من أجل وقف الحشد الطائفي في المنطقة   
الخميس 1427/12/29 هـ - الموافق 18/1/2007 م (آخر تحديث) الساعة 13:10 (مكة المكرمة)، 10:10 (غرينتش)

من المؤكد أن حالة الاستقطاب الطائفي التي تعيشها الأمة هذه الأيام ليست في مصلحة أحد، وحين يستفز ما يجري رجلا من وزن الشيخ يوسف القرضاوي بما عرف عنه من تسامح ورفض للطائفية والمذهبية، ومعه آخرون في الساحة الإسلامية (السنّية) فإن الموقف ينذر بخطر داهم.

وحين يخبرنا نوري المالكي أنه استشار مراجع النجف الأربعة في إعدام صدام صبيحة عيد الأضحى، فعلينا أن نستشعر الخطر، فيما سيكون الموقف أكثر سوءًا عندما لا يبادر رجل من وزن السيد محمد حسين فضل الله إلى إدانة ما جرى، لا نعني تنفيذ حكم الإعدام وإنما تنفيذه في يوم العيد وبتلك الطريقة الاحتفالية المخزية التي تسيء إلى صورة الإسلام والمسلمين قبل أن تكون استفزازا لغالبية جمهور الأمة.

أما دعوته التالية إلى الهدوء ورص الصفوف فلم تكن كافية، على أهميتها، من أجل تنفيس الاحتقان.

"
العلماء والمفكرون هم الحصن الذي تلوذ به الأمة عندما تندلع الأزمات وتثور الفتن، وإذا ما فقد بعضهم الصبر، وفقد آخرون الرشد، فلن ننتظر من الجماهير سوى الحشد الغرائزي الذي سيتحول بالضرورة إلى فتن، تتحول بدورها إلى دماء وأشلاء
"
نقول ذلك لأن العلماء والمفكرين هم الحصن الذي تلوذ به الأمة عندما تندلع الأزمات وتثور الفتن، وإذا ما فقد بعضهم الصبر وفقد آخرون الرشد فلن ننتظر من الجماهير سوى الحشد الغرائزي الذي سيتحول بالضرورة إلى فتن، تتحول بدورها إلى دماء وأشلاء.

حين نتحدث في ملف الاستقطاب السنّي الشيعي لن نستغرب أن يتهمنا كثيرون بالطائفية، لسبب بسيط هو أن بعض دعاة الحشد في الطرف الشيعي لا يريدون الخروج من دائرة العداء النفسي في أقل تقدير للغالبية الساحقة من الأمة لأنهم "نواصب" ينتسبون إلى أبي بكر وعمر، لكأن هذا العداء هو المبرر الوحيد لوجود المذهب، في حين لا نجد أمرا كهذا في الوسط السنّي الذي لا يعترف بكونه طائفة تبحث عن مبرر للوجود بإقصاء الآخر.

ودعونا نقول بكل صراحة إن أي شيعي عادي في أي مكان في الدنيا يعرف تفاصيل خلاف الإمام علي كرّم الله وجهه مع الخليفتين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فضلاً عن بغي معاوية على الإمام علي.

ونقول بغي لأننا نؤمن بذلك، لأنه وصف سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام عندما قال "عمار تقتله الفئة الباغية"، كما يعرفون تفاصيل أوفى حول السيدة عائشة والأوصاف التي تتهم بها، ومن ثم مختلف القضايا المشابهة في التاريخ القديم، فيما لا يربط المسلمون السنّة أيمانهم بالله وبكتابه وبرسله بأي خلافات تاريخية.

بل إنهم لا يحبون الخوض فيها من الأصل، ولو سألت الغالبية الساحقة منهم لما عرفوا الفرق بين الشيعة والسنة، بل ولا حتى الفرق بين الأشاعرة والسلفية، فضلاً عن المعتزلة والجمهمية والمرجئة، إلى غير ذلك من أسماء الفرق.

المصيبة كل المصيبة هي في وضع الدين بل أصوله الثابتة في صلب الخلافات السياسية، واستعادة ثارات القرون كما لو أنها وقعت بالأمس، وهو بالضبط ما جرى في العراق.

فقد سعت القوى السياسية الشيعية إلى حصد الشعبية من خلال الحشد الطائفي واكتساب الأنصار من خلال المبالغة في استهداف الآخر بوصفه معاديا للمذهب، وليس بوصفه خصما سياسيا وحسب، وذلك في تجاهل كامل لحقيقة أن الأكراد مسلمون سنّة أيضا، منهم من يعادي إيران، ومنهم من يعادي تركيا، ومنهم من يعادي سوريا، ودائما لاعتبارات سياسية تتعلق بنوايا الانفصال.

ونتذكر هنا أن من سقطوا ضحايا اقتتال الحزبين الكرديين الكبيرين هم أكثر من ضحايا صدام حسين، كما نتذكر أن شيعة الأهواز هم عرب شيعة، ومطالبهم وإن انطوت على بعد عرقي فإنها سياسية، بامتياز ولو حصلوا على حقوقهم لما طالبوا بالانفصال، تماما كما هو حال الأسكتلنديين والويلزيين الذين لا يطالبون بالانفصال عن بريطانيا أو الثورة على الإنجليز، لسبب بسيط هو تمتعهم بحقوقهم السياسية والمدنية.

مع العلم أن حكاية الكاثوليك والبروتستانت في إيرلندا الشمالية لم تنشأ إلا بسبب مظالم سياسية، وها هي قد حلت بتسوية سياسية أيضا.

سيقول بعض إخواننا الشيعة، إن ثمة تحريضا طائفيا وتكفيرا من الطرف السنّي، الأمر الذي لا يمكن إنكاره، لكن رموزه هامشيون في الأمة، كما أن بعضهم لم يتورع عن ممارسة التكفير بحق بعض المسلمين، أما الأهم فهو أنه لم يأت إلا بعد عمليات اغتيال بلا عدد، تمت تحت لافتة محاربة البعثيين (السنة فقط) ومعها عموم مظاهر القوة والسطوة التي أظهرتها القوى الشيعية منذ سقوط الاحتلال، وما انطوت عليه من خطاب طائفي وتحالف مع الاحتلال الأميركي، ونتذكر موقف جماهير الأمة من مقتدى الصدر عندما كان يقاوم الاحتلال، خلافاً لوضعه حين تحول إلى أداة للقتل الطائفي.

لقد باتت حكاية الوهابيين لازمة على ألسنة البعض من أجل تبرير خطابهم الطائفي، والأسوأ ممارساتهم الطائفية، وحين يجري التدقيق في تفاصيل الحكاية سنجد أن جميع السنّة قد تحولوا وهابيين، من دون أن يعني ذلك موقفا من الوهابية.

وقد سمعت أحدهم في برنامج تلفزيوني يصف عزت إبراهيم الدوري نائب الرئيس العراقي السابق بأنه زعيم الوهابية في العراق، مع أن هذا الأخير كان من ألد أعدائها بسبب انتمائه إلى إحدى الطرق الصوفية، وهو نفسه الذي كان يشجع السلطات العراقية على مطاردة من تثبت لديهم نوازع سلفية أثناء فترة الحملة الإيمانية خلال النصف الثاني من التسعينيات.

"
باتت حكاية الوهابيين لازمة على ألسنة البعض من أجل تبرير خطابهم الطائفي، والأسوأ ممارساتهم الطائفية، وحين يجري التدقيق في تفاصيل الحكاية سنجد أن جميع السنّة قد تحولوا وهابيين، من دون أن يعني ذلك موقفا من الوهابية
"
ثمة نقطة بالغة الأهمية في سياق الصراع الدائر هذه الأيام تتمثل في وجود دولة تمثل الشيعة من منظور مذهبي، قد تضاف إليها دولة جديدة تحت مسمى الغالبية والأقلية في العراق، الأمر الذي يبدو مختلفا في الحالة السنية، حيث لا تتوفر دولة تدعي تمثيل الإسلام السني، ليس فقط لأن السنّة هم الأمة وليسوا طائفة، ولكن لأن أيا من الدول العربية لا تقول إنها دولة إسلامية بالمعنى الأيديولوجي الذي قامت على أساسه الدولة الإيرانية أو الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

لذلك كله يبدو العتب موجهاً إلى إيران التي تدعي الاستقلالية في قرارها، خلافا لدول عربية خائفة من الولايات المتحدة، وأحيانا من إيران نفسها، وتتحرك على هذا الأساس أكثر من تحركها على قاعدة الدفاع عن الإسلام السنّي في مواجهة الإسلام الشيعي.

ولا يمكن القول إن الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات قد تمت على قاعدة الدفاع عن الإسلام السنّي أو المشروع الإسلامي السنّي، أو أن خالد الإسلامبولي الذي أطلق اسمه على شارع في طهران كان شيعيا.

السياسة في كثير من الأحيان أقوى من المذهب، بل وتتمرد على الدين أيضا, بدليل وقوف إيران إلى جانب الأرمن ضد أذربيجان الشيعية، وبدليل ما ذكرنا حول شيعة الأهواز، ولو انفصل الجنوب العراقي بدولة خاصة لرأينا اقتتالا بين القوى الشيعية لم يعرف من قبل، ثم ألم يقتتل حزب الله وحركة أمل خلال التسعينيات؟!

في المقابل ألم يحارب السودان عندما كان له مشروع إسلامي من قبل أكثر الدول العربية، وهل تقبل الدول العربية أن تنتصر حركة إسلامية هنا أو هناك بما يفتح شهية الآخرين. ألم تتنفس الدول العربية الصعداء عندما انتهت التجربة الجزائرية إلى ما انتهت إليه؟!

من هنا نقول إننا حين نتحدث مع إيران ومع السادة المراجع الكبار حول هذا الملف، فإنما نتحدث بوصفنا من أبناء الأمة المناهضين لفساد الأنظمة وتبعيتها في بعض الأحيان. نتحدث باسم من انحازوا للثورة الإيرانية عند انطلاقتها، وللسيد نصر الله عندما قاتل الصهاينة من دون الخوض في سؤال المذهب.

لهؤلاء حق على إيران التي تواجه الصلف الأميركي، وعليها أن تلتفت إليهم من أجا أن يكونوا معها في مواجهتها التي لا يستبعد أن تتم في المدى القريب أو المتوسط، الأمر الذي لن يكون فاعلا إذا واصلت سياستها في العراق على ذات النحو القائم، فضلا عن تحريض الشيعة على التعامل مع إخوانهم السنّة بوصفهم أعداء إلى يوم الدين، وأقله بوصفهم ضالين ينتظرون الهداية، أو كفرة لأن أركان الإيمان خمسة، وهم لا يؤمنون سوى بأربعة متجاهلين الركن الخامس (الإمامة).

والحال أن إصرار البعض على مسألة التبشير المذهبي لن تكون في صالح الشيعة بحال، ولو كانت المسألة بهذه البساطة لحسمت منذ قرون. وإذا تحولت المعركة إلى معركة تبشيرية فيكفي أن ينشر بين الناس كتاب أحمد الكاتب (تطور الفكر الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه)، والرجل شيعي، كان ولا يزال، كي يدرك الناس كيف جرى تلفيق المذهب في بعده الإعتقادي وليس الفقهي أعني قضية الأئمة وترتيبهم وصولا إلى الإمام الغائب، والذي لم يولد أصلا كما تقول الروايات الصحيحة بحسب الكاتب.

ولا تسأل بعد ذلك عن قضية الشيخين، أبي بكر وعمر ومنزلتهما في الوعي الجمعي للمسلمين.

أقسم إننا لا نحب الخوض في هذا الأمر، لكننا نشير إليه كي نرد على الذين يبررون الحشد الطائفي في المعسكر السنّي أكثر من أي شيء آخر، ولكي نقول إن مخاطر التشيّع التي يبررون بها ما يفعلون ليست صحيحة، فأن يتشيع شخص هنا أو هناك لا يختلف كثيرا عن يتسنن آخرون، أكان في العلن أم في السر بسبب الحشد الطائفي.

"
استمرار الحشد الطائفي هو المقدمة الطبيعة للتنازع والفشل وذهاب الريح، وليس من سبيل أفضل لاستثمار الخلافات وتفريق الصفوف من هذا النزاع القائم، وإلا فهل يخفى على العقلاء لماذا يدعى الحكيم والهاشمي إلى لقاء بوش كل على حدة، ما دام النقاش يخص قضية واحدة؟!
"
من المؤكد أن استمرار الحشد الطائفي على هذا النحو هو المقدمة الطبيعة للتنازع والفشل وذهاب الريح، وليس من سبيل أفضل لاستثمار الخلافات وتفريق الصفوف من هذا النزاع القائم، وإلا فهل يخفى على العقلاء لماذا يدعى عبد العزيز الحكيم وطارق الهاشمي إلى لقاء بوش كل على حدة، ما دام النقاش يخص قضية واحدة؟!

لا بد من تداعي العقلاء والحكماء إلى لقاء، بل لقاءات لتدارك الموقف، لكن إيران ستبقى الركن الأهم في كل الجهود. أما جماهير السنّة فموقفهم واضح، إذ إنهم لا يعرفون التكفير العقائدي، وإن مارسوا التكفير السياسي، إن جاز التعبير، وثمة فارق بين النمطين، لاسيما أنه يمارس بحق شيعة وسنة مع أن تحويل النمط الثاني إلى الأول ليس صعباً بحال، الأمر الذي تشتغل عليه بعض الجهات هذه الأيام لاعتبارات سياسية, وإن مارسه البعض بحسن نية.

الأكيد أن ثمة دورا للأنظمة العربية فيما يجري، أكان سلبيا أم إيجابيا، الأمر الذي يبدو صحيحا إلى حد كبير، بدليل ما نلاحظه هذه الأيام من ممارسات تساير الحشد الطائفي، بل تحرض عليه، لكننا نتحدث، كما قلنا عن أنظمة خائفة من الولايات المتحدة، فضلا عن خوفها مما تسميه المشروع الإيراني، وإذا ما بادرت طهران إلى طمأنة هذه الأنظمة والأهم جماهير الأمة فإنها ستربح المعركة، لكن ذلك لن ينجح من دون تغيير سياستها في العراق، وبالطبع عبر كبح جماح تلك القوى التي تحرض على حرب طائفية ستشعل المنطقة برمتها.

نقول ذلك لأن موقف جماهير الأمة من إيران، وتبعا لذلك الموقف من عموم الشيعة أهم بكثير من موقف الأنظمة التي تحركها حسابات من نوع آخر لا صلة لها في كثير من الأحيان بصورة الإسلام ومصالح عموم المسلمين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة