إنقاذ الجنرال بترايوس   
الاثنين 1434/1/13 هـ - الموافق 26/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:44 (مكة المكرمة)، 11:44 (غرينتش)

لقد انتقلت الولايات المتحدة من مرتفع الانتخابات الرئاسية إلى منخفض الفضيحة الجنسية السياسية في أقل من أسبوع. ففي نظر العديد من الأميركيين، أظهرت الانتخابات أفضل ما في البلاد، فقط لكي تعقبها العملية المألوفة المحزنة المتمثلة في إسقاط الأبطال من قواعدهم.

وبالنسبة للعديد من غير الأميركيين، فإن الانتخابات جلبت انتصار باراك أوباما الذي اطمأن إليه كثيرون ونال ترحيبهم، في حين كانت استقالة ديفد بترايوس من منصبه كمدير لوكالة الاستخبارات المركزية بمثابة جُرح لا ضرورة له أحدثته أميركا بنفسها.

الانتخابات جلبت انتصار باراك أوباما، في حين كانت استقالة بترايوس من منصبه كمدير لوكالة الاستخبارات المركزية بمثابة جُرح لا ضرورة له أحدثته أميركا بنفسها

والواقع أن كلاً من الانتخابات واستقالة بترايوس كانت تشكل جزءاً من كلٍ أكبر: أميركا التي تلبي وعودها.

فقد ذَكَّرت الانتخابات العديد من الأميركيين بأن الولايات المتحدة دولة ملتزمة بالتقدم وقادرة على تحقيقه وبالمضي قدماً نحو رؤية مثالية. كان أوباما مؤيَداً من قِبَل تحالف من الأقليات: من الأميركيين من أصل أفريقي، واللاتينيين، والأميركيين الآسيويين، والأميركيين المسلمين، والأميركيين المثليين، والسحاقيات، والأغلبية الممثلة تمثيلاً منقوصا (النساء)، الذين يرون جميعاً بوضوح عدم المساواة والمظالم المستمرة التي تحتاج إلى علاج.

ولكن الفائزين كانوا كل من يعتقدون أن أميركا في واقع الأمر أمة تكرس نفسها "للعدالة المتساوية في ظل القانون"، وهي العبارة المنقوشة على واجهة مبنى المحكمة العليا.

بانتخاب رئيس أميركي من أصل أفريقي بعد أقل من نصف قرن من نهاية الفصل العنصري الرسمي في قسم كبير من البلاد، يرى هؤلاء الأميركيون انتصار القيم المكرسة في دستور الولايات المتحدة على تركة أميركا من التحيز الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وهم يرون رئيساً ملتزماً بتقدم كل الأميركيين، بصرف النظر عن الجنس أو النوع أو العقيدة أو الأصل العرقي أو التوجه الجنسي أو الإعاقة أو الحالة الاقتصادية.

وهم يرون أيضاً بلداً يعكس العالم حقا، فيجذب المهاجرين من مختلف الأمم ويمنحهم فرصة متساوية للنجاح كأميركيين. كما يرون رئيساً صاحب رؤية لبلد قادر على إعادة تشييد بنيته الأساسية، وإصلاح نظام الرعاية الصحية لديه، وتعزيز نظامه التعليمي، وتعزيز ازدهاره الاقتصادي بطرق تتطلب مشاركة كل المواطنين، وبالتالي تسمح لكل المواطنين بالازدهار.

ولكن كيف ترتبط هذه الرؤية باستقالة بترايوس -الجنرال الشهير الذي تقلد العديد من الأوسمة قبل أن يتولى رئاسة وكالة الاستخبارات المركزية- إثر الكشف عن تورطه في علاقة غير شرعية خارج إطار الزواج؟

إذا حكمت من خلال ما وردني على تويتر من ردود، فأستطيع أن أقول إن أغلب المراقبين الأجانب لا يستطيعون أن يفهموا ما الذي قد يدفع رجلاً خدم بلاده في واحد من أعلى المناصب وأكثرها حساسية إلى الاستقالة بسبب شيء حدث في حياته الخاصة، فهو أمر لا يؤثر بشكل مباشر إلا على هؤلاء الذين اشتركوا فيه وأسرهم.

الثقافة الأميركية تحكم على العلاقات غير الشرعية خارج إطار الزواج بقسوة شديدة، خاصة على المسؤولين الكبار

وكان تفسيري هو أن الثقافة الأميركية تحكم على العلاقات غير الشرعية خارج إطار الزواج بقسوة شديدة، وعلى هذا فإذا ضُبِط مسؤول كبير في وضع مشابه فإن هذا يجعله بسهولة عُرضة للابتزاز، وهو أمر كان من الواجب على مدير وكالة الاستخبارات الأميركية -من بين كل الناس- أن يتجنبه. فأجابني محاوري بأنه الآن بعد الكشف عن العلاقة يكون تهديد الابتزاز قد زال، لذا فإن بترايوس يجب أن يبقى في منصبه.

الواقع أن العديد من الأميركيين يوافقون، بل إن أوباما ذاته كان متردداً في قبول استقالة بترايوس، كما ذكرت التقارير. ولكن من وجهة نظري فإن بترايوس فعل الصواب: فالاستقالة كانت التصرف الوحيد المتاح له إذا كان له أن يحظى بأي فرصة لإصلاح سمعته.

إن بترايوس -في نهاية المطاف- كان الجنرال بترايوس، الجنرال الذي يحمل أربع نجوم والذي قضى حياته في المؤسسة العسكرية، فتولى قيادة المهمة الأميركية في العراق وأفغانستان. تخرج بترايوس من الأكاديمية العسكرية الأميركية في وست بوينت -التي قام بالتدريس فيها لاحقا- وهي المؤسسة التي تسترشد بشعار "الواجب، الشرف، الوطن".

في عصرنا الساخر، قد يستهزئ كثيرون بمثل هذا الشعار العتيق الطراز (بل وبقوة أي شعار أو رمز)، بيد أن طلاب وست بوينت لا يفعلون. فكما أخبرهم الجنرال دوغلاس ماك آرثر في عام 1962، فإن هذه الكلمات الثلاث "تبني شخصيتكم الأساسية، وتشكلكم من أجل الاضطلاع بأدواركم في المستقبل كقائمين على الدفاع عن البلاد. إنها تجعلكم أقوياء بالدرجة الكافية لكي تدركوا متى أصبحتم ضعفاء، وتكسبكم من الشجاعة ما يكفي لكي يجعلكم تواجهون أنفسكم عندما تشعرون بالخوف. وهي تعلمكم كيف تتحكمون في أنفسكم قبل سعيكم إلى السيطرة على الآخرين؛ وكيف يكون لكم قلب نظيف وهدف نبيل".

إن خطاب ماك آرثر محرك للمشاعر؛ وقد يزعم البعض أنه مغرق في المبالغة. فالمثل العليا التي يعبر عنها سامية ونبيلة؛ وهو شخصياً لم يرقَ إلى هذه المُثل في أكثر من مناسبة. ولكن في عموم الأمر، فإن الرجال والنساء في المؤسسة العسكرية الأميركية يؤمنون بهذه المُثل العليا ويبذلون قصارى جهدهم لتلبيتها، تماماً كما يؤمن مواطنو الولايات المتحدة عموماً بكلمات دستورهم السامية، ويسعون إلى تصحيح أوجه القصور الوطنية التي تعيبهم.

انتهك بترايوس ميثاق الشرف الشخصي وواجبه تجاه زوجته وأسرته, وبالتالي واجبه تجاه بلده

لقد انتهك بترايوس ميثاق الشرف الشخصي وواجبه تجاه زوجته وأسرته. وفي نظره بالتالي، واجبه تجاه بلده، وبشكل خاص الرجال والنساء الذين ائتمنوه على قيادة وكالة الاستخبارات المركزية. وعندما انكشفت علاقته غير الشرعية، كان عليه أن يواجه فشله، وأن يتحمل المسؤولية عن العواقب، ولقد فعل ما يؤمن بأن الواجب والشرف والوطن يملونه عليه.

لا شك أن ضجيج هذا الكشف المبهرج والتحقيقات التي ستعالج كافة جوانب الفضيحة سوف تستمر أسابيع. ولكن في الوقت نفسه، لا يملك الأميركيون إلا أن يأملوا أن يُظهِر ممثلوهم المنتخبون نفس القدر من الاستعداد لمواجهة الذات وتحمل المسؤولية عن إخفاقاتهم، وسلوكياتهم التافهة، وأن يتخلوا عن إصرارهم على وضع الانتماء الحزبي قبل الاحتياجات الواضحة والملحة للبلاد.

يتعين على هؤلاء المسؤولين الآن أن يقوموا بواجبهم الأساسي: وهو الحكم. وينبغي لهم أن يكونوا راغبين في التفاوض بنية حسنة، والتوافق من أجل سن القوانين، وحل المشاكل، وتجنب الأزمات، وبناء الثقة في المستقبل. وإننا لنرجو أن يكون القسم الذي أدوه بالدفاع عن الدستور والتمسك به أكثر من مجرد كلمات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة