نزع الارتهان أولا   
الأحد 1432/9/23 هـ - الموافق 21/8/2011 م (آخر تحديث) الساعة 11:35 (مكة المكرمة)، 8:35 (غرينتش)

قرأت أخيرا كتاب وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر عن الصين وعنوانه بالإنجليزية "Henry Kissinger On China". والكتاب ليس بتاريخ ولا هو بسيرة ذاتية، بل فيه من الأمرين، وكتب وحرر بأسلوب شيق وفهم للبعد التاريخي والثقافي للأمم، وكيف يؤثر في الواقع وفي المستقبل.
 
لا أريد الخوض بتوسع في مضمون الكتاب، مع أني أتمنى أن يجد حكام هذه الأمة الوقت لقراءته، وإن في ملخص، لعلهم يأخذون العبرة ويتعلمون كيف أن الأمم لا تنهض أو تنتصر أو تنافس إلا إن تمسكت بهويتها وثارت على واقعها المتخلف، وقبلت، وقد أثمرت الثورة نصرا، روح عصرها فتنطلق في تفاعل معه، لتضيف إليه لبنتها في الحضارة والثقافة والعلم، حتى لا تظل مجرد متلق يلتقط ما يلقى إليه على قارعة الطريق مثل حالنا اليوم نحن أمة العرب. وحتى لا تظل مرتهنة لواقعها أو ماضيها بكل ما فيه من نقاط ضعف أو قوة.

وإذ يتابع المرء الثورات العربية بفصولها المختلفة على شاشات التلفزة، فإن الأمل المفترض هو أن تبلغ بنا تلك الثورات إلى عصر التحرر من الارتهان الاجتماعي والتاريخي والسياسي والاقتصادي والمذهبي والثقافي أخيرا، كما فعلت ثورة ماو دزي دونغ حين حررت الصين من ارتهاناتها تلك، وانطلقت بها نحو عصرها وفضائها الإقليمي والعالمي، وحافظت في الوقت نفسه على ثقافتها الكونفوشية، رغم أن قادة الثورة شيوعيون ماديون أولا. 
 
"
نحن العرب في مثل وضع الصين قبل ثورة ماو دزي دونغ، مرتهنون لأنظمة مستبدة يساند معظمها الغرب، الذي يفرض علينا الإذلال منذ القرن التاسع عشر ويشن علينا "حرب النفط" بدل حرب الأفيون
"
لقد تحررت الصين الثائرة من موروثها الإمبراطوري الذي اهترأ وكثيرا ما أوقعها في مخاضات وحروب أهلية دامية، وتحررت من عقد الطبقية الاجتماعية المترسخة منذ آلاف السنين، وتحررت من عقدة الذل الذي تلبسها بسبب الهيمنة الغربية وحرب الأفيون وتبعية نظام "صن يا تصن" فانطلقت لتبلغ ما هي عليه اليوم، رغم ما تحمّله الشعب الصيني من آلام وما حل به من مآس في أتون الحرب والثورة الثقافية.

نحن العرب في مثل وضع الصين قبل الثورة، مرتهنون لأنظمة مستبدة يساند معظمها الغرب، الذي يفرض علينا الإذلال منذ القرن التاسع عشر، ويشن علينا "حرب النفط" بدل حرب الأفيون، ومن أجل ذلك أقام على أرضنا إسرائيل واحتل العراق. لكننا مع ذلك مرتهنون لماضينا وواقعنا، وهو الارتهان الأنكى الذي ينبغي أن ننفك منه لننفك من الارتهان الخارجي.
نعم، نحن مرتهنون اجتماعيا لموروث القبيلة والعشيرة والجهوية وحتى لموروث التأويل والأيديولوجية الدينية والمذهبية. وربما تكفي نظرة عجلى إلى واقع الأقطار العربية لتبيان ذلك. ومن يستقرئ مسار الثورات عبر التاريخ الإنساني يجد أن الثورة تصيب نجاحا أسرع، وتترسخ أقدامها وتقيم مجتمعها الجديد، كلما كانت درجة الارتهان لتلك الموروثات أضعف.
 
وهكذا، ليس غريبا أو مفاجئا أن تنجح الثورة في تونس ومصر في تحقيق ما تنشده من انعتاق من الاستبداد بسرعة أكبر وقدر أقل من الدماء المسفوكة، بينما تنزلق الثورات الأخرى إلى متاهات الارتهان القبلي والعشائري والمذهبي، فتختفي ثمارها وراء ستار من السراب الخادع، فلا يغدو المرء قادرا على استبيان الغث من السليم، وربما يتسرب اليأس إلى وجدانه، إن لم يكن إيمانه بحتمية انتصار الثورة باعتبارها فعلا اجتماعيا عارما لا يمكن للاستبداد وقفه، وإن كان يصده مؤقتا.

ففي تونس ومصر نسيج اجتماعي أكثر تجانسا وتوحدا، إذ ضعفت عبر ظروف موضوعية حدة القبلية والعشائرية، ونشأ في كل منهما عبر التاريخ كيان دولة بيروقراطي، ساهم في إضعاف وشائج القبيلة لحساب الدولة والوطن باعتبارهما مظلة للجميع. 

أما في اليمن وليبيا فإن الموروث القبلي أشد وطأة، وهو ما جعل الثورة تنزلق إلى استعصاءات غلفت مستقبلها بالضباب. ففي ليبيا يراهن نظام الحكم المأزوم على البعد القبلي كي يبقى وينجو. وفي اليمن استغل النظام العلاقات القبلية والواقع الاقتصادي المتردي ليتشبث بالسلطة، رغم أن لهيب الثورة بلغ منه الحلقوم. ومع أن الشعب اليمني مسربل بالسلاح حتى التخمة، فإنه يحسب له حتى الآن أنه متمسك بالطابع السلمي للثورة ولم ينزلق إلى الحرب الأهلية.

"
في سوريا هناك من يحاول استغلال البعد الطائفي وارتهاناته التاريخية كي يستمر العنف وتتلطخ صورة الثورة المطالبة بالإصلاح الديمقراطي والحرية
"
وفي سوريا، التي تؤلمني جراحها الشامية وأنا من بلاد الشام، فإن هناك من يحاول استغلال البعد الطائفي وارتهاناته التاريخية كي يستمر العنف وتتلطخ صورة الثورة المطالبة بالإصلاح الديمقراطي والحرية، ويبقى الحال على ما هو عليه من كبت واستبداد سياسي وخلل اجتماعي واقتصادي.

ومن يتابع ما يجري الآن في سوريا، وما نتج عنه من استقطابات مذهبية تتجلى على شاشات التلفزة يدرك أن الارتهانات المذهبية في هذا الإقليم المسلم العربي، الذي يضم تركيا وإيران (ولبنان باعتباره الكيان الطائفي الأول في الإقليم)، تلقي بثقلها على الوضع في سوريا فتتشكل المواقف السياسية انطلاقا من الأبعاد الطائفية والمذهبية.
 
وهكذا لم يعد الحراك الراهن في سوريا ثورة شعبية كما اعتبر الحراك في مصر وغيرها، وتغير مفهوم الثورة الشعبية ليكون النموذج البحريني مثاله الصارخ.

إنه ارتهان مذهبي طائفي، من أجله يضحى بكل الحقائق وعلى مذبحه تسفك كل الأصول. إنه ارتهان يصبح من الجائز معه أن يحتل العراق من قبل "الشيطان الأكبر"، إذا كان ذلك سيلقي بالعراق، في نهاية المطاف، في أحضان حامي المذهب شرقا، ولتذهب كل شعارات المقاومة والممانعة إلى الجحيم!!

وليس هذا الارتهان المذهبي التاريخي وليد اللحظة، بل هو ضارب في أعماق تاريخنا منذ الفتنة الكبرى وأفول شمس العهد الراشدي ومجيء أنظمة الملك الوراثي العضوض على يد معاوية بن أبي سفيان.

وكم من مرة "حللنا" الاستعانة بالأجنبي لتحقيق أهداف سياسية ومذهبية. ألم يجعل بنو العباس من الشعوبيين والفرس سندهم للقضاء على الدولة الأموية والحفاظ على وجودهم في فارس وبلاد ما وراء النهر؟
 
وحين اجتاح المغول الدنيا، ألم يجد هولاكو في أصحاب الارتهانات المذهبية أعوانا قدموا له المنجنيقات القوية آنذاك لدك أسوار بغداد ودخولها؟

وحين شعرت الدولة الفاطمية بالخطر، ألم تتعاون مع الصليبيين المتربصين بصلاح الدين؟ وحين مات صلاح الدين ألم يُعِد خلفاؤه في مصر (الملك الكامل) القدس إلى قبضة الصليبيين إكراما لخاطر فريدريك ملك صقلية؟ وفي الحرب العالمية الأولى ألم نطعن العثمانيين مقابل وعود غربية زائفة؟

"
قبل عشرين عاما ونيف، ألم نفتح صحارينا أمام غزو العراق رغم أن حكامه مارسوا الغزو أولا لبلد عربي؟ وأخيرا ألم تطلب جامعتنا العربية من الأطلسي أن يقصف ليبيا؟
"
وقبل عشرين عاما ونيف، ألم نفتح صحارينا أمام غزو العراق رغم أن حكامه مارسوا الغزو أولا لبلد عربي؟ وأخيرا ألم تطلب جامعتنا العربية من الأطلسي أن يقصف ليبيا؟

هذه بعض عواقب ارتهاننا التاريخي والمذهبي والسياسي المستمر منذ حوالي ألفية ونصف. كل من حكمونا عبر هذه القرون لم يجدوا قدوة إلا ملك معاوية العضوض (اللهم إلا نفر قليل من أمثال عمر بن عبد العزيز) فلا يهم أحدهم اليوم أن يقتل الآلاف وتبدد المليارات وتحرق البلاد والعباد على أن يظل في الحكم ويورثه، حتى وإن استعان بإسرائيل والشيطان معها!

وقد جلب علينا هذا الارتهان للاستبداد السياسي المحلي وأعوانه وداعميه في الغرب ارتهانا آخر أنكى وأفدح!

في أزمة الانهيار المالي الأولى قبل ثلاث سنوات، خسر الاقتصاد العربي (النفطي منه بالذات) أكثر من تريليوني دولار، كما أعلن وزير الخارجية الكويتي في مؤتمر صحفي نقلته الجزيرة أثناء انعقاد القمة الاقتصادية العربية في الكويت.

وفي أزمة المديونية الأميركية الراهنة، هناك أكثر من تريليوني دولار من دولة عربية واحدة يمكن أن تذهب مع الريح، كما جاء في خبر نشرته الجزيرة نت يوم 8/8/2011. وفي الجزائر أرض الثورة، خسر الشعب في الأزمة الأولى قرابة 50 مليارا وله اليوم 65 مليارا مهددة بالتبخر من صناديق الدولة العظمى. إنها استثمارات في سندات الخزينة الأميركية التي ابتليت بها الصين أيضا.

الارتهان السياسي في حالتنا يقود إلى الارتهان الاقتصادي المتكرر، أما الصين فإنها تحاول أن تعي الدروس مما أوقعت نفسها فيه وتتهم الولايات المتحدة برهن الاقتصاد العالمي لخزينتها وتطالب بأن يكون للعالم عملة احتياط أخرى غير الدولار!

وفي الثقافة والتعليم أصبحنا مرتهنين لموروثنا الاستعماري. ألم يَعُد همّ الآباء والأمهات الجدد أن يرسلوا أبناءهم إلى المدارس الأجنبية الناطقة بالإنجليزية أو الفرنسية، حتى وإن كان ذلك على حساب اللغة العربية لغة الثقافة الأصلية الأصيلة؟ أوَ لا نرى كيف يرطن هؤلاء الأبناء بلسان أعجمي ولا يستطيع أحدهم أن يعبر عن مكنون نفسه بلسان أبيه وأمه؟
 
وحين يتخرج أحدهم يجد نفسه عاجزا عن مجاراة أصحاب اللسان الذي تعلم به لأسباب عرقية وسياسية، وعاجزا عجزا حقيقيا في هذا الجانب عن خدمة مجتمعه والاندماج في ثقافته، فهو كالدب الذي حاول تعلم مشية الورقاء فعجز ونسي مشيته.
 
وفي النهاية لا يجد أحدهم مجالا مفتوحا أمامه إلا أن يسمسر لحساب الغير على حساب ثقافته وعلى حساب اقتصاد وطنه. 

أما دولنا، بل قل كياناتنا القطرية التي ينبغي أن ترعى التعليم والإنسان فهي مرتهنة لهواجسها الاستبدادية، وتخشى شعوبها وتكرس مواردها لتعزيز الارتهانات القبلية والطائفية، فتجعل بعض فئات الشعب أدوات في يدها لإدامة الاستبداد.
 
"
ونحن إذ نعيش اليوم لحظة الثورة في تاريخنا، فإن الأمل يحدونا في أن تتكلل الثورات بالتحرر الداخلي من كل الارتهانات، وأولها الاستبداد السياسي حتى نستطيع أن نقف على قدم المساواة مع العالم
"
فلا يهم إن جارت الأقلية على الأغلبية عقودا وعقودا ولا يهم أن يبطش بالناس بمئات الألوف. أوَ لم يقتل عسكر الجزائر مئات الألوف قبل سنوات قليلة ليحافظوا على مصالحهم وارتهاناتهم وها هم أصبحوا اليوم قدوة لجيوش عربية أخرى تبطش وتقتل وتنكل؟

وفي الثقافة أيضا انظر كيف أننا لا نستطيع أن ننتج عروضا تلفزيونية أصيلة بل نقلد تقليدا أعمى!

في أميركا والغرب ستار أكاديمي فلا بد لنا بواحدة مثلها! وهناك أميركان أيدول فلا بد لنا بواحدة! وهناك لدى الأميركيين مواهب فلا بد أن نتباهى بمواهبنا!

إننا نقلد القوم ولا نستطيع حتى أن نغير التسميات ترجمة تناسب لغتنا. إنه ذلك الشعور بالدونية الذي ظل يلازمنا منذ القرن التاسع عشر، ونحن نشاهد الغرب يتقدم في كل الميادين، ويهزمنا ويستعمرنا ويتبوأ الأرض على حسابنا.
 
وما هذا الشعور بالدونية إلا نتاج للشعور بالذل في مواجهة عالم تحرر قبلنا من كل ارتهاناته المعوقة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا ومذهبيا.
 
وإذ نعيش اليوم لحظة الثورة في تاريخنا، فإن الأمل يحدونا في أن تتكلل الثورات بالتحرر الداخلي من كل الارتهانات، وأولها الاستبداد السياسي حتى نستطيع أن نقف على قدم المساواة مع العالم من حولنا. فقد شاهدت شبانا إنجليزا يحملون المكانس لتنظيف شوارع لندن وبيرمنغهام بعد المظاهرات الأخيرة وما شابها من عنف. وكم سعدت لتلك الصورة! فهي ما فعله المصريون في ميدان التحرير وغيره من ميادين وشوارع مدنهم وأخذها عنهم الشبان الإنجليز! 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة