0   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ أحمد الطيبي

توضأت غزة ذلك الفجر الأسود بدماء شيخها الجليل أحمد ياسين ثم خرجت بآلافها لتشييع جثمان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، توحدت كل الفصائل وكل الشرائح وكل الأطياف كما تتوحد دائما في الجنازات وتشييع الشهداء.


آن الأوان لمحادثات الوفاق الوطني أن تنتهي بإنجاز واتفاق تتبناه السلطة الوطنية الفلسطينية ويكون بالتنسيق معها
رسخ رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون أسلوب الاغتيالات نهجا إستراتيجيا أساسيا في سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل، فقد قرر مجلس الوزراء الأمني المصغر قبل عدة أسابيع وبعد عملية أشدود اغتيال عدد من قيادات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بدأت باغتيال الشيخ أحمد ياسين.

قبل عدة أيام من اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي كنت قد صرحت بأن شارون وأمام هذا التنافس الشديد في صفوف حزبه (الليكود) وداخل اليمين وقبيل عملية الاستفتاء حول مشروع الانفصال المزمع تنفيذها في 2 مايو/ أيار المقبل فإنه، أي شارون، بحاجة إلى "اغتيال كبير" لكي يحسن موقعه الحزبي ويزيد من فرصه بالنجاح في هذا الاستفتاء، فلطالما كان الدم الفلسطيني وقودا للتنافس الداخلي الإسرائيلي، وهكذا كان.

لقد قرأ شارون الخريطة جيدا، قرأ الدعم المطلق للرئيس الأميركي له ولسياساته التي حولت الاغتيال وقتل الأطفال والاحتياجات إلى "دفاع عن النفس"، وقرأ الموقف العربي المؤثر والضعف العربي الشامل وانعدام الموقف الجمعي، قرأ كل ذلك وأدرك أنه يستطيع أن يفعل ما يشاء، لمن يشاء، متى يشاء، وكيفما يشاء.

قرأ الخريطة جيدا وأدرك أنه يربح نقاطا داخلية في صفوف اليمين والمجتمع الإسرائيلي بعد كل اغتيال كهذا، وبأنه لا يخسر إطلاقا في المجتمع الدولي الممثل أساسا في الإدارة الأميركية اللهم سوى بعض التصريحات المنتقدة والمتحفظة أوروبيا من عمليات الاغتيال.


لن يضع الإعلان عن دولة فلسطينية من طرف واحد حدا للاحتلال ولكنه سوف يخلق واقعا سياسيا محليا ودوليا يقول إن الاستيطان ليس شرعيا وإن قضية الحدود واللاجئين لا يقررها بيان رئاسي ولو كان لأقوى شخصية في الكون
يقرأ شارون كل ذلك ولا سبب من ناحيته إطلاقا أن يتوقف عن سياسة الاغتيالات، ونسأل عن العمل فلسطينيا وعربيا إزاء الموقف الأميركي الجديد وإزاء السياسة الإسرائيلية الشارونية واضحة المعالم.

داخليا هناك حاجة ملحة لا غنى عنها لترتيب أوراق الشعب الفلسطيني والاتفاق فصائليا على مشروع وطني نضالي مشترك بين جميع الفصائل الوطنية والإسلامية يضمن كسب النقاط وليس خسارتها، فقد آن الأوان لمحادثات الوفاق الوطني أن تنتهي بإنجاز واتفاق تتبناه السلطة الوطنية الفلسطينية ويكون بالتنسيق معها.

أما دبلوماسيا وسياسيا فهناك حاجة لخطوات مميزة تواجه بها وسائل الضمانات المتبادلة بين الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون التي ألغت عمليا المرجعية الدولية والقانونية لعملية التسوية وأهملت بازدراء قرارات الشرعية الدولية.

أعترف أنني لم أشعر بالماضي أنني متحمس لفكرة إعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد وخاصة خلال عملية مفاوضات حتى وإن كانت شائكة ومتعثرة.

أما الآن، وبعد طرح مشروع شارون أحادي الجانب وتصريحات بوش الذي ألغى حقوقا أساسية وإنسانية ووطنية للشعب الفلسطيني من طرف واحد والاثنان ألغيا دور القيادة الفلسطينية من طرف واحد أيضا فقد آن الأوان برأيي لأن تقوم القيادة الفلسطينية بإعلان دولة فلسطينية من طرف واحد على جميع الأراضي المحتلة عام 1967.

هذا الإعلان لن يضع بالطبع حدا للاحتلال ولا حتى للمعاناة اليومية، ولكنه سوف يخلق واقعا سياسيا محليا ودوليا يقول إن الاستيطان ليس شرعيا وإن قضية الحدود واللاجئين لا يقررها بيان رئاسي ولو كان لأقوى شخصية في الكون.

سوف يتفهم المجتمع الدولي في هكذا حالة إقدام القيادة الفلسطينية، وبعد حوار وطني ناجح، على مثل هذه الخطوة من طرف واحد نظرا للمستجدات الجديدة المتمثلة بالموقف الأميركي والإسرائيلي على حد سواء.


المعادلة الإسرائيلية والزمن الإسرائيلي السائد لا يمكن موازنته ومواجهته إلا بأداء فلسطيني وعربي يأخذ بالحسبان كل المتغيرات وموازين القوى التي يجب أن تتغير لا محالة
لن يكون بالإمكان الاستمرار في هذه المعادلة التي تعطي لشارون أن يفعل ما يشاء وأن يكون اللاعب الوحيد المؤثر في المنطقة، خاصة إزاء غياب حتى لمعارضة سلامية مؤثرة في المجتمع الإسرائيلي، فحزب العمل ورئيسه شمعون بيريز يجلسون على مقاعد المعارضة وعيونهم باتجاه مقاعد الوزارة، لا يتصرفون كمعارضة حقيقية، بينما الشارع الإسرائيلي ما يزال يتخذ منحى يمينيا بالرغم من بعض مظاهر الرفض لسياسات شارون.

لقد وضعت القيادة السياسية الإسرائيلية وخاصة العسكرية الأمنية نصب أعينها منذ بداية الانتفاضة محاربة الشعب الفلسطيني "لكي تدمغ ذهنية الفلسطينيين بالهزيمة"، وأمام هذا الطرح الذي لم يكتب ولن يكتب له النجاح، تتعزز إرادة الشعب الفلسطيني كما هي كل الشعوب تحت الاحتلال، باستمرار النضال ضد الاحتلال وترسيخ ثقافة المقاومة وهي الثقافة التي تستهدفها صواريخ الأباتشي.

إسرائيل هي الدولة الأقوى عسكريا في المنطقة، والشعب الفلسطيني هو الأضعف في المنطقة، وتستطيع إسرائيل أن تقتل وتحتل وتجتاح وتغتال، لكنها أبدا لن تستطيع أن تغتال إرادة شعب يكافح من أجل الحرية والاستقلال.

لكن ذلك لا يكفي وحده، فالمعادلة الإسرائيلية والزمن الإسرائيلي السائد لا يمكن موازنته ومواجهته إلا بأداء فلسطيني وعربي من نوع آخر يأخذ بالحسبان كل المتغيرات وموازين القوى التي يجب أن تتغير لا محالة.
ــــــــــــــــــ
العضو العربي في الكنيست الإسرائيلي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة