سيدي الرئيس.. المهمة انتهت   
الثلاثاء 1427/11/15 هـ - الموافق 5/12/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:36 (مكة المكرمة)، 11:36 (غرينتش)


ما فتئ الرئيس الأميركي جورج بوش يؤكد، ويعيد التأكيد المرة تلو الأخرى، أنه لن يسحب القوات من العراق لأن لديه "مهمة هناك"، حتى في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في عمان، وجد بوش نفسه وهو يستخدم الجملة المملة نفسها "لدينا مهمة في العراق، وسوف ننسحب عندما نفرغ منها".

"
ما بات يدركه الجميع في واشنطن وأوروبا وفي العراق نفسه هو أن مأمورية بوش انتهت إلى كارثة، وأن تبدلا عاصفا يوشك الآن أن يحدث على مستوى موازين القوى ميدانيا، سيقلب رأسا على عقب كل التوقعات السائدة والرائجة
"
لا أحد يعرف طبيعة هذه المأمورية أو المهمة المستحيلة التي قادت الولايات المتحدة الأميركية إلى المستنقع العراقي، كما أنه لا أحد يدرك بشكل دقيق حدود المهمة الغامضة، أو لنقل المأمورية التي أحيطت بأكبر قدر من السرية والتضليل في دوائر البنتناغون.

بيد أن ما بات يدركه الجميع في واشنطن وأوروبا وفي العراق نفسه، هو أن مأمورية بوش انتهت إلى كارثة، وأن تبدلا عاصفا يوشك الآن أن يحدث على مستوى موازين القوى ميدانيا، سيقلب رأسا على عقب كل التوقعات السائدة والرائجة.

فهل نحن حقا على أعتاب رؤية تبدل إستراتيجي في مسار القتال؟ الجواب المؤكد تخفيه حادثة صغيرة وتقليدية وقعت مؤخرا في منطقة الطارمية (غرب) عندما أرغمت هناك طائرة هليكوبتر على "الهبوط اضطراريا".

المثير أن الأميركيين استخدموا تعبير (إرغام حرفيا) وذلك في البيان الرسمي الذي صدر عقب الحادث، فماذا حدث بالضبط؟ وماذا تعني كلمة (إرغام) على الهبوط؟

ما لم يكشفه جنرالات بوش من خفايا الحادثة التي وقعت في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي وبعد يوم واحد فقط مما بات يعرف في العراق بيوم الطائرات، حين أسقطت طائرة مقاتلة من نوع أف 16 وثلاث طائرات أخرى من نوع أباتشي في الرمادي، أن الطائرة الرابعة لم تسقط بنيران معادية بل هبطت بسلام.

وما لم يكشفه الأميركيون -في البيان أيضا- يتعلق بمصير ملاحي طائرة الهليكوبتر وركابها من الجنود المقاتلين، فهل هبطوا هم أيضا بسلام واضطراريا؟

سوف يشكل هذا الحادث وبكل المقاييس علامة كبرى من علامات المنعطف الكبير في مسار الاحتلال برمته.

صحيح أن الأميركيين تكتموا على حقيقة الحادث؛ بل وتلاعبوا بمعنى كلمة "هبوط" واكتفوا بتصويره "كحادث تقني" تقليدي عابر، ولكن الصحيح كذلك أن الحادث سوف يثير الكثير من الأسئلة عن احتمالات دخول القتال في مسار جديد ينذر بهزيمة عسكرية منكرة.

لقد صمت الأميركيون حيال تفسير الطريقة التي أسقطت بها الطائرة المقاتلة من نوع أف16، ولكنهم صمتوا صمتا مريبا حول حادثة الهبوط الاضطراري للهليكوبتر الرابعة، أي حول طريقة (إرغامها) على الهبوط بسلام في مناطق المقاتلين؟

ولكن إذا ما وضع الحادث في سياق سلسلة متصلة تقريبا من الحوادث المماثلة التي وقعت خلال سنوات الغزو، حيث أرغم عدد من طائرات التجسس الصغيرة دون طيار على الهبوط "اضطراريا" أيضا وتمكن المقاتلون بفضل ذلك من تفكيكها قطعة إثر قطعة، فإن هذا سوف يعني أن الأباتشي أصبحت في مواجهة سلاح فتاك من نوع ما سيرغمها بركابها من الآن فصاعدا على الهبوط بسلام وباستمرار.

فهل بدأت المقاومة العراقية باستخدام أسلحة جديدة تستطيع إسقاط الطائرات المقاتلة وإجبار طائرات الهليكوبتر على الهبوط؟ السلاح الإلكتروني الجديد وهو من "مخلفات العراق القديم" حسب التعبير الأميركي الشائع سيمكن المقاتلين في أي زمان ومكان من إجبار الطائرات المروحية على الهبوط، كما لو أنها تهبط للتزود بالوقود ومن دون أي أضرار تقريبا.

وهذا يعني أن المقاومة العراقية أوشكت على تحييد سلاح الطيران في القتال، وذلك هو معنى التبدل المحتمل في موازين القوى العسكرية.

"
هل سيكون أمرا غريبا لو أننا سمعنا بعد أشهر قليلة جنرالا أميركيا يدخل غرفة العمليات الحربية لاهثا ليطلب الرئيس على الهاتف، وليقول له بصوت مذعور "سيدي الرئيس المهمة انتهت.. إننا نفر"
"
يروي لي شاهد عيان كيف أن المقاتلين قاموا بسرعة خارقة بتفكيك الطائرة قطعة بعد أخرى وفروا من المكان مع غنيمتهم ومن دون أن يتمكن الأميركيون من ملاحقتهم.

هذا التطور المثير في مستوى العمليات العسكرية الذي جسدته عملية إسقاط المقاتلة الأميركية يؤكد على الحقيقة الوحيدة التي يتعين التأمل فيها بموضوعية، وهي أن العاصفة أصبحت في شوطها الأخير وأن العراق الجديد الذي ولد من قلب العاصفة في التاسع من أبريل/ نيسان 2003 يوشك على الاختناق.

إنه يحتضر ويكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة وربما بات بالفعل في الغرفة المجاورة لغرفة الإنعاش أو تحت العناية المركزة.

وإذا كان هذا التطور في نوعية ومستوى العمليات ذات الطبيعة الاحترافية العالية هو العلامة الأبرز على الموت المحتوم للمولود المسخ فإن أولى علامات الاحتضار وأعراضه السياسية يمكن أن ترى من خلال سلوك النخب الحاكمة.

رئيس الجمهورية جلال الطالباني مثلا حث الخطى صوب طهران العدو اللدود والتاريخي لبغداد، أملا "في مساعدة شاملة" أمنية وسياسية وحتى عسكرية، يمكن أن تنقذ المريض العراقي القابع في المنطقة الخضراء (وهذا ما طلبه صراحة من الرئيس الإيراني أحمدي نجاد والمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله خامنئي).

الإيرانيون بالطبع رحبوا بالطلب الكردي، وهو بالنسبة لهم طلب ملح من جماعة كردية صديقة بادرت إلى زيارتهم بتوجيه وإرشاد من عدوهم الأميركي.

أكثر من ذلك أن نجاد قال مخاطبا صديقه الكردي "قل لأصدقائك الأميركيين: إذا ما فكرتم جديا في الانسحاب، فإن إيران تستطيع مساعدتكم هناك".

هذا يعني أن حالة المريض تستدعى من الأعداء أن يكونوا حلفاء، تماما كما تستدعي التكتم والتضليل حول المسار الحقيقي للحرب داخل المستنقع.

فهل سيكون أمرا غريبا لو أننا سمعنا بعد أشهر قليلة جنرالا أميركيا يدخل غرفة العمليات الحربية لاهثا ليطلب الرئيس على الهاتف، وليقول له بصوت مذعور "سيدي الرئيس، المهمة انتهت، إننا نفر".

فما الذي تبقى من المهمة بعد حادث الطارمية؟ لم يتبق سوى المولود المسخ الراقد في غرفة الإنعاش.

هذا المولود الذي تنفس صباح التاسع من أبريل/ نيسان المشؤوم ورعته واشنطن بكل ما يليق بتاريخها الديمقراطي من حنان واهتمام، حتى بدا للجميع موفور الصحة جميلا وأطلق عليه اسم "العراق الجديد" يحتضر اليوم.

وواحدة من علامات موته السياسي والعسكري تجلت بأنصع صورها في تلك اللحظة التي كان فيها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، يحزم حقائبه متوجها نحو العاصمة الأردنية عمان للقاء الرئيس الأميركي من أجل أن يقول له صراحة ولكن بشيء من اليأس "سيدي الرئيس، إن حكومتي تطمع بمساعدة شاملة أمنية وسياسية وحتى عسكرية تمنع وقوع الكارثة".

لكن العلامة الأهم على احتضار المريض العراقي أن الرئيس الأميركي نفسه، وفي الوقت الذي استعد فيه للسفر إلى العاصمة الأردنية عمان لم يكن يملك أكثر من الأمل في مساعدة شاملة أمنية وسياسية وحتى عسكرية، يقدمها له المالكي والحلفاء العراقيون والإيرانيون على حد سواء.

فهل ثمة ما هو أكثر دلالة من هذه الأعراض على أن العراق الجديد يحتضر حقا؟ هاكم المزيد من علامات المرض.

عندما يصف الرئيس الأميركي العراق الجديد بأنه بلد حليف، فإنه يضع بذلك مسألة الصور والانطباعات والمواقف السياسية في قالب صلب من الالتباس، يضاعف من درجة الشكوك حول حقيقة الأوضاع، فهذا الوصف يأتي في وقت تؤكد فيه استطلاعات الرأي المستقلة أن تغيرا شاملا وغير مسبوق قد حدث بالفعل في المزاج الشعبي العراقي حيال الاحتلال الأميركي لهذا البلد التعيس.

وأولى وكبرى علامات هذا التغير أن غالبية العراقيين باتت تصف الولايات المتحدة الأميركية بأنها "عدو"، أي أنها المرض، وأن احتلالها هو الفيروس.

"
شهدت نظرة العراقيين إلى الدور الإيراني تبدلا شاملا، لأن أغلبية متزايدة منهم حتى في أوساط الشيعة باتت تؤمن بأن إيران بلد عدو
"
وبالتزامن تقريبا مع تصريحات بوش عن العراق كبلد حليف للولايات المتحدة كانت طهران تستعد للقاء صديقها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في أول زيارة رسمية له.

لكن، وأثناء الاستعداد لاستقباله سارع الإيرانيون إلى استخدام الوصف الأميركي حرفيا، إذ وصف أكثر من مسؤول إيراني العلاقة مع العراق الجديد بأنها علاقة مع بلد "حليف"، أي فعليا العلاقة مع مريض بداء عضال.

ثم زاد بعض الإيرانيين في سياق تبرير هذا التصور للعراق الجديد، أن وجود أغلبية شيعية حاكمة ومسيطرة على مجلس النواب (البرلمان) هي التي تجعل هذا البلد حليفا في أعين الإيرانيين. فكيف يصف العراق الجديد نفسه وهو يعيش في قلب هذه الصور؟ وكيف يرى قدره وقد أصبح وسط حليفين فرضا عليه، بالقوة والتضليل والتلاعب والتدخل المكشوف في شؤونه، أن يغدو حليفا لمن هو في نظر شعبه عدو؟

على الضد من وصف الإيرانيين لعلاقة بلادهم مع العراق الجديد والمريض بأنها علاقة مع بلد حليف، تشير التقارير الواردة من بغداد إلى تطور مثير مواز للتطور العسكري الذي مثلته حادثة الطارمية، إذ شهدت نظرة العراقيين إلى الدور الإيراني تبدلا شاملا، وإلى أن أغلبية متزايدة منهم حتى في أوساط الشيعة باتت تؤمن بأن إيران بلد عدو أي فيروس، تماما كما هي نظرتهم إلى الولايات المتحدة الأميركية.

وعلى هامش هذين الانطباعين المتناقضين يدور صراع آخر بين انطباعات وصور أخرى متبادلة بين العاصمتين حول الصورة الحقيقية لكليهما، إذ إن كلا من الولايات المتحدة الأميركية وإيران تنظران إلى بعضهما كعدوين، أي كفيروس.

بالنسبة لأميركا فإن إيران هي محور الشر ومصدر الإرهاب في العراق، ولكن أميركا هذه بالنسبة لإيران هي الشيطان الأكبر الذي يوسوس في صدر المنطقة والعالم؟

ومع ذلك فإن أغلبية لا يستهان بها في البلدين (الحليفين للعراق الجديد) تنظر إلى المسألة نظرة مختلفة، إذ ترى أن المصالح الأنانية وحدها هي التي جعلت من إيران والولايات المتحدة الأميركية في النهاية عدوين ولكن حليفين لبلد ثالث في الآن.

لقد تلاقت المصالح من أجل خلق مولود تعيس ومريض فوق تراب العراق المعفر بالدم، وذلك ما يجعل من الصور والانطباعات السياسية شيئا شبيها بنوع من التعامل بعملة مزيفة، صمم مزوروها -فيما بينهم وبتكتم شديد- ألا يكشفوا بعضهم لبعض لا مقدار التزييف والغش ولا نوع التضليل.

إنهما بلدان في حالة عداء دائم، ولكن أقدار السياسة والمصالح يمكن أن تجعل منهما صديقين في الوقت نفسه، مادام المولود المشترك الذي أسفر عنه الزواج السري – بين واشنطن وطهران- يرقد فوق السرير لافظا أنفاسه الأخيرة ؟ فهل هما عدوان أم حليفان؟

إذا كان العراق الجديد كما يقول الإيرانيون بلدا حليفا، فكيف يكون في هذه الحالة حليفا لعدوهم الشيطان الأكبر القابع في واشنطن؟ وإذا كان العراق كما يقول الأميركيون بلدا حليفا وشريكا فعالا في الحرب الكونية على الإرهاب، فكيف يكون (هو نفسه وليس أي بلد آخر) حليفا لإيران المتهمة بأنها مصدر الإرهاب أي مصدر الفيروس؟

وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية في نظر أغلبية العراقيين، مثلها مثل إيران، بلدا عدوا، فكيف يكون العراق نفسه حليفا لعدويه؟

ترى منْ خلق هذه الانطباعات والصور الزائفة، ومن قام بخلطها على هذا النحو الشاذ وغير المألوف في العلاقات الدولية، ومَن مِن بين البلدين هو الحليف الحقيقي للعراق بينما الآخر عدوه؟ هل هي أميركا جورج بوش، أم هي إيران خامنئي؟

"
العراق القديم الذي وضعته أقدار التاريخ والسياسة مرة أخرى بين عدوين يقدمان نفسهما على أنهما حليفان، يمكنه أن يبرهن، حتى لمن لا يرغب في رؤية الحقيقة كما هي، أنه لا يزال يحيا في وجدان شعبه وأنه عصي على الموت
"
وهل ثمة خلل من نوع ما في أسلوب تعرف الحلفاء بعضهم على بعض، أم أن الأعداء يمكن أن ينظروا إلى بعضهم كحلفاء؟ العراقيون في شوارع البصرة وبغداد وحتى في النجف وكربلاء، أي في المدن ذات الأغلبية الشيعية (حسب التقسيم المفضل في الغرب) يملكون وصفا دقيقا أكثر أمانة وموضوعية من وصف المسؤولين في واشنطن وطهران.

وقد بات العراقيون يقولون صراحة وبصوت مرتفع: إن عدوي العراق هما الولايات المتحدة وإيران، وإن هذين البلدين يحتلان العراق، بل وعقدا حلفا شيطانيا على تدميره وتحطيمه، كل من منظوره الخاص وحساباته ومصالحه؟

هل تكفي هذه الأعراض للتأكد من الحالة الصحية للمولود المسخ؟

أليس صحيحا أنه ضحية فيروس مزدوج الفعالية وأنه يحتضر، وأن العراق القديم أطل برأسه من منطقة الطارمية؟

هذا العراق القديم الذي وضعته أقدار التاريخ والسياسة مرة أخرى بين عدوين يقدمان نفسهما على أنهما حليفان، يمكنه أن يبرهن حتى لمن لا يرغب في رؤية الحقيقة كما هي أنه لا يزال يحيا في وجدان شعبه وأنه عصي على الموت.

ترى كيف لا يكون العراق القديم معافى وهو ينجح في مقاومة الفيروس ويرغمه على التراجع والانكفاء، بينما الجديد والمسخ يتهاوى وتتداعى أركانه مع كل لحظة تمر؟

ويوم الطائرات في الرمادي، ثم يوم الهبوط الناجح لطائرة الأباتشي واحتفال سكان الرمادي شعبيا بتفكيكها هو العلامة الأكثر سطوعا على أن العراق القديم لا يزال يحيا بينما المولود المسخ يحتضر.

دعونا نسترق السمع في الغرفة المجاورة، فثمة جنرال مذعور سيقول للرئيس وبوقاحة "سيدي الرئيس، المهمة انتهت، العراق الجديد يحتضر، ونحن نفر".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة