اليأس والتيئيس   
الأربعاء 1/9/1431 هـ - الموافق 11/8/2010 م (آخر تحديث) الساعة 21:35 (مكة المكرمة)، 18:35 (غرينتش)


بعتُ الدفاتر وهي آخر ما يباع من المتاع
لا تعجبي مما رأيت فنحن في زمن الضياع

الشاعر أبو علي الحداد من كتاب "المحاضرات في الأدب واللغة" لنور الدين اليوسي من المغرب العربي، عاش بين عامي 1630 و1691.

أتوقف هنا قليلا مع المؤرخ العربي ومؤسس علم الاجتماع ابن خلدون في تقسيمه للتاريخ إلى علم التاريخ وفلسفة التاريخ.. فالأول يعبر عن أحداث ووقائع عبر الزمن تترك مرتسماتها على النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وحتى العسكرية، بينما الفلسفة تتركز في جهد فكري تحليلي استقرائي وتركيبي للأحداث ترشد العقل في نهايتها إلى أحكام مستنبطة ومُستنتجة لفهم الأحداث ودوافعها.

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال: هل التاريخ يعيد نفسه؟ والجواب: نعم، إنه يعيدها بعناوينها وغاياتها وفي بعض من مجرياتها، لكن أبطال الحكايات والمرويات جُدد، فلقد طوى الزمان القدامى وغيّبهم.

والسؤال الثاني: هل يعيش الشاعر معنا الآن في زمن الضياع أم ارتددنا إليه ضائعين مثله؟

يُرجح كفة عيشه معنا الكاتب فهمي هويدي في مقال له يقول فيه عن حصار غزة "الحصار صار مقبولا ومؤيدا، وفي هذا الصدد لا أحد ينسى تلك الواقعة المثبتة التي ذكرها" أمير أورن "المعلق العسكري لصحيفة هآرتس الإسرائيلية في تقرير أرسله من بروكسل، أن وزير خارجية لوكسمبورغ طلب من وزيرة الخارجية الإسرائيلية وقتذاك تسيبي ليفني بعد كلمة ألقتها أمام وزراء خارجية حلف الناتو، برفع الحصار عن غزة وفتح المعابر الحدودية لأن الأوضاع الإنسانية في القطاع بالغة الصعوبة، فما كان من ليفني إلا أن طلبت من وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط أن يشرح للوزراء لماذا ينبغي أن يستمر معبر رفح مغلقا".

وكانت المفاجأة أن الرجل أيد موقفها وقال "إن المعبر يجب أن يغلق لدواع قانونية"، مشيرا إلى أن ذلك ما تفرضه اتفاقية المعابر الموقعة عام 2005 بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل والاتحاد الأوروبي.

والمخجل كما يقول الكاتب أن مراسل الصحيفة أمير أورن ذكر أنه في الوقت الذي قال فيه أبو الغيط هذا الكلام، ندد ممثل الخضر في الاتحاد الأوروبي داني كوين بنديت -وهو يهودي- في الاجتماع بسياسة القمع الإسرائيلية ضد الأطفال الفلسطينيين.

ليت هذه الحادثة كانت المشهد الوحيد على مسرح اللامعقول الرسمي العربي، وأبطال مسرحياته كثر ازدادت المبارزات بينهم منذ عقود زمنية في أداء الأدوار البعيدة عن الوطن والوطنية، وعن الحقوق وحتى عن الجوانب الإنسانية.

هل نبالغ في هذه النتيجة التي توصلنا إليها؟ إطلاقا، فحقائق الواقع تظهر بجلاء ووضوح مدى ألم الإنسان العربي ومدى التخاذل الرسمي عن القيام بأدنى واجباته الوطنية حيال مجريات الأحداث.

"
لأن العراق كانت له مواقف مشرقة وقفت قوى البغي والعدوان ضده، وكانت المؤامرات كثيرة شاركت فيها جهات رسمية عربية، فدفع ثمنها باحتلال أراضيه تحت مبررات أثبتت الأيام كذبها
"
العراق
، القطر الذي كان عنوانا كبيرا للتضحية والفداء في سبيل أمته العربية وشارك في الحروب العربية ضد العدو الإسرائيلي، وأتذكر هنا رواية صديق أعتز به وبصدقه كيف عاد المُوفد السوري من العراق إبان حرب أكتوبر/تشرين الأول التحريرية عام 1973 ناقلا مشاعر قادته قائلا "كانت في عيونهم نظرات خوف وقلق ودمعة تستفسر عن الأوضاع على الجبهة السورية، وكان قرارهم بالمشاركة في الحرب مع مصر وسوريا ضد إسرائيل، وخلال ساعات تحركت القوات العراقية لتنضم إلى القوات العربية السورية".

يومها عاش أبناء القطر العربي السوري أروع لحظات حياتهم أثناء استقبالهم للعراقيين وتقديم الهدايا الرمزية لهم وهم في طريقهم إلى ساحات القتال.

والعراق أيضاً عزّز جبهة الصمود والتصدي ضد تسويات كامب ديفد، وكان الداعم الدائم للنضال العربي ضد كل الأعداء المتحالفين مع إسرائيل.

ولأنه كان للعراق هذه المواقف المشرقة وقفت قوى البغي والعدوان ضده، وكانت المؤامرات كثيرة شاركت فيها جهات رسمية عربية، فدفع ثمنها باحتلال أراضيه تحت مبررات أثبتت الأيام كذبها.

بدأ الاحتلال بحل الجيش العراقي، وبيعت أسلحته عن طريق بلد عربي على شكل حديد مستهلك، والأخبار ما زالت تنقل لنا عدد الأرامل الذي فاق المليون لكثرة الشهداء، كما ارتفعت نسبة وفيات الأطفال والتشوهات الولادية نتيجة استعمال القوات الغازية لليورانيوم المنضب.

وتعاظمت سرقات آثاره بل وسُرقت المبالغ التي حُصلت زمن الحصار ضمن برنامج "النفط مقابل الغذاء"، وأصبح هذا البلد في مقدمة البلدان المصنفة عالمياً بالأكثر فسادا، والفقر يتزايد بين أبنائه.

وأهم من كل ذلك، الديمقراطية العجيبة الغريبة التي لم يستطع روادها تشكيل حكومة منذ ما يقارب خمسة أشهر، حتى عدّها مفكرون بأنها ديمقراطية الدكتاتوريات المهترئة على تعدد توجهات زعمائها الطائفية والإثنية.. إنها "بركات الاحتلال الأميركي".

فلسطين، مأساة شعبها تجاوز عمرها ستة عقود كانت حافلة بالتشريد والتشرد الدوريين، وتعاقبت المحن على هذا البلد.. المحنة تلو الأخرى حتى أصبحت ملازمة لحياة الكثيرين على الأرض المحتلة، وفي بلاد اللجوء.

الملايين استشهدوا أو شُردوا واحتلت كامل فلسطين بعد عام 1967، والأراضي المحتلة القديمة والحديثة تستباح، والمستوطنات تقام وتوسع، ومدينة القدس الشريف تبتلع، والمشاريع تعدّ لهدم المسجد الأقصى حيث أسري بالرسول العربي صلى الله عليه وسلم من أجل إقامة "الهيكل المزعوم"، والتراجعات مستمرة منذ اتفاقيات أوسلو.

"
الإدارة الأميركية هددت بعزل الفلسطينيين إقليميا ودوليا إذا رفضوا الانتقال إلى المفاوضات المباشرة
"
وأصبح الهم الفلسطيني والعربي الرسميان هو هل تكون المفاوضات مباشرة أم غير مباشرة؟ بغض النظر عن الحصيلة الهزيلة لنتائجها السابقة والمتوقعة في حال استمرارها.

وعن هذه المهزلة التي أضيفت إلى المهازل التي لا حصر لها، تقول عضوة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الدكتورة حنان عشراوي إن "الإدارة الأميركية هددت بعزل الفلسطينيين إقليمياً ودولياً إذا رفضوا الانتقال إلى المفاوضات المباشرة، وإن ضغوطا كبيرة مورست على الدول العربية من أجل الموافقة على الذهاب إلى المفاوضات المباشرة".

وذكرت أن "الأوروبيين مارسوا ضغوطا قوية على الجانب العربي من أجل الانتقال إلى المفاوضات المباشرة حسب طلب الولايات المتحدة الأميركية، والعنوان كان أن أميركا تريد أن تساعد الفلسطينيين للوصول إلى حل الدولتين شريطة دخول المفاوضات، وإلا لن يكون هناك دعم أميركي".

وأمام هذا المشهد تراجع العديد من المسؤولين العرب والأمين العام لجامعة الدول العربية عن تصريحاتهم وشروطهم لتحديد الأسلوب التفاوضي.

السودان، بات على أبواب تقسيمه وتفتيته إلى أشلاء بفعل عوامل داخلية فرضتها ظروف الفقر الواقع على هذا البلد. وهذه العوامل أصبحت موضع استغلال الأعداء، كل الأعداء -أميركا والغرب وإسرائيل- لتأجيج عوامل كانت دفينة وغائبة، لكنها حركتها بعد اكتشاف النفط ووجود الثروات الهائلة في الجنوب ودارفور.

فإقليم دارفور يأتي في المرتبة الثالثة عالمياً من حيث مخزون اليورانيوم وفي المرتبة الثانية من حيث مخزون النحاس.

اليمن "غير السعيد"، نظام الحكم فيه دخل العقد الرابع من عمره، والأوضاع المعيشية فيه تزداد سوءا.

وضعت خطتان خمسيتان بالتعاون مع صندوق النقد الدولي لإنقاذ أوضاعه بين عامي 1995 و2005 وفشلتا، فكان التنادي إلى عقد مؤتمرات للمانحين للتخفيف من الأضرار الواقعة على شعبه، خاصة في ارتفاع الأسعار والغلاء والفساد وهبوط سعر صرف العملة المحلية، وحركات مناهضة الجنوب للوحدة التي تتزايد بازدياد الاستئثار بالسلطة في الشمال، الهمّ الوحيد لقيادته.

المغرب والجزائر، منذ عام 1973 بدأ النزاع على الصحراء الغربية وما زال مستمرا تاركا الآثار الضارة على القطرين، حتى وصلت إلى إغلاق الحدود بينهما ومنع انتقال المواطنين.

بل إن من تبعات هذا الصراع تعطل الاتحاد المغاربي العربي، المنظمة الإقليمية التي كان هدفها لمّ الشمل وتوحيد أقطاره.

وفي هذا الزمن اللامعقول قد يقترح البعض ضمّ الصحراء إلى الأردن لحسم النزاع والعودة إلى البحث عن حسن الجوار وعن عوامل جمع الشمل وتحسين وتطوير العلاقات المغاربية نحو التكامل الإقليمي في طريق الوحدة الشاملة.

"
عندما أعادت المقاومة اللبنانية لشعبها عزته وكرامته خلال العدوان الإسرائيلي وبعده، راحت المؤامرات تستغل التركيب البنيوي لهذا المجتمع لتشطير توجهات تنظيماته وجعلها تسير في الاتجاهات الأربعة
"
لبنان
، لم تكفِه مآسيه نتيجة أحداث سبعينيات القرن الماضي الطائفية ووصول القوات الإسرائيلية إلى مشارف العاصمة بيروت عام 1982 وزرعها للميليشيات العميلة في جنوبه. لكن عندما أعادت المقاومة إلى شعبه عزته وكرامته خلال العدوان الإسرائيلي وبعده، راحت المؤامرات تستغل التركيب البنيوي لهذا المجتمع لتشطير توجهات تنظيماته وجعلها تسير في الاتجاهات الأربعة، في محاولات لإبقاء حركته السياسية جامدة أو متراجعة.

واليوم عادت مسرحية المحكمة الدولية لاغتيال الرئيس الأسبق المرحوم رفيق الحريري وبعد خمس سنوات من الحادثة، وقد سُلم التحقيق كما يقولون لخبراء دوليين، تغيب وتعود لتطلق الاتهامات إلى جهة محددة بذاتها، وتلك التهم تتناغم والمواقف السياسية المعادية.

ومؤخرا بات الحديث عن اتهام لقياديين في حزب الله بغرض تشويه سمعة مناضليه وبثّ بذور الفتنة بين أبنائه.

ليبيا، فطول عمر الحكم فيها وثباته، وقمع معارضيه وتشريدهم في بلدان العالم.. كان الرمز الأمثل له التحولات "المبدئية" من الإيمان بالوحدة العربية، وتسيير المسيرات بين الأقطار من أجلها، ومن الإيمان بالإسلام كعقيدة رسمية إلى طفرات يسارية بدعم حركات التحرر العالمية.. إلى اعتقال الماركسيين وتسليمهم للسودان زمن الرئيس الراحل النميري.. إلى الإعلان عن الاتحاد الأفريقي. وقد سبق ذلك تسليم كل المعدّات المشتراة من أجل إقامة مشاريع نووية إلى أميركا. واليوم والفائض المالي الرسمي يُقدر بـ90 مليار دولار، يفكر النظام باستثمارها في أفريقيا دون تخصيص الجزء اليسير منها للأقطار العربية.

مصر، البلد العربي الذي قاد نضاله التحرري الراحل جمال عبد الناصر ضد التخلف والاستعمار في القرن الماضي، راحت قياداته تتقوقع حول نفسها وعلى ذاتها حتى بات أمنها المائي مُهدداً بفعل الإجراءات التي اتخذتها دول المنبع مؤخرا.

وقادة الصهاينة باتوا في زيارات دائمة إلى القاهرة بينما يمكن القول إنها أغلقت أبوابها أمام العرب، بل وتمادى حكامها في قطع الغذاء والدواء عن 1.5 مليون فلسطيني في غزة. وأكثر من ذلك، هم المسوقون لكل البرامج الأميركية وحتى الإسرائيلية في المنطقة.

الأردن، كان حكامه أبداً شوكة في خاصرة الأمة العربية أثناء حروبها، وأثناء الاستقرار النسبي للأحوال فيها، واليوم بدأت أجهزة الإعلام تتناقل خبر الدور الجديد المرسوم المطلوب أداؤه في أن يصبح المعبر الأساسي المستقبلي للبضائع الإسرائيلية إلى البلدان العربية المُطبعة سراً مع إسرائيل والمعادية لها، لتبدأ مرحلة السيطرة الاقتصادية على الأمة العربية.

مسيرة الانحراف قديمة فأثناء حرب عام 1948 مع إسرائيل زارت رئيسة الوزراء الإسرائيلية الراحلة غولدا مائير المُتخفية بلباس رجل الملك عبد الله في قصره، وطلبت منه وقف الحرب مقابل الموافقة على حصوله على الأراضي الفلسطينية بعد قرار التقسيم، لكنه رفض ووعدها بتخفيف العمليات العسكرية. (لمرجع: كتاب حسنين هيكل "الاتصالات السرية").

والملك حسين، وقد وصلت العلاقات بين سوريا والأردن في سبعينيات القرن الماضي إلى ذروتها فأقرّت القيادتان إقامة فكرة اتحاد بين البلدين، لكن لم يطل عمر القرار أكثر من أيام قليلة لتعلن أميركا أن الملك كان يحصل على مخصصات مالية من المخابرات الأميركية.

واعترف بذلك في خطاب له مبررا ذلك بأن المبالغ كانت تحوّل إلى الضباط، ودفنت فكرة الاتحاد لأنها معارضة للإستراتيجية الأميركية بمنع قيام أي شكل وحدوي بين الأقطار العربية.

"
الأرض العربية والأراضي الإسلامية أصبحت منذ فترة طال أمدها المكان الأمثل لقتل الأبرياء، فما من يوم إلا وتنقل الأخبار أعداد القتلى والجرحى المتزايدة باستمرار
"
إذاً فنحن في زمن الضياع، وتاريخ المآسي يكرر نفسه وإن بصورٍ مختلفة. الأرض العربية والأراضي الإسلامية أصبحت منذ فترة طال أمدها المكان الأمثل لقتل الأبرياء، فما من يوم إلا وتنقل الأخبار أعداد القتلى والجرحى المتزايدة باستمرار.

هذه الأوضاع المأساوية واستمرارها وعدم التصدي لها، دفعت بغالبية أبناء الأمة إلى ما يسمى مرحلة اليأس القاتل للعزم الذي هو زخم للروح والفكر والجسد، وتوثب لكل ما هو قادر على العطاء في جسم الإنسان.

والأشد سوءاً أن جميع أعداء الأمة تكاتفوا لتطبيق المنهج الخاضع لإستراتيجية التيئيس، وعن ذلك يقول الكاتب خيري منصور "إنه منهج القضاء على ما تبقى، مستخدماً المرايا المكبرة ليجعل من حبّة الإحباط قبّة، ومن ثم يستخدم مرايا مضادة ليحول سلسلة الجبال إلى كومة من الحصى".

ولو دققنا ثانية فيما سقناه من أحداث ووقائع، لرأينا أن جهوداً جبارة خارجية -وحتى أحياناً داخلية- استثمرت لشن الحروب بجميع أنواعها العسكرية والاقتصادية وحتى الثقافية التي تبدت في محاولات تغيير المناهج الدراسية للطلبة في أقطار عدة، وحذف الآيات والأحاديث التي تحض على الجهاد، وتبديل بل وتزييف التاريخ.

ويعبر الدكتور المرحوم عبد الله عبد الدائم عن هذه الحالة بقوله "تشتد الصراعات الثقافية المحدقة بنا، ففي عام 1957 وفي مؤتمر للثقافة العربية" يؤيد رأيه بأن مؤتمرات الحوار الثقافي لم تؤدِ إلى نتيجة إيجابية، بل سادت العولمة بمعناها الضيق والوحشي بدلا من النزعة العالمية الإنسانية، وطغت على شتى جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وفي رأيه أن الثقافة العربية الإسلامية ثقافة عريقة، وهذه العراقة تمنحها القوة والقدرة على البقاء. وفي ردّه على هنتغتن في مقاله المنشور بمجلة وزارة الخارجية الأميركية عام 1993 ثم في كتابه "صراع الحضارات" الصادر عام 1997 والذي دعا فيه إلى اجتثاث خطر الثقافة الإسلامية، والكنفوشيوسية، وعلى ضوء ما سماه الردع الاستباقي (العسكري) ينوّه الدكتور عبد الله بأن ثمة طاقة كبيرة ثقافية ومادية كاملة في الوجود العربي، وفي وسعها حين تستيقظ أن تكون حضارة زاهرة جديدة، وكتلة سياسية وعسكرية واقتصادية قوية، وتشكل بالتالي مرة أخرى خطراً على رغبة الغرب العاتية في السيطرة على العالم.

لقد قال مارتن لوثر (1483-1546) إن "البابا هو العدو الداخلي والإسلام هو العدو الخارجي"، واللافت للنظر أن قروناً خمسة مرت على هذا الكلام ليكتب منذ سنوات مضت جيمس براون -وهو ديمقراطي كان متحدثاً باسم الخارجية الأميركية- في صحيفة ذي غارديان البريطانية ينصح العالم الغربي بأن يحافظ على المسلمين أذلاء فقراء لأنهم كلما تحرروا أو اغتنوا تمردوا.

ويلحق به رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي حين قال إن "القضاء على الإسلاميين يستلزم القضاء على الثروة في بلاد الخليج العربي وإفقار السكان فيها، فمن أصابه البعوض لا يقتلها واحدة واحدة، بل يجفف المستنقع"، ويرى أن تجفف الدول العربية من الثروة.

من هذا المنطلق مضت المراجع الرسمية المصرية تنفيذاً للإملاءات في تغيير المناهج الدراسية، وعن ذلك يقول الدكتور جمال عبد الهادي في ندوة عقدتها مجلة البيان "ألغي في مصر التاريخ الإسلامي من المرحلة الابتدائية والثانوية لحساب تاريخ الفراعنة والغرب".

"
بدأت الحرب النفسية التي باتت دائما تستهدف الإنسان العربي لتبقيه بلا إرادة ولا تفكير ولا أحلام.. إنها حرب عنوانها التيئيس وفقدان الآمال والانزواء عن المشاركة البناءة في الحياة العامة
"
فبينما كان التاريخ الفرعوني يُدرس في 75 صفحة وفي المرحلة الإعدادية، أصبح يُدّرس في المراحل الثلاث في 317 صفحة على حساب التاريخ الإسلامي الذي كان يُدرّس في المراحل الثلاث في 307 صفحات لتختزل في مرحلة واحدة هي الإعدادية إلى 32 صفحة.

وبينما نجد عصر النبوة يُدرّس كله في 10 صفحات نجد أن الملك مينا وحده يُدرس تاريخه في تسع صفحات، أما السيرة النبوية فيبدو كأنها تعرض سيرة شخص من عامة الناس لا سيرة أعظم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حيث حُذفت مواطن العظمة ونماذج القدرة فضلا عن التشويه المتعمد لكثير من الوقائع التاريخية مثل ما يثار من شبهات حول الخلفاء الراشدين والصحابة.

والحضارة الإسلامية طمست أهم معالمها، وحياة الخلفاء لهو ومجون، ووصموا بالعنصرية والطبقية، وحُذفت كل جملة أو كلمة تحيي روح الانتماء للإسلام والاعتزاز به.

وأخيرا وليس آخرا، كانت الحرب النفسية التي باتت دائما تستهدف الإنسان العربي لتبقيه بلا إرادة ولا تفكير ولا أحلام.. إنها حرب عنوانها التيئيس وفقدان الآمال والانزواء عن المشاركة البناءة في الحياة العامة.

والطريق لتحقيق هذه الغاية يكون في منع حرية الرأي، واعتقال أصحابه خلف قضبان السجون وتعذيبهم، لكن وبعدما استفحلت الأمور وزادت الحياة بؤساً وقتامة، راحت أجهزة الإعلام تفسح المجال لبعض المفكرين ليدلوا بآرائهم، لاسيما على الشاشات الحكومية الرسمية.

وفور انتهاء الحوار يشكرهم المدير العام ويكرمهم، والغرض من كل ذلك وضع المشاهد أو القارئ في حالة سعادة مؤقتة لأن ما يقولونه هو التعبير الدقيق عن مشاعره.

وتتكرر الندوات ويتكرر الاستماع والمشاهدة لها، لكن الاستجابة الرسمية لأقوالهم معدومة، ويُكتفى منها بالحديث، وهكذا يكون الإعلام قد نجح في تحقيق هدفين:

1- امتصاص نقمة المواطنين لفترة.
2- تكرار الندوات بدون الأخذ بها يزيد من حالة اليأس.

الواقع ومآسيه والأجواء المحيطة جميعها تدعو للتيئيس، والحل العملي والجذري يتركز في توسيع دائرة الحريات، والمساهمة في بناء الوطن في كل مجالات البناء عبر منظمات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، ففي هذه الحالة يبدأ الإعمار وتختفي الوساوس والأمراض النفسية العربية.

إنها دعوة إلى التنظيمات القائمة للبدء في رحلة قول كلمة الحق، وإلى سعيها لضم أعداد أكبر من المواطنين.

ولنؤمن إيماناً عميقاً مع الفقيه حسن حنفي بقوله "أضيف للكبائر: احتلال الأرض كبيرة، والفقر كبيرة، والتجزئة كبيرة، والتعذيب في السجون كبيرة، والتبعية للغرب كبيرة، وبيع الهوية كبيرة، وسكوت الناس على الهوان كبيرة، وعدم تحركهم ونحن أكثر من بليون مسلم كبيرة".

والإيمان الأكبر والأمثل بكلام الله جلت قدرته "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز" (الحج: 40).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة