاء عليه، بقدر ما كنت تسعى إلى توصيل رسالة له مفادها أن عليه تغيير مساره، لكن نهاية الحرب الباردة كانت من دون شك الرسالة الأكثر بلاغة بالنسبة إليه.

"
لتبرير تحولاته من الثورية إلى الاعتدال أمام الشعب الليبي والجماهير العربية، استدعى القذافي الكثير من البلاغة المحدودة لديه، لكن الرجل المسكون بجنون العظمة لم يغادر كثيرا مربع الخطابة الثورية
"
لتبرير تحولاته من الثورية إلى "الاعتدال" أمام الشعب الليبي والجماهير العربية، استدعى الرجل الكثير من البلاغة المحدودة لديه، لكن الرجل المسكون بجنون العظمة لم يغادر كثيرا مربع الخطابة الثورية، الأمر الذي لم يكن يستفز الغرب الذي بدا لسان حاله يقول: ليقل القذافي ما يريد وليفعل ما نريد.

كانت القضية الفلسطينية هي المحطة الأولى التي كان على العقيد أن يعيد ترتيب مواقفه منها لكي يخرج من دوائر الإرهاب (تزامن ذلك مع اتساع نطاق النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة والغرب)، وهنا تحديدا لم يعد الرجل يقدم شيئا ذا قيمة لأي من الفصائل الفلسطينية كما كان يفعل من قبل، بل ذهب أبعد من ذلك حين تواطأ مع الموساد الإسرائيلي في سياق اغتيال الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الشهيد فتحي الشقاقي، الأمر الذي كان إيذانا بما يشبه القطيعة مع الحالة الإسلامية (المقاومة) الناهضة في الساحة الفلسطينية وفي مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي، وإن توفرت بعض العلاقات المحدودة مع حماس خلال السنوات الأخيرة (انحازت الحركة لثورة الشعب الليبي).

في المقابل كانت قضية لوكربي تنهض كمعضلة لا بد من حلها، وقبلها تفجير مقهى لابيل في ألمانيا والطائرة الفرنسية، وفي هذا السياق كان العقيد كريما جدا في سياق الدفع من أجل إغلاق القضايا الثلاث، بخاصة قضية لوكربي التي تم تسليم عبد الباسط المقرحي كبش فداء في سياق لملمة تداعياتها حتى لا تصل إليه شخصيا (أعني العقيد).

لعل ما ساعد القذافي على إنجاز المهمة أن الغرب -وفي مقدمته الولايات المتحدة- وجد في بقائه هو واستمرار ابتزازه بالقضايا السابقة، حالة أفضل بكثير من تسلم قيادة جديدة مقاليد الحكم في ليبيا، ستكون على الأرجح أكثر حرية في تحديد مساراتها السياسية والاقتصادية.

كان النجل العزيز "سيف الإسلام القذافي" ومن خلال مؤسسة أنشأها (مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية) عراب الصفقات التي أخرجت نظام الوالد من دوائر الإرهاب، وكان الرجل مثل أبيه كريما في الدفع مع أنه لم تكن له أي صفة رسمية في الدولة، كما استُخدم لبعض الوقت من أجل استقطاب العديد من المعارضين السياسيين في الخارج، ومن بينهم قيادات من جماعة الإخوان وآخرون، وصولا إلى الجماعة الإسلامية الليبية المسلحة.

كان لسيف الإسلام دور آخر تمثل في الحديث المتواصل عن إصلاحات سياسية يجري تقديمها للغرب وللمعارضين العائدين، فضلا عن التمهيد للخلافة، لكن الغرب لم يكن معنيا كثيرا بالشأن الداخلي الليبي بقدر عنايته بما سيحصل عليه من صفقات في بلد يعج بالثروات.

في هذه الأثناء وبعد إنجاز صفقة لوكربي، بدأت الدول الغربية تحصد الصفقات مع نظام العقيد، وكان لبريطانيا (بلير) حصة أساسية فيها، وكذلك حال الولايات المتحدة وإيطاليا. وقد ساعد التنافس بين هؤلاء على كعكة الثروة الليبية في تسريع وربما تسهيل لعبة إعادة تأهيل النظام بسائر تفاصيلها.

"
ثبت نفاق الغرب في حديثه عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ بينما خاض جورج بوش الابن معركة الدمقرطة والإصلاح مع عدد من الدول العربية, لم يكن لنظام القذافي نصيب يذكر من تلك الضغوط
"
هنا ثبت نفاق الغرب في حديثه عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ بينما خاض جورج بوش الابن معركة الدمقرطة والإصلاح مع عدد من دول العالم العربي بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، لم يكن لنظام القذافي نصيب يذكر من تلك الضغوط التي ما لبثت أن توقفت بعد صفقة مقايضة غير مكتوبة بين واشنطن والأنظمة تدفع الأخيرة بموجبها من جيب القضايا الكبرى في فلسطين والعراق وسواها مقابل تجاهل قضية الإصلاح، لا سيما بعدما تأكد الجميع أن البديل للأنظمة هي حركات المعارضة وفي مقدمتها الحركات الإسلامية.

كان القذافي كريما في تقديم العطايا والصفقات للغرب، وصار يُستقبل في العواصم الغربية ولم يعد القذافي القديم، بينما بقي الحال في الداخل بذات البؤس، إذ لا بنية تحتية تذكر، ولا عطايا -سوى الكلام- للشعب الليبي الذي بقي أسير البؤس القديم، بينما تفيض بلاده بالخيرات من كل لون.

كما بقيت ليبيا بمنأى عن كل أشكال الإصلاحات السياسية، بما في ذلك الديمقراطية الديكورية التي سادت العالم العربي، وحتى وعود سيف الإسلام لم تلبث أن ذهبت هباء، وبقيت بهلوانيات اللجان الثورية هي السائدة في البلاد، وإن تراجع الحديث عن "الكتاب الأخضر" وترهاته.

في هذه الأثناء أيضا تواصلت مغامرات القذافي الأفريقية، وقصصه الغريبة التي كان يتصدر من خلالها أجواء مؤتمرات القمة العربية، ودائما في إطار من الفكاهة بالنسبة للناس الذين لم يأخذوا يوما مشاريعه تلك على محمل الجد، بدءًا بقصة "إسراطين"، ومرورا بالهوية الأفريقية لليبيا وتوحيد أفريقيا، وليس انتهاء بنقل الفلسطينيين إلى فلسطين عبر أسطول من القوارب إلى سواحل بلدهم.

جاءت ثورة تونس الخضراء لتدشن زمنا جديدا بالنسبة للمنطقة العربية، وهنا كان موقف العقيد اللافت من الثورة التونسية، حيث تعاطف مع زين العابدين بن علي، وطالب التونسيين بالصبر عليه، مشيدا بمناقبه، ثم تكرر ذلك مع حسني مبارك إثر الثورة المصرية على نظامه.

ولأن البعد الأهم في الثورتين المشار إليهما هو اكتشاف الإنسان العربي لقوة الاحتجاج السلمي التي يمتلكها في مواجهة أنظمة القمع، فقد كان طبيعيا أن يأتي الدور على القذافي، وشخصيا لم يفاجئني ذلك، وقد كتبت متوقعا الموقف قبل أيام من بداية الثورة في صحيفة الدستور اليومية الأردنية في مقال بعنوان "الترشيحات التالية بعد تونس ومصر".

السبب بالطبع أن الظروف الموضوعية في ليبيا تؤهلها قبل غيرها للالتحاق بركب الثورة، ليس فقط لأنها تعيش في ظل نظام موغل في القمع وتغييب الحد الأدنى من الحرية والتعددية، بل أيضا لأنها بلد يعيش البؤس الاقتصادي وغياب البنى التحتية المحترمة رغم ثرواته الهائلة.

وبينما ذهب البعض إلى أن الشعب الليبي يختلف عن التونسي والمصري من حيث مستوى الثقافة والتعليم بسبب سياسات العقيد، قلنا إن ذلك ليس صحيحا، ليس فقط لأن مستوى الوعي لدى الليبيين لم يعد محدودا إثر ثورة المعلومات والاتصالات، ولكن أيضا لأن الشعوب العربية تتشابه من حيث إمكانات تمردها على الظلم حين تتوافر الظروف الموضوعية للثورة، وقد كانت للشعب الليبي صولاته مع عمر المختار وضد الاستعمار قبل ظهور التعليم الحديث.

"
ما إن أطلق الشعب الليبي ثورته العظيمة حتى فقد العقيد صوابه، ومعه الخليفة (سيف الإسلام) الذي خرج بخطاب مدجج بالهذيان والتهديد والوعيد، رغم أنه يتحدث بدون أي صفة من الناحية العملية
"
ما إن أطلق الشعب الليبي ثورته العظيمة حتى فقد العقيد صوابه، ومعه الخليفة (سيف الإسلام) الذي خرج بخطاب مدجج بالهذيان والتهديد والوعيد، رغم أنه يتحدث بدون أي صفة من الناحية العملية، اللهم سوى أنه نجل العقيد.

بعد ذلك خرج العقيد بخطابه الذي تابعناه مضطرين، وهو خطاب أكد للعالم أجمع جنون الرجل وهذيانه، حيث توعد الشعب بالصوملة والأفغنة وبالزرقاوي وبن لادن والظواهري، ووصف الثوار بالجرذان ومتعاطي حبوب الهلوسة (الأرجح أنه يتعاطاها شخصيا)، ولعب على وتر القبلية بشكل مريض، وفي الوقت ذاته توعد باستخدام القوة مستعديا نماذج تاريخية من القتل الجماعي لم يسعفه عقله ليرى الفارق بين زمنها والزمن الحالي، حيث كلفة الثورة أقل في زمن ثورة المعلومات والاتصالات. كل ذلك من دون أن يقدم تنازلات مهمة للجماهير، مع أن تقديم بعضها يؤكد أن الثائرين ليسو جرذانا ولا شذاذ آفاق.

ورغم ذهاب الكثيرين إلى تخويف الليبيين من أن الرجل يمكن أن ينفذ تهديداته ويمعن في قتل الناس قياسا إلى ما وقع خلال الأيام السابقة، فإنني أرى أنه أجبن من أن يفعل، فهو يدرك أن عالم اليوم لا يسمح بذلك، وأنه كلما أمعن في القتل وصل إلى طريق مسدود، ليس فقط على صعيد الاحتفاظ بالسلطة، بل على صعيد الحصول على مأوى بعد الرحيل أيضا.

اليوم سيثبت الشعب الليبي أنه شعب عظيم، تماما مثل سائر الشعوب العربية، وهو قادر بعون الله على الإطاحة بالطاغية المأفون ونظامه التافه مهما بلغت التضحيات، لأن الشعوب الحرة لا ترهبها آلة القمع، ولا تحول بينها وبين التحرر كثرة التضحيات، لأن إزاحة طاغية من هذا النوع واستعادة الناس لحريتهم ليست أمرا بسيطا.. ألم يقتل في سجن بوسليم عام 1996 أكثر من 1200 سجين دون أن يرف له جفن؟!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة