الشرق الأوسط الجديد.. هل يساهم الشيعة في ولادته؟   
الأربعاء 5/8/1427 هـ - الموافق 30/8/2006 م (آخر تحديث) الساعة 10:14 (مكة المكرمة)، 7:14 (غرينتش)


مثل عرافة من عرافات معبد دلفي في كريت القديمة باليونان تطلق نبوءتها وسط حلقة نيران ملتهبة، وقفت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس عشية وصولها إلى بيروت التي كانت تحترق بالفعل، بعد سلسلة غارات نفذتها الطائرات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية حيث تقطن غالبية من أبناء الشيعة، لتقول بصوت هادئ ووقور وبنبرة لا تخلو من الابتهاج "هذه آلام المخاض.. الآن يولد شرق أوسط جديد".

هذه النبوءة هي التي أزاحت كل أساس آخر، غير الأساس الحقيقي الذي قام عليه العدوان الإسرائيلي على لبنان، فمسألة خطف الجنديين كما تبيّن تالياً، لم تكن سوى ذريعة واهية لتنفيذ سيناريو قديم مترابط الحلقات بدأ يوم 9 نيسان/أبريل 2003 في العراق وهو يستمر اليوم في بيروت.

ولأن ثمة وشائج عضوية تربط بين ما جرى بالأمس في العراق وما يجري اليوم في لبنان، فقد كان أمراً بديهياً أن يربط المراقبون السياسيون بين الحدث اللبناني بكل مأساويته التي بلغت ذروتها في مذبحة قانا، وبين الحدث العراقي بكل تراجيديته العنيفة التي بلغت ذروتها هي الأخرى، مع مذبحة مدينة حديثة.

المرجعية الشيعية بأحزابها ومليشياتها في النجف صمتت كعادتها وهي تراقب الحملة العسكرية الوحشية على لبنان، وتعامت عن رؤية هدفها المعلن "توليد" شرق أوسط جديد من رحم شرق أوسط قديم، تماماً كما صمتت أثناء الغزو الأميركي للعراق.

"
ما جرى في لبنان يتصل مباشرة بترتيبات ما قبل الانسحاب الأميركي من العراق، وفي أساسها تأمين حدود آمنة ونهائية لإسرائيل
"
لم تحرك ساكنا أو تنطق بشيء، مع أن أصوات الاستغاثة انطلقت من أفواه العزل والمدنيين من أبناء الشيعة في الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية من بيروت.

يمكن القول بكلمة واحدة إن ما جرى في لبنان يتصل مباشرة بترتيبات ما قبل الانسحاب الأميركي من العراق، وفي أساسها تأمين "حدود آمنة" ونهائية لإسرائيل.

إن المتأمل في خريطة إسرائيل الجغرافية سيلاحظ أنها "آمنة" من أربع جهات: من البحر، حيث تنعدم أي إمكانية لمهاجمتها من أي قوة بحرية إقليمية، ومن الصحراء الشاسعة التي تفصلها عن مصر. أما من الشرق فثمة معاهدة وادي عربة مع الأردن وترتيبات وقف إطلاق النار في الجولان السوري..

وعليه لا يبقى سوى الشيعة وحزب الله اللبناني شمال إسرائيل (جنوب لبنان)، ولذلك ومن منظور الشرق الأوسط الجديد الذي يولد الآن بحسب نبوءة رايس، فإن الجنوب اللبناني سيكون في حال انسحاب أميركي مبكر أو وفق جدول زمني قصير، أرضاً خصبة وجاهزة تلقائياً لاستقبال سيل متدفق من رجال القاعدة القادمين من عراق محرر، حيث يمكنهم -بعد التسلل عبر الحدود مع سوريا- أن يقيموا "قواعد" متطرفة تنقل نيران العراق إلى تخوم إسرائيل، حيث تستحيل السيطرة عليها.

المفارقة المذهلة التي كشفتها هذه الحرب لا تتعلق بمسلسل حربي تتواصل حلقاته في بيروت بعد بغداد، بل بدور الشيعة في البلدين، فهم يلعبون دورين متناقضين بشكل صارخ.

إنهم يمنعون "ولادة الشرق الأوسط الجديد" بالقوة في الجنوب اللبناني، بينما يساهمون في خلقه في الجنوب العراقي.

في الحالتين ظلت المرجعية في النجف صامتة، بينما يدور لغط واسع حول الدور الإيراني.

حتى وقت قريب كان السوريون مثلاً ومعهم حزب الله اللبناني، يشعرون بشيء من الضيق والبرم وربما الحرج، من كل وأي نقد علني للدور الإيراني في العراق.

وغالباً ما يشعرون بالانزعاج من النقد المغلف بروح السخط وربما الغضب، والذي يوجهه عادة سياسيون عراقيون يحرصون على زيارات منتظمة للعاصمة السورية أو اللبنانية إلى المرجعية الشيعية في النجف، منوهين بشكل خاص بالدور المشبوه الذي تلعبه الأحزاب الشيعية المرتبطة بالاحتلال الأميركي، مثل المجلس الأعلى بقيادة عبد العزيز الحكيم.

ويتعاظم هذا الضيق أكثر فأكثر، حين يطاول النقد بشكل مباشر دور إيران في العراق على صعيد تشجيع قيام فدراليات شيعية، وعمليا تشجيع تقسيم العراق في إطار شرق أوسط جديد.

وقد يبلغ انزعاج حزب الله من هذا النقد درجته القصوى، حين يشير النقاد إلى دعم طهران المعلن لحزب الحكيم ومليشياته التي تعيث فساداً في الأرض.

ولذلك جاء العدوان الإسرائيلي على لبنان ليكشف -على نحو لا سابق له في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وفي تاريخ مرجعية النجف كذلك- هذا الجانب من مشكلة "نقد أدوار" القوى والجماعات الممثلة للشيعة في العراق.

ولنقل ليكشف عن وجود مشكلة حقيقية تطاول علاقة العرب بإيران، فهي "ثورية" وضد الشيطان الأكبر في بيروت و"رجعية " وربما متواطئة معه في بغداد.

صحيح أن العدوان جاء ليكشف عجز النظام العربي الرسمي، بل وتخاذله وبلوغه مرحلة مريعة من الاحتضار الأخلاقي والانحطاط والتواطؤ العلني مع العدو التاريخي للعرب، ولكن من الصحيح أيضا أن العدوان جاء ليكشف حدود الدور الإيراني وطبيعته المزدوجة المثيرة للغط.

وأكثر من ذلك، ليكشف الأرضية الصلبة لكل ولأي نقد لهذا الدور، إلى الدرجة التي بات فيها الحق المطلق تقريبا، يعطى ومن دون مساءلة، لكل ناقد لهذا الدور وبحيث يستطيع مواصلة توجيه نقده دون حرج، بل وحتى تصعيده في اتجاهين متلازمين: مساءلة الدور الإيراني في العراق، ومحاكمة موقف المرجعية الشيعية فقهياً وسياسياً مما يجري في لبنان؟

قبل وقوع العدوان الإسرائيلي، لم تكن مثل هذه المساءلة أو المحاكمة مقبولة حتى على مستوى النقاش العادي في أوساط الشيعة.

اليوم حدث تحول هام للغاية في المزاج السياسي الشعبي الشيعي بشكل أخص، وبات أمراً مقبولاً إلى حد كبير سماع السؤال المحرج التالي "لماذا صمتت المرجعية في النجف عما يجري في لبنان؟ ولماذا لم تبادر بتسيير التظاهرات العارمة، حتى لا نقول التلويح برد وذلك أضعف الإيمان؟".

"
أظهر العدوان الوحشي على لبنان أن ثمة خللا خطيرا في نظرية الدفاع عن الموقف الإيراني، وأن التذرع ببراغماتية الدولة في إيران الحديثة التي تلعب على الحبلين من أجل حماية مصالحها، لا يمكنه أن يفسر اللغز تفسيرا صحيحا وكافيا
"
لم يكن السوريون الرسميون، ولا حتى بعض الأوساط السياسية التي تتخذ موقفاً ناقداً من سياسات النظام، ومعهم جمهور شعبي عريض، يتفهمون أي نقد جارح يوجه لمواقف المرجعية الشيعية في النجف، ويرون –عكس ما يراه النقاد- أن توجيه اللوم أو النقد للدور الإيراني في العراق، يمكن أن يضعف جبهة المتصدين للسياسة الأميركية في المنطقة ويشتت صفوفهم.

وعلى غير توقع جاء العدوان الإسرائيلي على لبنان ليزعزع أركان هذه النظرية ويعيد رسم صورة أخرى للنقد، وربما ليضعه في مسار آخر.

لقد كشف العدوان أن القذائف التي تساقطت على لبنان يمكن أن تصيب في الصميم، لا أحياء الضاحية الجنوبية من بيروت، ولا قرى الجنوب الجريح وحسب، وإنما قلب الحاضرة الروحية للشيعة.. النجف، تماماً كما يمكن لشظاياها أن تبلغ طهران.

وبالفعل، فقد أظهر العدوان الوحشي على لبنان أن ثمة خللاً خطيراً في نظرية "الدفاع عن الموقف الإيراني" وأن التذرع ببراغماتية الدولة في إيران الحديثة التي تلعب على الحبلين من أجل حماية مصالحها، لا يمكنه أن يفسر اللغز تفسيرا صحيحا وكافيا.

وفوق ذلك ثمة خطأ من نوع ما، إذ كيف يمكن لطهران أن تكون "صديقة" للأميركيين في العراق وفي الآن ذاته خصما لهم في لبنان؟ وكيف يمكن للمرجعية في النجف أن تكون حارساً لمصالح الشيعة في العراق، بينما تشيح بوجهها عما يجري من مذابح لإخوتهم الشيعة في لبنان؟

وبالنسبة للعراقيين من نقاد الدور الإيراني فإن من بين أكثر المتغيرات التي نجمت عن العدوان الإسرائيلي، ظهور مؤشرات قوية على وجود إمكانية حقيقية لا لمساءلة هذا الدور في العراق، وإنما لتوحيد مواقف مختلف الطوائف من حول المقاومة، وإعادة طرح موضوع الوحدة الوطنية في سياق نبذ وطرد الأفكار والتوجهات الطائفية.

هذا المتغير هام للغاية ولا تنبغي الاستهانة به لأن "الصدمة الروحية" والأخلاقية لملايين الشيعة في العراق والمنطقة والعالم من الموقف الضعيف لمرجعيتهم المقدسة، يمكن أن تدفع إلى واجهة الأحداث مستقبلاً بأجيال جديدة من النقاد الساخطين وربما الشاعرين بالعار، ومن داخل الوسط الشيعي الديني نفسه بعدما ظل يصدر فعلياً من خارج أسوار الطائفة طوال سنوات الاحتلال الأميركي.

ومما يدعم مثل هذا الاحتمال ويجعل منه احتمالاً حقيقياً، أن نقد المرجعية علنا والتنديد ببعض مواقفها الضعيفة، بات اليوم أمرا مألوفاً في الأوساط الشعبية في العراق.

والمثير للاهتمام أن الموقف المتخاذل للمرجعية الشيعية في النجف من العدوان الإسرائيلي على لبنان صار مادة للمقارنة مع الموقف المتخاذل للنظام العربي الرسمي.

بل إن الصدمة الروحية والأخلاقية للشيعة بدت كما لو أنها الوجه الآخر للصدمة الروحية والأخلاقية لبعض أهل السنّة، ممن هالهم صدور فتاوى عن بعض أئمة المملكة العربية السعودية بعدم جواز نصرة حزب الله لمجرد أنه حزب شيعي؟

لكن الصدمة الأخلاقية والفقهية في الوسط الشيعي وعلى مستوى العالم العربي والإسلامي، ستكون أخطر وأكبر حين يدرك الشيعة شيئاً فشيئاً ومع تكشف الحقائق والخفايا، أن الشرق الأوسط الجديد الذي تحدثت عنه كوندوليزا رايس، ليس سوى شرق أوسط مؤلف من "فدراليات" و"كانتونات" صغيرة وأيقونية تساهم في خلقها وتلفيقها أحزاب شيعية مسلحة، كما هو الحال مع مشروع عبد العزيز الحكيم لفدراليات شيعية في الوسط والجنوب وبغداد؟

إذا كان الشيعة في لبنان يقاتلون بتأييد من طهران كما يقال، ضد الفدراليات والكانتونات وضد الشرق الأوسط الجديد، فلماذا يقاتل بعض شيعة العراق بدعم من طهران أيضاً، من أجل فرضها في تسع محافظات بالعراق تمهيداً لولادة الشرق الأوسط هذا؟

حتى هذه اللحظة ورغم دوي المدافع وهدير الطائرات لم يتكلم آية الله السيستاني، وثمة فقط تصريح لا يفهم منه أي شيء صدر عن مكتبه.

"
إذا كان الشيعة في لبنان يقاتلون بتأييد من طهران -كما يقال- ضد الفدراليات والكانتونات وضد الشرق الأوسط الجديد، فلماذا يقاتل بعض شيعة العراق بدعم من طهران أيضا من أجل فرضها في تسع محافظات بالعراق تمهيدا لولادة الشرق الأوسط هذا؟
"
فضائية المنار التي كانت تحرص على الدفاع عن السيستاني ودور الأحزاب الشيعية في العراق دون مواربة ورغم اللغط الفظيع حول هذا الموقف، طاولها القصف الإسرائيلي المدمر حتى ظن الكثيرون أنها لن تعاود البث أبدا، لكنها ما إن عاودت البث حتى سارعت إلى الرد على صمت بعض شيعة العراق.

في اليوم التالي للقصف المدمر وجدت المنار أن الصمت لم يعد ممكنا، وتساءل أحد المواطنين المتصلين بالمحطة: أين المرجعية في النجف؟ لماذا تلزم الصمت عما يجري في لبنان؟ وبعد يومين سمحت المنار لأحد ضيوفها من لندن بتوجيه نقد لاذع للمرجعية الشيعية في النجف.

صواريخ نصر الله إذن، وصلت إلى النجف في طريقها إلى العفولة، والسيستاني سمع دويها كما لو أنها تسقط على مقربة من مكتبه الذي أصدر تصريحاً يقول كل شيء ولا يقول أي شيء.

وتحت ضغط "قذائف فقهية" صغيرة شديدة الفعلية هنا وهناك، أطلقتها المنار ونددت من خلالها بشكل صريح إلى حد ما بمواقف النجف، خرج فجأة أحد أكبر الصامتين بعد السيستاني وهو آية الله بشير النجفي (باكستاني الأصل) ليقول وبما يشبه النبوءة، إنه يحذر الأميركيين من ثورة شعبية عارمة في العراق.

الكثيرون ظنوا لشدة تعلقهم بنظرية "المرجعية المقدسة" أنه ربما أراد لبنان وأن الأمر قد يكون زلة لسان لا أكثر، والتحذير تبدد في الهواء تماما كما تبدد تصريح الناطق باسم السيستاني، وظل الصمت سيد الموقف في النجف.

وكوندوليزا رايس التي وصلت بيروت المدمرة وثرثرت كثيرا حول الشرق الأوسط الجديد الذي يولد من رحم القذائف، لم تعلق بشيء قط، لا على تصريح بشير النجفي ولا على تصريح الناطق باسم السيستاني.

لقد تجاهلت نبوءة الثورة الشعبية، وكانت واثقة تماماً من أن النجف لن تفعل أي شيء في بيروت ما دامت لم تفعل أصلا أي شيء في بغداد.

السؤال الأهم الذي سيثور في أوساط الشيعة عاجلاً أو آجلاً هو "هل يساهم الشيعة في منع ولادة الشرق الأوسط الجديد -الابن السفاح للشيطان الأكبر- أم هم يساهمون عمليا في بنائه؟".

العرافة الأميركية قالت إنه يولد الآن تحت القصف، فلماذا يولد هذا الشرق الأوسط الجديد في بيروت، مع أن نموذج "ثورة مارس/آذار الديمقراطية" ونموذج "قواها السياسية" النشطة، لا يزال يشع بحسب المعايير الأميركية في سائر أرجاء المنطقة، ملهما شعوبا ودولا أخرى أن تحذو حذو بيروت وثورتها الديمقراطية؟

حتى وقت قريب فقط كانت حكومة السنيورة "أفضل نموذج ديمقراطي" لحكومة منتخبة تجسد "روح لبنان السيد والحر"، فما الذي حدث حتى تسمح واشنطن بتحطيم كل أساس لحياة هذا النموذج؟

الأمر كله يتصل بكل تأكيد بترتبيات ما قبل الانسحاب الأميركي من العراق: الهلع من تسلل رجال بن لادن عبر سوريا إلى جنوب لبنان والاقتراب من تخوم إسرائيل.

كوندوليزا وصلت.. تحدثت كثيرا... والسيستاني صمت طويلا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة