في المسألة الطائفية.. عود على بدء   
الخميس 1427/12/29 هـ - الموافق 18/1/2007 م (آخر تحديث) الساعة 13:17 (مكة المكرمة)، 10:17 (غرينتش)


بشير موسى نافع

كل انقسام اجتماعي ينجم عنه مستويات مختلفة من التوتر وفقدان التعقل. وعندما يكون للانقسام طابع ديني -كما هي حالة التدافع الطائفي- يكاد العقل يغيب كلية، فالمعتقدات الدينية تنزع بطبيعتها إلى الإطلاق وتؤسس لشعور مغلق بالصواب، لاسيما لدى عامة الناس.

وليس من الصعب ملاحظة ما يثيره تصاعد الموضوع الطائفي من استقطاب وجدل حدي في الساحة العربية، ولكني لم أتوقع أن يصل الجدل المستوى الذي عكسته تعليقات القراء على مقالي المنشور في هذا الموقع نهاية الشهر الماضي.

فقد بدا أن أحداً لا يرغب في استماع وجهة نظر الآخر، وأن الكل قد كون قناعات تستحيل إعادة تأمل مصداقيتها أو جدواها، وأن لا مجال تبقّى إلا لتبادل الاتهامات.

"
هذه المرحلة المظلمة من تاريخ العرب والمسلمين لن تطول، والضمير العربي الإسلامي قادر على تجاوزها, ولكن حتى يتم ذلك لابد أن نحاول التعامل مع الحقائق كما هي, ولابد أن نفتح المجال بلا خوف لتبادل الرؤى والآراء
"
اليوم، أعود إلى الموضوع ذاته، ليس لرغبة في إثارة المزيد من الجدل، ولكن لقناعتي العميقة بأن هذه المرحلة المظلمة من تاريخ العرب والمسلمين لن تطول، وأن الضمير العربي الإسلامي قادر على تجاوزها. ولكن حتى يتم ذلك لابد أن نحاول التعامل مع الحقائق كما هي، ولابد أن نفتح المجال بلا خوف لتبادل الرؤى والآراء.

ثمة عدد من الدعاوى الخاطئة التي يجري استدعاؤها لتفسير حالة التوتر الطائفي الحالية لابد من الإشارة إليها أولاً، حتى يصبح من الممكن تحديد الأسباب الحقيقية والمباشرة لهذه الحالة.

إحدى هذه الدعاوى هي الميراث التاريخي، أي الادعاء بأن ما تشهده المنطقة العربية والإسلامية من توتر طائفي هو حصيلة ميراث تاريخي يمتد من السقيفة إلى احتلال العراق.

ما يستبطنه هذا التفسير أن لا مخرج من المسألة الطائفية لأنه لا مخرج للأمم أصلاً من تاريخها. وهذا بالتأكيد تفسير زائف وكسول، فبالرغم من أن السردية التاريخية السائدة في أوساط السنة والشيعة هي في جلها سردية أيديولوجية ولا تعكس بالضرورة الحقيقة التاريخية، فقد تعايش الطرفان طوال تاريخهما بقدر قليل من التوتر.

وُلد التسنن في منتصف القرن الثالث الهجري، واحتاج التشيع الاثنا عشري قرناً آخر من الزمان قبل أن يتبلور. ولكن تبلور التشيع الاثني العشري وقع في العلن وفي وسط المحيط السني وبالتداخل معه.

وفيما عدا الحقبة الصفوية التي اختلطت فيها طموحات الدولة والسيطرة بالتوجه الطائفي الحصري، فإن التدافعات السنية-الشيعية المتفرقة لم تكن تختلف -حجماً ودرجة- عن تلك التي كانت تشهدها الساحة الإسلامية ككل بين أتباع المذاهب المختلفة وبين المتصوفة وغيرهم وبين المذاهب الكلامية.

نظر السنة إلى أنفسهم دائماً كأمة لا كطائفة، وقد ساعد التنوع العقدي والفقهي داخلهم على أن يكونوا أكثر تسامحاً وقدرة للتعايش مع الطوائف الأخرى. وإلا فكيف يمكن تفسير استمرار الطوائف الإسلامية -وغير الإسلامية- المختلفة وسط أكثرية سنية ساحقة عبر القرون؟

وليس هناك شك في أن الشعور الإسلامي المتزايد بخطر التحديات الغربية والإمبريالية خلال القرنين الماضيين، وصعود الاتجاهات الإصلاحية في أوساط السنة والشيعة، إضافة إلى ولادة الفكرة القومية والوطنية، قد ساعد مساعدة كبيرة على ردم هوة الافتراق الطائفي.

أصبح الزواج المختلط أمراً معتاداً، وتداخل النشطون السنة والشيعة في الأحزاب العلمانية وغير العلمانية، وربطت التحالفات السياسية بين دول وقوى وحركات متعددة ذات توجهات سنية أو شيعية.

لكل من السنة والشيعة رؤيته للتاريخ وسرديته التاريخية، ولكن ما نشهده اليوم يسير معاكساً لاتجاه العلاقة التاريخية بين الطرفين، لاسيما منذ القرن التاسع عشر.

"
ثمة بدايات لمتغيرات إيجابية في أوضاع شيعة السعودية، ولكن ليس هناك ما يشير إلى متغيرات مشابهة في أوضاع سنة إيران. والمسألة الهامة أن لا السعودية ولا إيران تقدم تفسيراً مقنعاً لحالة التوتر الطائفي في المنطقة العربية
"
الدعوى الأخرى التي كثر تردادها مؤخراً تتعلق بأوضاع الأقليات الشيعية أو السنية في بلدان أكثريات مختلفة، والحالتان الأكثر استدعاء هما حالتا الشيعة في السعودية والسنة في إيران.

وينبغي بدايةً الاعترافُ بأنه لا سنة إيران ولا شيعة السعودية يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة، وأن مزيجاً من قصر النظر السياسي والحس الطائفي والخوف غير المبرر من الولاءات الخارجية، يساهم مساهمة كبيرة في بقاء أوضاع التمييز التي يعاني منها السنة والشيعة في البلدين.

ثمة بدايات لمتغيرات إيجابية في أوضاع شيعة السعودية، ولكن ليس هناك ما يشير إلى متغيرات مشابهة في أوضاع سنة إيران. ولكن المسألة الهامة أنه لا السعودية ولا إيران تقدم تفسيراً مقنعاً لحالة التوتر الطائفي في المنطقة العربية.

فأوضاع التمييز في البلدين ليست جديدة أو طارئة، كما أن إيران تتمتع بعلاقات وثيقة مع قوى وشخصيات وعلماء ومفكرين مسلمين سنة كبار، بدون أن يتسبب وضع السنة الإيرانيين في إفساد هذه العلاقات. بل إن العلاقات الإيرانية–السعودية هي في مجملها علاقات طبيعية، تشوبها من الحين والآخر توترات ذات طابع إستراتيجي وسياسي لا طائفي.

ما نشهده من احتقان طائفي متصاعد وليد مصدر رئيسي واحد، وبؤرة واحدة، وحاضنة واحدة، هي المسألة العراقية.

وعلينا أن نرى حقائق المسألة العراقية، ومتغيرات الوضع العراقي منذ الاحتلال، وقواه المتداخلة والمتصارعة، لنرى الأسباب الكامنة وراء ما يكاد يتحول إلى عاصفة طائفية هوجاء تطال كل المجال العربي الإسلامي.

أول أبعاد المسألة العراقية كان تحالف تنظيمات وشخصيات المعارضة العراقية في الخارج -وهي في أغلبيتها الساحقة شيعية التوجه أو الخلفية- مع مشروع الغزو والاحتلال الأجنبي. وقد استمر هذا التحالف مع إدارة الاحتلال، بحيث بدا وكأن هناك بعض الشيعة العراقيين يرتكب خيانة عظمى بحق العراق.

وما كانت الدوائر الشيعية العراقية السياسية قد بدأته قبل الغزو من محاولة كتابة تاريخ جديد للعراق، واصلته بعد الاحتلال. حزب البعث الذي ظل قادته لفترة طويلة من الزمن في أغلبهم من العراقيين الشيعة، وكان أغلب أعضائه حتى بداية الاحتلال من الشيعة، صُوِّر باعتباره حزباً سنياً طائفياً.

اللحظة بالغة التعقيد لولادة الدولة العراقية، حيث تداخلت التجربة العثمانية الحديثة ورفض عموم الشيعة الانضواء في سلك الدولة، أو افتقادهم الخبرة التعليمية الحديثة، وقد صُورت كلحظة سيطرة سنية طائفية.

وجهود الدولة العراقية لإقامة حكم حديث وغير تمييزي، والتي أدت إلى صعود متصل للشيعة في أجهزة الدولة والحكم والجيش، قُدمت كحرمان تاريخي للشيعة.

"
لم تدرك القوى الشيعية السياسية معنى المقاومة الوطنية ولا عمق جذورها، ولم تدرك حاجة العراق والجوار الإقليمي كله إليها، وكان رد فعلها على المقاومة بالتالي انحداراً أعمق نحو الكهف الطائفي المظلم
"
بل لم يتورع حتى قادة وعلماء شيعة من الترويج لموضوع 1300 عام من اضطهاد الشيعة في العراق، وهو بالطبع موضوع بالغ التزييف والشر، لا أساس تاريخياً له.

بهذه الرؤية الطائفية المؤدلجة للعراق وتاريخه تم من ناحيةٍ ابتزازُ عموم شيعة العراق، ومن ناحية أخرى تأجيجُ المشاعر الطائفية داخل العراق وخارجه.

سُوِّغ للعراقيين الشيعة التعاون مع المحتل، ووضعت أسس محاولة فصلهم عن محيطهم العربي والإسلامي السني. ولكن الأمور لم تتوقف هنا، فقد عادت القوى الشيعية السياسية إلى العراق المحتل في ظل أجواء أميركية تبنت علناً فكرة التحالف الأميركي الإستراتيجي مع شيعة العراق، ليس لمواجهة الراديكالية السنية في المنطقة وحسب، بل وأيضاً لتقويض الحكم الإسلامي في إيران.

هذه التوجهات الأميركية عززت لدى القوى الشيعية السياسية الاعتقاد بإمكانية السيطرة على العراق كله. ولكن الأمور لم تسر كما اشتهت هذه القوى، إذ سرعان ما اندلعت حركة مقاومة وطنية -غلب عليها الطابع العربي السني- فشلت قوات الاحتلال في القضاء عليها.

لم تدرك القوى الشيعية السياسية معنى المقاومة الوطنية، ولم تدرك عمق جذورها، ولم تدرك حاجة العراق والجوار الإقليمي كله إليها، فكان رد فعلها على المقاومة بالتالي انحداراً أعمق نحو الكهف الطائفي المظلم.

شاركت في الحملات العسكرية والدعائية ضد المقاومة، وأدخلت إلى قاموس العراق السياسي لغة اتهامات جديدة، لم يخل بعضها من المدلولات الطائفية.

ولكن الأخطر كان التقدم بمشروع الفدرالية، ومن ثم إقراره إلى جانب نظام المحاصصة في الدستور العراقي الجديد، بمعنى أنه ما إن أدركت القوى الشيعية استحالة تحقيق هدف السيطرة على كل العراق حتى دفعت باتجاه تقسيمه. وهكذا اندلعت مذابح التطهير الطائفي.

بيد أنه من الصعب تبرئة القوى السنية من المسؤولية، فعندما اتُهمت القوى الشيعية السياسية بالتعاون مع الغزاة تجاهل كثيرون الشخصيات السنية التي اصطفت في ذلك التحالف وهللت هي الأخرى للاحتلال.

كما تجاهلوا القوى والشخصيات السنية التي قبلت صيغة مجلس الحكم التقسيمية وشاركت فيه. ورغم تحفظ القوى السنية السياسية على مشروع الدستور، فقد دعا بعضها إلى التصويت على مسودته. وعندما عقدت الانتخابات البرلمانية، تورطت قوى سنية في المناخ الطائفي وشاركت في الانتخابات بما عرف بالقائمة السنية في مقابل القائمة الشيعية.

ثمة مليشيات شيعية طائفية تعيث فساداً في العراق منذ لحظة الاحتلال الأولى، ولكن الجانب السني لم يخل هو أيضا من تنظيمات طائفية هوجاء كالقاعدة.

"
ثمة شهور وسنوات صعبة ستعيشها هذه المنطقة المسكونة بالتاريخ وآمال النهوض, وعلى قادة رأيها وعلمائها وتياراتها الإسلامية والسياسية أن تتحمل مسؤولياتها لكسر هذا الانحدار المتسارع نحو التدافع الطائفي الداخلي
"
هذا الواقع العراقي المتفاقم الذي تحول منذ شهور إلى مجازر يومية، لا يمكن التعامل معه بالبلاغة السياسية أو الإجراءات الترقيعية. ولاحتواء المسألة الطائفية في العراق ومنعها من الانتشار في جوانب المجال العربي الإسلامي، لابد من التعامل مع الخلل البنيوي الذي أوقع بالعراق.

لابد من التخلص من نظام المحاصصة ومشروع الفدرالية التقسيمي، لابد أن تقوم القوى والمرجعيات الإسلامية الشيعية بكشف الغطاء السياسي والشرعي عن التنظيمات الإرهابية والطائفية النشطة في الجانب الشيعي، تماماً كما أن أغلب القوى والعلماء السنة قد أعلن تبرؤه وشجبه للتوجهات والنشاطات الإرهابية والطائفية التي تمارسها تنظيمات سنية.

لابد من إعادة بناء الجماعة السياسية العراقية على اعتبارات وطنية وخطاب وطني، والتحرر نهائياً من أوهام السيطرة الطائفية لهذا الطرف أو ذاك.

لقد انتهت منذ زمن الأجواء الاحتفالية التي أوحت بتحالف أميركي–شيعي، وغرقت فيها قوى شيعية سياسية قصيرة النظر وفاقدة للذاكرة.

التوجه الأميركي الإستراتيجي الحالي يشير بوضوح إلى هجمة وشيكة على إيران، لا تستهدف تقويض برنامجها النووي وحسب، بل ودفعها أيضاً نحو حالة من الفوضى السياسية، تمهيداً للدعوة إلى إقامة نظام سياسي إيراني فدرالي.

وفي الوقت الذي يستخدم العراق ساحة للتصعيد ضد إيران، فإن حرباً أميركية ضد إيران ستترك أثراً مباشراً على الساحة العراقية. هذا في الوقت الذي تتجه فيه السياسة الأميركية بالعراق نحو رفع وتيرة العنف العسكري المدمر ضد كل القوى التي توصف بعدائها لمشروع الاحتلال.

ثمة شهور وسنوات صعبة ستعيشها هذه المنطقة المسكونة بالتاريخ وآمال النهوض. وعلى قادة رأيها وعلمائها وتياراتها الإسلامية والسياسية أن تتحمل مسؤولياتها لكسر هذا الانحدار المتسارع نحو التدافع الطائفي الداخلي، الذي يراد له أن يكون غطاء لكوارث أكبر من التجزئة والانحطاط والسيطرة الأجنبية.
ــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة