الخوف من "البعثيين" مقابل خوف "النووي"   
الجمعة 1431/3/19 هـ - الموافق 5/3/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:02 (مكة المكرمة)، 12:02 (غرينتش)


هل يريد الأميركيون إعادة البعث إلى السلطة؟ هذا السؤال المُصاغ بطريقة توحي باتهام من نوع ما، ليس من وضع الكاتب ولا من اختياره؛ بل هو تلخيص لسلسلة متشابكة من الأسئلة التي تتردد اليوم في بغداد وطهران.

والرئيس أحمدي نجاد، بنفسه أثناء الاحتفال السنوي بعيد الثورة الإيرانية، ردده بطريقة التحذير، عندما أكد أن طهران لن تسمح بعودتهم، متهما واشنطن بالسعي إلى تمكينهم من العودة مرة أخرى إلى السلطة. ولكن، هل يملك البعثيون حقا، كل هذا الوزن السياسي في الشارع العراقي، بحيث أن واشنطن تضطر إلى تقديم كل أشكال المساندة والدعم، أملاً في كسب ودّهم؟ هل هذا حقيقي ومنطقي؟ وهل يملكون بالفعل، كل هذه القوة والإمكانيات أيضا على التخطيط لهجمات نوعية، وتوجيه ضربات قاسية للنظام السياسي الراهن، بحسب ما يُروج له ويُقال في وسائل الإعلام؟

"
ما هو المغزى الحقيقي لتضخيم دور البعثيين والتلويح بخطرهم، سواء من خلال صناديق الاقتراع أو بواسطة انقلاب عسكري، مثلما يشاع؟ وهل هناك وقائع حقيقية على الأرض تؤيد وتدعم مثل هذا الاحتمال؟
"
طبقًا لهذه الصورة الشائعة، أصبح "البعثيون" خطرًا داهمًا على حكومة المالكي بدعم أميركي؟ وهذا ما يتناقض كليًّا مع المعطيات والوقائع التي تشير إلى أنه لا يزال مقبولاً من الأميركيين. ولكن، ماذا عن المزاعم بشأن "تحالفهم مع القاعدة "هل هو تحالف حقيقي؟ وإذا كان هذا التحالف قائمًا، فكيف يمكن للرئيس الإيراني أن يصدق حكاية "الدعم الأميركي للبعث المتحالف مع القاعدة"؟ وهل هؤلاء الذين يقومون بالتفجيرات الإرهابية، هم فقط من "البعثيين الصدامييّن"؟ وإذا كانوا كذلك، فكيف يمكن لنا التمييز، بين هؤلاء وبين "البعثيين غير الصداميين"؟

أكثر ما يثير الاهتمام في هذا النوع من الأسئلة، أنه يفجر سلسلة من التناقضات التي تتلازم مع مفاجأة "عودة البعث" إلى واجهة الأحداث، بوصف هذه العودة أمرًا حقيقيًّا، أي قابلاً للتصديق، وبحيث راح الكثيرون يقرعون أجراس الخطر. المالكي، مثلا ً وتحت ضغط الحكاية شعر بالفزع، وبأن الأميركيين ربما يوشكون على خيانته.

فما هو المغزى الحقيقي لتضخيم دور البعثيين والتلويح بخطرهم، سواء من خلال صناديق الاقتراع أو بواسطة انقلاب عسكري، مثلما يشاع؟ وهل هناك وقائع حقيقية على الأرض تؤيد وتدعم مثل هذا الاحتمال؟

بالطبع، وتفاديًّا لأي سوء فهم محتمل ينجم عن قراءة خاطئة لأفكار هذه المقالة؛ فإن الغرض من إعادة طرح هذه الأسئلة ليس التشكيك في قوة ومكانة أي طرف سياسي عراقي، بل مواجهة الواقع بصراحة وشجاعة، سعيًا وراء تقديم مقاربة لفهم نمط جديد من "صناعة خوف "بدأت" منتجاتها في غزو السوق السياسية العراقية.

في هذا السياق، يمكن ملاحظة سلسلة من التناقضات المترابطة:

أولاً:
إن التلويح بخطر البعثيين، يترافق مع تقديم معظم المستبعدين، أدلة ومواقف تؤكد أنهم لا يملكون أي صلات بالبعث. وأكثر من ذلك، أن بعضهم أطلق تصريحات يفهم منها أنهم يتبرؤون من ماضي العلاقة به. ولذلك، لا يبدو تضخيم خطر المرشحين متناسبًا مع الحقائق. لقد بدأت عملية تصنيع الخطر، فعليًّا مع نشوب ما بات يعرف بأزمة "المجتثين". قبل ذلك بأشهر قليلة، لم نشهد أي مؤشرات على القوة المضخمّة هذه.

على العكس من ذلك، كانت هناك مؤشرات على حضور ميداني وإعلامي وسياسي لجماعات أخرى، وبشكل أخص للجماعات السياسية المناهضة للاحتلال وفصائل المقاومة الوطنية البعيدة عن البعث، مثل جيش المجاهدين والمجلس السياسي وهيئة علماء المسلمين بقيادة الشيخ حارث الضاري.

وكما يُلاحظ، فقد شهدت الأزمة تطورات سريعة وتحولات حادة ومفاجئة، ففي الأيام الأولى من إثارتها، تحولت من قضية أفراد يمثلون أو يتزعمون قوائم انتخابية إلى قضية تخص شرعية هيئات برلمانية وسياسية، مثل هيئة المساءلة والعدالة وهيئة التمييز التي شكلها البرلمان للنظر في الطعون المقدمة من المستبعدين.

أي أنها تحولت من "أزمة قانونية" ضّيقة، تخص شرعية هذه الهيئة أو تلك، إلى قضية قانونية شاملة تخص شرعية التدابير القانونية لمؤسسات الدولة والبرلمان والحكومة. ثم سرعان ما تحولت إلى أزمة سياسية عامة شغلت البلاد والعالم. فكيف جرى تحويل مسألة المستبعدين من الانتخابات إلى مسألة "عودة البعث" إلى السلطة؟ ألا يعني هذا أن ثمة "صناعة خوف" من نوع ما، تقف خلفها دوافع وبواعث إقليمية ودولية ذات طبيعة تكتيكية؟

ثانيا:
"
كيف يمكن فهم مسألة "تضخيم خطر البعثيين" ودورهم الاستثنائي مع استمرار عمليات "تصفيتهم"؟ وما هو السرّ في "تعظيم" هذا الدور، بينما تجري التعمية والتغطية على أدوار قوى أخرى مشهود لها بمقاومة الاحتلال الأميركي؟
"
وفي إطار هذه التحولات أصبحت أزمة المستبعدين أزمة مرّكبة قانونية وسياسية، مرشحة لمزيد من التداعيات والتطورات الخطيرة، خصوصًا بعد أن أصدر محافظ بغداد قرارًا بمنع البعثيين من العمل أو الاستمرار في العمل بالدوائر الرسمية. وبالتزامن مع هذا القرار، راجت أنباء عن عزم حزب الدعوة القيام بحملة " تطهير" سوف تشمل كل من كان عضو فرقة حزبية -وهي أصغر مركز حزبي- فما فوق، وهو ما يعني أننا قد نكون على موعد في الأيام القادمة مع حملات تصفية جسدية وملاحقات وتهجير قسري شاملة، سوف تشمل مئات آلاف الأسر والعائلات العراقية.

فكيف يمكن فهم مسألة "تضخيم خطر البعثيين" ودورهم الاستثنائي مع استمرار عمليات "تصفيتهم"؟ وما هو السرّ في "تعظيم" هذا الدور، بينما تجري التعمية والتغطية على أدوار قوى أخرى مشهود لها بمقاومة الاحتلال الأميركي؟ وأين يمكن لنا -نحن المراقبين للأحداث- أن نعثر على ما يشير إلى "قوة ضاربة للبعث" بحيث نصدق حكاية عودته الوشيكة إلى السلطة؟ وهل يوظف الأميركيون هذا الخطر "المضخّم" كأداة ضغط وترويع؟

ثالثا:
وما يلفت الانتباه في تناقضات هذا الجانب من "صناعة الخوف"، أن التلويح بالخطر يتلازم بشكل وثيق لا مع استمرار عمليات التصفية السياسية وحسب، بل مع تصاعد الصورة النمطية عن البعث بوصفه حليف "القاعدة"؟ وهذا اتهام سبق للأميركيين أن عملوا على ترويجه وتثبيت أسسّه في الخطاب السياسي العراقي الرسمي من خلال ربط أي تفجير أو عمل إرهابي بالقاعدة و"البعثيين الصداميين" معًا؟ فكيف يمكن فهم هذا التناقض؟

من المؤكد أن لمسارعة جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى التدخل في قضية "المجتثين"، وممارسته ضغوطًا علنية على حكومة المالكي للقبول بمبدأ "إشراكهم في العملية السياسية" أكبر الأثر في إشاعة "أسطورة" العودة. ومما يتعين الانتباه له أن الولايات المتحدة قد تكون بدأت سياسة استغلال البعثيين من خلال "صناعة الخوف" منهم، لأغراض تتصل بالضغط على المالكي وبالصراع مع إيران.

رابعا:
وفي ضوء كل ذلك، يبدو من المحتمل أن الأميركيين يمارسون سياسة مزدوجة حيال البعث، فهم من جهة يستخدمون "قوته المضخّمة" لترويع المالكي وإيران، ومن جهة أخرى يواصلون سياسة تصنيع صورة للبعثيين تجعلهم أقرب إلى جماعة متحالفة مع الإرهابيين، منهم إلى حزب سياسي.

وهذا يعني أن واشنطن لم تغير أو تبدل سياساتها ولا مواقفها من هذا الحزب. بيد أن سياسة "ترويع المالكي" ستبدو في مرآة هذا التناقض، كأنها الوجه الآخر لترويع البعثيين أنفسهم، بمواصلة سياسة الاجتثاث والعزل والطرد من الوظائف، وحتى تلطيخ سمعتهم.

خامسا:
"
لإيران "حلفاء" يمكن أن يزعجوا الأميركيين ويثيروا فزعهم, وللأميركيين أيضا حلفاء يمكن الزّج بهم في الميدان لترويع الإيرانيين وإزعاجهم, وفي هذا الإطار يمكن فقط فهم حكاية "خطر البعث" في حدوده الواقعية وغير المضخّمة
"
وهكذا، فسوف يبدو التناقض في الصورة المضخّمة وغير الواقعية، مدروسًا بعناية، ففي جانب منه، يمكن للأميركيين توظيف "التضخيم" لإثارة فزع إيران "وتخويفها" من "عدو قديم"، قد يسمح له بالتقدم خطوة أخرى نحو المسرح السياسي (في البرلمان مثلاً). وبذلك فهم يرسمون من خلال "التضخيم" خطوط وأشكال الصراع مع إيران في العراق خلال المرحلة المقبلة، وتحويله من مجابهة مباشرة إلى مواجهات يومية بأدوات أخرى، مثلاً بواسطة "قوى محلية" تتولى نيابة عن الطرفين مواصلة الصراع.

لإيران بكل تأكيد، "حلفاء" يمكن أن يزعجوا الأميركيين ويثيروا فزعهم. وللأميركيين بكل تأكيد أيضا حلفاء يمكن الزّج بهم في الميدان لترويع الإيرانيين وإزعاجهم. في هذا الإطار يمكن فقط فهم حكاية "خطر البعث" في حدوده الواقعية وغير المضخّمة.

إن اتهام الرئيس الإيراني لواشنطن، بالسعي من أجل تأمين عودة البعث إلى السلطة. ثم رده القاطع بأن طهران لن تسمح بذلك، يمكن أن يوضح طبيعة الصراع الأميركي الإيراني على العراق (وفيه) في المرحلة المقبلة. إنه الصراع الذي سوف تستخدم فيه كل "منتجات" صناعة الخوف.

سادسا:
وما يلفت الانتباه أيضا في موقف طهران من مسألة عودة البعث، أنه يأتي في سياق قيامها بنوع مضاد من "صناعة الخوف". لقد تلقت الرسالة وقدمت الجواب: إذا كنتم تثيرون الفزع في قلوبنا من هذا الخطر، فإن لدينا "خطرًا" مثيرًا للفزع. وهذا ما عبّر عنه نجاد بدقة، حين تحدث عن تحول بلاده إلى دولة نووية في نفس اللحظة التي كان يعلن فيها أنه لن يسمح بعودة البعث؟ هذا يعني أن إيران ومقابل ما تواجهه من "تضخيم" لقوة وخطر البعث، تقوم هي الأخرى "بتضخيم" قوتها النووية؟

إن اختيار نجاد مناسبة الثورة، للإعلان عن موقف طهران من تطورات الملف النووي، ورفضها عودة البعث في الآن ذاته، ليس دون معنى، فقد وضع "خطر" البعث بالنسبة لطهران، بمنزلة "خطر" الملف النووي بالنسبة للأميركيين, ولذلك، يمكن لنا أن نفهم السر في مسارعة واشنطن إلى تكذيب "مزاعم" نجاد عن تحول إيران إلى دولة نووية، وتشكيكها في حكاية التخصيب من أساسها.

بالنسبة لواشنطن يبدو إعلان إيران عن تحولها إلى قوة نووية، نوعًا من صناعة خوف و"ترويع" لا أكثر ولا أقل. لكن خطاب أحمدي نجاد يكشف مع ذلك، عن تحوّل في العقيدة الأمنية الإيرانية. وأهم وأخطر مؤشراته، أن إيران بدأت في اعتبار تدخلها ونفوذها في العراق مشروعًا، وأنها لن تتردد بعد الآن في التصريح به علنًا والدفاع عنه كما تدافع عن ملفها النووي.

"
انتقل الصراع الأميركي الإيراني إلى العلن وسيستمر لسنوات طويلة, وبهذا تكون إيران قد وضعت حدًّا لأي نقاش عن نفوذها في العراق خارج حقيقة أن الوضع في هذا البلد أصبح جزءا من "عقيدتها الأمنية" 
"
بعد اليوم، لن يعود هذا التدخل غامضًا أو ملتبسًا أو محرجًا لطهران. إنه الآن تدخل معلن ومكشوف وهو جزء من عقيدة أمنية جديدة. أي أن مسألة التدخل أو النفوذ السياسي لم تعد مجرد مسألة فرضتها أو تطلبتها مصالح بلد في بلد آخر، بل باتت تعبيرًا عن ضرورة أمنية قومية قصوى، تفرضها ظروف الصراع مع واشنطن. وبكلام أدّق، أصبح العراق فعليًّا بالنسبة لطهران، مرتبطًا بالأمن لا بالمصالح التقليدية وحدها، وملفه بات بأهمية وخطورة الملف النووي. ولذلك لن تتحرج إيران بعد اليوم من التدخل في كل صغيرة وكبيرة في العراق.

لقد انتقل الصراع الأميركي الإيراني دفعة واحدة إلى العلن وإلى الواجهة وفي قلب الميدان وسيستمر لسنوات طويلة. وبهذا المعنى فقط، تكون إيران قد وضعت حدًّا لأي نقاش عن نفوذها في العراق خارج حقيقة أن الوضع في هذا البلد أصبح جزءا من "عقيدتها الأمنية" ولم يعد مجرد "مسألة تدخل".

وبهذا المعنى لم تعد مسألة استبعاد أو "اجتثاث" المرشحين للانتخابات، مسألة عراقيةً حدثت بسبب مشكلات قانونية أو حماقات سياسية، بل صارت منذ الآن مسألة إيرانية وفي صميم متطلبات "الأمن القومي الإيراني". لقد تولى الرئيس الإيراني بنفسه رسم الإطار الإستراتيجي للتدخل. وتكتيكاته: تضخيم مقابل تضخيم، ترويع مقابل ترويع.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة