المقاومة الوطنية في العراق ولبنان.. مصاعب الانطلاق   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ علي نصار*

تطور تجربة "المقاومة الوطنية العراقية" منذ سقوط بغداد يوم التاسع من أبريل/ نيسان 2003 وحتى اليوم يشجع كثيرا على المقارنة بتطور تجربة "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية"، رغم اختلاف الظروف الاجتماعية والسياسية وعمق التغيرات العسكرية التقانية وسعة الفاصل الزمني بين كلتا التجربتين.

ومبررات المقارنة مع لبنان وفيرة ضمن الإطار العام للمشهد السياسي العراقي الراهن: قوات الغزو تتسلل من ثنايا الانقسام الوطني الذي تسبب به النظام الحاكم، "ينتصر" الغزاة لجزء من "الشعب" ضد مضطهديه على أرضه، التواطؤ العربي يشكل جزءا من مقومات الغزو، يتحول الغزو إلى احتلال، وتقوم سلطة "محلية" تحت حماية المحتلين.

إنجاز عملية "التحرير" الصهيونية الأميركية في لبنان والعراق أفضى إلى ذات النتيجتين الخطيرتين وهما تمزق الوحدة الوطنية وخسران الدولة الوطنية

وهكذا وجدنا أن إنجاز عملية "التحرير" الصهيونية الأميركية في هذين القطرين العربيين قد أفضى إلى ذات النتيجتين الخطيرتين وهما تمزق الوحدة الوطنية وخسران الدولة الوطنية.

لكن المقارنة بين تجربة المقاومة الوطنية في العراق ولبنان لا يمكن -بحكم المحاذير السياسية والعلمية المحيطة- إلا أن تكون جزئية، بحيث لا تتجاوز مرحلة الانطلاقة، وما حملت من مكونات اجتماعية وسياسية وعسكرية ونفسية عجلت بولادة ظاهرة المقاومة الوطنية.

فالحدث العراقي لم يستكمل كافة أبعاده في مواجهة الاحتلال الأميركي، كما أن الصراع مع الاحتلال الصهيوني في جنوب لبنان لا يزال متواصلا.

يتحول الاحتلال الأجنبي إلى أزمة وطنية عامة عقب سقوط العاصمة السياسية للدولة (بيروت/ بغداد). ورغم وجود احتلال جزئي للأراضي الوطنية (لبنان) أو وقوع الدولة تحت التقسيم السياسي والحصار الشامل (العراق)، فإن سقوط العاصمة في قبضة الغزاة يصبح رمز الفراغ الدولتي ومصدر شعور بالعار الوطني.

وهذا الفراغ الذي يمسي فراغا سياسيا بعد توقف "العمليات العسكرية الكبيرة" وانتشار القوات الغازية في العاصمة وبقية أرجاء الوطن، ينطوي على أبعاد رمزية عميقة التأثير في الشخصية الوطنية والقومية.

والحسم في المعارك التقليدية المتكافئة لا يتحقق إلا "بما تبقى من القوات"، ولذا يكون النصر صعبا ومكلفا. أما في لبنان والعراق فإن التفوق الفضائي الجوي والبري البحري المطلق للقوات المعتدية ووفرة الموارد التقنية والبشرية واللوجستية بحوزتها، قد جعل "حملة الغزو" يسيرة وقادرة على بلوغ "النصر الهين".

فالقوات النظامية أو شبه النظامية التي استبسلت في مواجهة جيوش الغزاة يتم "كنسها من الميدان النظامي" بسرعة نسبية، إما بسبب طبيعة قرارات القيادة السياسية، وهذه كانت حال مدينة بيروت التي صمدت طيلة صيف عام 1982، وإما بسبب طبيعة القيادة السياسية العسكرية التي لم تمكن بغداد من الصمود والدفاع في ربيع 2003.

"النصر الهين" الذي حققه العدو فوق أرض الوطن وفي عقر دار الشعب، زاد من حدة الشعور بالعار الوطني والقومي والديني. وخلال اللحظات الأولى من انتشار قوات الاحتلال تبدأ "إدارة عمليات الحرب النفسية" على نشر الإحباط واليأس.

في لبنان عمدت قوات الاحتلال الصهيوني وعملاؤها اللبنانيون إلى ارتكاب "مجازر صبرا وشاتيلا" بقيادة المجرم الصهيوني أرييل شارون. وكان الهدف واضحا، ألا وهو فرض الاستسلام والخنوع ومحو "أسطورة صمود بيروت".

"النصر الهين" الذي حققه العدو فوق أرض الوطن وفي عقر دار الشعب، زاد من حدة الشعور بالعار الوطني والقومي والديني

وفي العراق جرى تمويه الاحتلال الأميركي البريطاني بإتقان وبراعة، فقد تولت "جماعات المعارضة" العراقية التي وصلت خلف جيوش الغزاة "نبش أرشيف الموت والقتل" لأجهزة النظام المستسلمة، ثم أدارت لعبة "فزاعة المقابر الجماعية" لكي تستر "عورتها" الوطنية وتحجب عار الاحتلال الأجنبي عن بصيرة الشعب.

بسبب الفوارق الزمنية والتقنية تأخر دور الإعلام في لبنان عام 1982، سواء خلال "حملة الغزو" الصهيونية أو بعد خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية إلى الشتات، وحدوث "مجزرة صبرا وشاتيلا".

أما في العراق عام 2003 -بل طيلة عقد التسعينات من القرن الماضي- كان دور الإعلام في "حملة الغزو" الأميركي البريطاني "طليعيا ومقاتلا" بكل معنى الكلمة.

وأفضل مثل على هذا الدور هو كيفية عرض "أرشيف الموت والقتل" وإدارة "لعبة المقابر الجماعية" التي حفل بها سجل النظام العراقي السابق.

وحسب اعتقادي فإن دور الإعلام في هذا الشأن لم يكتسب أي صدقية، فقد كان جزءا من عدة العدوان الظالم المستمر على دولة ومجتمع العراق منذ عام 1991.

"فالشاشات التلفزيونية" ليست "محكمة عادلة" للنظر في جرائم القتل والاغتيالات الجماعية والفردية الرهيبة التي نفذتها أجهزة النظام العراقي السابق.

"الشاشات" حسبما دلت تجربة نظام الرئيس الروماني السابق نيكولاي تشاوشيسكو وخاصة "قصة" مجزرة مدينة تيميشوارا الشهيرة، يمكن أن تقدم "مساحة طيعة" للقوى الإمبريالية والصهيونية تمكنها من إغراق الجمهور العراقي والعربي بالكذب والزيف، وبكل مواد "الحرب النفسية" اللازمة لإحباط شعور العار الوطني والديني الذي يكتسح هذا الجمهور بسبب احتلال العراق.

وهذه المواد المضللة هدفها إخماد هذا الشعور السليم وتحويله إلى شعور مريض باليأس أمام سطوة القوات الأجنبية المحتلة، بدلا من أن يصير شعورا بضرورة مقاومة جيش الاحتلال الأجنبي.

أما جرائم النظام السابق -وهي أكثر من أن تحصى- فلابد أن تخضع لمحاكمة من جهة عراقية أو عربية أو إسلامية ذات صدقية، حتى لا تتحول إلى وقود في حرب أهلية أو فتنة مذهبية، بحسبان أن قيادة جيوش الاحتلال والقوى العراقية التي "جلبتها" إلى بلاد الرافدين لا تملك مثل هذه الصدقية.

"فلول المقاومة" الوطنية التي تبدأ بالتحرك فور "توقف العمليات الكبرى" هي "ردة الفعل الطبيعية على الاحتلال الأجنبي". وهذه "الفلول" تأتي استمرارا لحالة "الصمود في مواجهة الغزاة" (لبنان)، أو تعبيرا عن رفض الهزيمة والاستسلام (بغداد).

وبفضل نشاط هذه "الفلول" يتم تحديد سقف الموقف الوطني، ويعاد الاعتبار للضعيف/الوطني في مواجهة القوي/الأجنبي. ترتفع المعنويات الوطنية والعربية، ثم تبدأ مرحلة جديدة: كشف الطبيعة العدوانية واللصوصية والإجرامية لقوات الاحتلال.

إبان مرحلة انطلاق المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الأجنبي، تنبثق هذه "الفلول" من حالة الفراغ السياسي/العسكري التي تعم الوطن وتساهم في تكوينها التنظيمي والسياسي عوامل معقدة. "الفلول" المقاوِمة هي اسم على مسمى تنظيمي وسياسي، وهذا الاسم لا ينتقص من قدرها الوطني ولا من علو شأنها القومي، كما لا يقلل من قيمة دورها التاريخي. السمة الأبرز التي تسم انطلاق "الفلول" هي السرية واللامركزية ناهيك عن التجريبية.

في غضون أيام (لبنان) أو أسابيع قليلة (العراق) تغير الوضع تدريجيا في صالح المقاومة الوطنية، فقد أنجز جيش الاحتلال خطة "السيطرة الأولية" بسرعة مدهشة، ونشر قوات المشاة المدرعة، وأقام مراكز اتصال وتموين، وأنشأ نقاط إسناد، وبدأ بمخاطبة كافة الأطراف في الإقليم والعالم انطلاقا من "حقائق الوضع الميداني".. أجل.. انتصارات قواته، ولكن..؟

في لبنان كما في العراق تمسي الحاجات العسكرية والأمنية واللوجستية للقوات المحتلة عبئا ثقيلا ذا كلفة مالية وسياسية وعسكرية ومعنوية متصاعدة بفضل عمليات المقاومة الوطنية. ومع ازدياد عمليات المقاومة كما ونوعا وانتشارا، تقع قوات الاحتلال في "كيس بق" مؤرق يقوض هيبة المحتلين ويهتك سمعة جيوشهم.

إذن.. التفوق المطلق يضمر، وبدلا منه يحل التفوق النسبي. وسائل القوة تتقلص بين يدي قوات الاحتلال. لقد غرق المحتلون في معضلة السيطرة على الأماكن الحضرية (Urbain): المدن والقرى والأرياف.

جيوش الغزو والاحتلال التي أنجزت مهمة "كنس الميدان النظامي" بسرعة قياسية بفضل تقنيات "التدمير الذكي" و"النظيف" و"الدقيق"، تدخل في مرحلة جديدة. المهمة الرئيسية في هذه المرحلة: "كنس الميدان الحضري"، وهذه المهمة شاقة صعبة ولابد من أن تتواصل حتى لا يعود سقف أو ملجأ أو شجرة أو مجرور أو عبارة طريق يستر حركة "فلول" المقاومة الوطنية؟

إذن.. في مرحلة انطلاق المقاومة الوطنية أصبحت مهمة قوات الاحتلال تنظيف البيئة الحضرية من "العناصر المعادية" لها. خلال أداء هذه المهمة يتراجع دور العامل التقاني الذي يشكل عماد خيمة الاحتلال، ويتقدم دور العامل المعنوي الذي يشكل ركيزة سور المقاومة. هذه المهمة التي تضع قوات الاحتلال الظالم في مواجهة السوسيولوجيا الوطنية والطوبوغرافيا الوطنية: الطبيعية والاصطناعية. ترسم علامة استفهام كبرى عن مقدرة جيش الاحتلال الأميركي البريطاني في العراق ومن قبل جيش الاحتلال الصهيوني في لبنان، على أداء هذه المهمة.

هكذا نشأت "معضلة شارون" في لبنان، وهكذا تنشأ "معضلة رمسفيلد" في العراق؟!. فالقوة العسكرية -شأنها شأن كل قوة مادية أخرى- وإن كانت ذكية دقيقة، فإن لسلطانها حدودا مادية لابد أن تدركه في مرحلة معينة من مراحل الصراع بين قوى الشعب الوطنية وقوات جيش الاحتلال الأجنبي.

في مرحلة انطلاق المقاومة الوطنية، يسلك الاحتلال مسلك المكابرة والعناد. الذين ينفذون "هذه الهجمات المسلحة المشبوهة" هم: "فلول منظمة التحرير والمنظمات التخريبية اليسارية" في لبنان، وفلول "صدام حسين ونظام البعث والسنة" في العراق.

الدعاية جزء من آلة الاحتلال. تتولى الدعاية "معالجة" صورة المقاومة الوطنية، ترفض الاعتراف بوجود المقاومة وأحيانا تقلل من شأنها، تدأب على وصم عمليات المقاومة الوطنية "بالتخريب أو الإرهاب".

ومع تبخر أوهام "الانتصار الهين" نتيجة استمرار عمليات المقاومة الوطنية، تبدأ سلطات الاحتلال بفتح سجلات الخبرة الكولونيالية السوداء. الصهاينة في لبنان، والآن الأميركيون والبريطانيون يستحضرون ذات الأساليب البالية: "العصا والجزرة"، "فرق تسد"، "المؤامرة السرية". ضمن هذه الأساليب أيضا، يزداد الطلب على دور العملاء و"أنصار الاحتلال". اليمين المسعور في لبنان أوقد نيران الحرب الأهلية. اليمين المسعور في العراق مازال يتوسل الاحتلال أن يفك رسنه: تسليم الأمن للعراقيين؟

"الشارونية" مثل "الرمسفيلدية" نسقان فرعيان في المذهب العسكري الصهيوني والمذهب العسكري الأميركي، مفرطان في "تأليه" الأبعاد المادية

"الشارونية" مثل "الرمسفيلدية"، نسقان فرعيان في المذهب العسكري الصهيوني والمذهب العسكري الأميركي، مفرطان في "تأليه" الأبعاد المادية خصوصا دور التقانات المتقدمة في الحرب الحديثة. والنتيجة واحدة: الابتعاد عن "كلاوزفيتز" في تعريف وخوض الحرب الحديثة، مكلف للغاية.

عام 1982 أطلق شارون الجيش الصهيوني من أجل "تحرير" لبنان.. كان يريد حربا تقنية صرفة.. حربا من دون سياسة.. لم يتوقع بتاتا أن يصطدم مع "فلول" المقاومة الوطنية.

رمسفيلد من جهته كرر موقف شارون بعد ربع قرن: "تحرير" العراق عام 2003 بقوات أميركية محدودة مدججة بتقنية متطورة.. إشعال حرب من دون سياسة.. غير أن رمسفيلد لم يقدر أبدا أن يحترق جنوده في نار المقاومة الوطنية العراقية.

شارون ورمسفيلد وقعا في ذات المأزق!
إفراط "الشارونية" و"الرمسفيلدية" في إهمال "كلاوزفيتز" يتجلى في "تحقيرهما" الشعب العربي في لبنان ثم في العراق. استخدام القوة جزء من مفهوم الحرب، والحرب لا تكتمل إلا بكسب الأهداف السياسية والاقتصادية والجيوسياسية التي حتمت خوضها!

فما هي الأهداف التي انتزعها شارون من الشعب اللبناني؟ وما هي الأهداف التي سينتزعها رمسفيلد من الشعب العراقي؟

العسكرية الصهيونية عادت إلى كلاوزفيتز وهجرت معظم أنحاء لبنان بعدما أدركت أن للقوة المادية حدودا. والعسكرية الأميركية مازالت تخوض حرب "رمسفيلد" في العراق، لكن "نظرية رمسفيلد" عن "النصر الهين" صارت سرابا تافها رغم كون "الفلول" العراقية مازالت تعيش مصاعب الانطلاق.
___________
* كاتب لبناني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة