السياسة الأميركية تفشل في فلسطين   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: غراهام فولر

السياسة الأميركية بشأن فلسطين تتجه صوب الفشل، وهو ما تؤكده مؤشرات خطيرة جدا. فعلى الرغم من الإشارات المشجعة التي ظهرت قبل بضعة أشهر حول عزم واشنطن تنشيط جهودها بشأن القضية الفلسطينية وإقرارها بمركزية هذه القضية وأهميتها لنجاح أي جهود في الحرب على الإرهاب، فإن السياسة الأميركية انزلقت الآن بعيدا عن الواقع ولم تعد تقر بأهمية العمل السياسي هناك. ومن المؤكد أن جهود واشنطن في حل القضية الفلسطينية لن يكتب لها النجاح ما لم يحدث تغيير كبير يعيد الأمور إلى نصابها. إن إخفاق الولايات المتحدة مرتبط إلى حد ما بفشل إسرائيل في خلق واقع جديد في فلسطين.

"
يجب على الإدارة الأميركية أن تدرك أن الاحتلال الإسرائيلي هو المشكلة الأصلية وأن الإرهاب هو نتاج الاحتلال. لكن ما يبدو هو أن صناع السياسة الأميركية اقتنعوا بالرأي الإسرائيلي، أو أنهم ببساطة لا يريدون مواجهة شارون
"
إن أول وأكبر خطأ ارتكبته واشنطن هو إعطاؤها الأولوية لمسألة الإرهاب في فلسطين، وأقصد بالإرهاب الاستهداف المتعمد لمدنيين أبرياء من النساء والأطفال. إنني أرفض اللجوء إلى الإرهاب على أساس أخلاقي وعقدي. إن انتشار الإرهاب المعمم مشكلة هامة يشترك فيها غالبية الناس في العالم وهو ما يجب على العالم العمل من أجل تخفيفه، لكن الإرهاب ليس هو جذر المشكلة في فلسطين، بل الاحتلال الإسرائيلي. إن شارون وحزبه الليكود لم يتخلوا عن فكرتهم في إبقاء سيطرتهم على الضفة الغربية كما أنهم لا يريدون إنهاء الاحتلال. إنهم يريدون إنهاء المقاومة التي تتخذ شكل الإرهاب. وينبغي على واشنطن إدراك أن الاحتلال هو المشكلة الأصلية وأن الإرهاب هو نتاج الاحتلال. لكن ما يبدو هو أن صناع السياسة الأميركية اقتنعوا بالرأي الإسرائيلي، أو أنهم ببساطة لا يريدون مواجهة شارون بشأن مسألة الإرهاب. ولا يكل اللوبي الإسرائيلي في واشنطن عن التركيز على مسألة الإرهاب بينما لا يأتي أحد منهم على ذكر الاحتلال باعتباره سبب المشكلة. والحقيقة أنني لا أذكر أن وسائل الإعلام الأميركية وخلال السنوات العشر الماضية اعتبرت أن الاحتلال هو سبب الأزمة الرئيسي، فالإرهاب هو المسألة الرئيسية التي تستولي على عقول الجميع.

لقد تسببت حرب بوش على الإرهاب في إيقاعه في الفخ. فعندما يقسم بوش على القضاء على الإرهاب عالميا فإنه لا يستطيع استبعاد مطالب حليف مهم أو التقليل منها عندما يطالبه هذا الحليف بالقضاء على الإرهاب في إسرائيل. ولذلك فحتى لو كانت واشنطن تدرك تماما أن الاحتلال الإسرائيلي هو أصل المشكلة فإنها لا تستطيع وضع الإرهاب في إسرائيل في المرتبة الثانية، ولأن معظم الإرهاب تقوم به جماعات إسلامية -حماس والجهاد الإسلامي- فإن بوش يدرك أن عليه وضع حد له، حتى لو لم تكن لتلك الجماعات أي علاقات مع تنظيم القاعدة.

"
الجيل الشاب من الفلسطينيين غير مسكون بأوهام عملية السلام التي لم تثبت نجاحها على مدى الأعوام العشرين الماضية، بل هو عازم على التمسك بالكفاح المسلح لإرغام إسرائيل على الانسحاب

"
إلا أنه خلافا لموضوع الإرهاب، تتجاهل كل من إسرائيل وواشنطن الدور المهم والمتنامي للنشطاء الفلسطينيين من جيل الشباب الذين يتحدون الجيل الذي تنتمي إليه قيادة عرفات القادمة من تونس. إن هذا الجيل متحرر تماما من وهم عملية السلام التي تجري بدون فائدة منذ عشرين عاما وهو مصمم على التمسك بالكفاح المسلح لإجبار إسرائيل على الانسحاب. وعرفات لا يستطيع التخلي عن الكفاح المسلح ما لم يقدم لشعبه مكافأة بديلة له وهي إنهاء الاحتلال تماما، ودولة فلسطينية تكون عاصمتها القدس الشرقية وإغلاق المستوطنات، وأراض فلسطينية غير مقسمة ومتصلة بعضها مع بعض في الضفة الغربية والحق في دولة ذات سيادة. (لا أعتقد أنه من الواقعية الإصرار على عودة الفلسطينيين الفعلية إلى إسرائيل، إلا أنه يجب على إسرائيل الاعتراف بمسؤوليتها عن غالبية مشكلة اللاجئين وأن تقدم لهؤلاء اللاجئين تعويضات مالية حقيقية). لكن شارون لن يعطي عرفات ما يريده مقابل إنهاء الكفاح المسلح، ولذلك فإن الجيل الشاب من القيادة الفلسطينية سيواصل الكفاح المسلح. ولن يكون لمهمة الجنرال زيني من أجل "تهدئة الأوضاع" أي تأثير دائم لأن تهدئة الوضع الآن تخدم شارون وتحرم الفلسطينيين من ورقة الضغط الوحيدة التي يملكونها وهي الحرب الفدائية.

والأكثر أهمية ما هو نوع القيادة الفلسطينية التي تريدها واشنطن وتل أبيب؟ هل يفضلون عرفات الذي تقدم به العمر المسؤول عن نظام فاسد الذي لا يستطيع السيطرة على الجيل الشاب ولا على حماس؟ إن الضغوط الحالية على عرفات (عدم وجود تنازلات من جانب إسرائيل، ورفض كل من بوش وشارون الالتقاء بعرفات أو التعامل معه بجدية) ستؤدي لا محالة إلى تدميره في نهاية المطاف. ولكن هل سيكون شارون أو بوش أكثر سعادة بوجود جيل جديد من القادة الفلسطينيين الأكثر قسوة؟ ومن وجهة النظر الإسرائيلية فإن هذا لن يكون أمرا مرغوبا فيه. ولو كنت إسرائيليا لفضلت الحرس الفلسطيني القديم الأكثر حرصا وحذرا على القادة الشباب الأكثر جرأة، إلا إذا كانت إسرائيل تعتقد أن الجيل الشاب أفضل لها. هل يريد شارون أن يسوء الوضع أكثر ويصبح أكثر عنفا وأكثر مواجهة؟ ربما يريد شارون هذا لكي يبرر استمرار الاحتلال الإسرائيلي، لكن ذلك لن يكون في مصلحة إسرائيل على المدى البعيد. وبالنسبة لواشنطن يجب أن يكون خيارها أكثر وضوحا فالتطورات الحالية لا تخدم المصالح الأميركية بالتأكيد. ومع ذلك فإن القيادة الأميركية غالبا ما تكون قصيرة النظر بشأن المصالح الأميركية الحقيقية عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. ولكن على واشنطن اتباع سياسة مستقلة ومبنية على أسس إستراتيجية تتعلق بالمسألة العربية-الإسرائيلية وهو ما يعرفه كل القراء الذين يطالعون هذا المقال.

وإذا استمر الكفاح المسلح فإن القوى الإسلامية وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي ستكون هي الرابح الأول بين الفصائل الفلسطينية، فهل هذا ما تريده تل أبيب أو واشنطن؟ ورغم أن كل الفلسطينيين يبدون إعجابهم واحترامهم لحماس والجهاد الإسلامي بسبب شجاعتهم وتضحياتهم وتعزيزهم للهوية والقضية الفلسطينية، فإن استطلاعات الرأي السياسية بين الفلسطينيين تظهر أن غالبية الشارع الفلسطيني تحب الإسلاميين بسبب قدراتهم القتالية وليس بسبب برامجهم وتصوراتهم لطبيعة المجتمع الفلسطيني المستقبلي.

"
واشنطن لا تستطيع إضعاف حماس دون أن تقدم لعرفات أهم ما يريده وهو دولة فلسطينية ذات سيادة.. هذه الحقيقة لا يجري بحثها في واشنطن علنا.. فالإسرائيليون أكثر انفتاحا في انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية من الصحافة الأميركية

"
إلا أنه بسبب أهمية الإسلاميين في أي مواجهة عسكرية مع القوات الإسرائيلية، سواء كانت عمليات إرهابية أو أعمالا فدائية (تقتصر على أهداف عسكرية وأمنية إسرائيلية) فإن واشنطن لن تستطيع إضعاف حماس دون أن تعطي عرفات والفلسطينيين أكثر ما يريدونه وهو دولة قادرة وذات سيادة. وحسب تحليلي الشخصي فإن واشنطن لن تتمكن من تحقيق هذا الهدف ما دام الليكود يحكم إسرائيل. كما أنني لم أعد واثقا إن كان حزب العمل يستطيع تحقيق هذه الأهداف الفلسطينية إذا ما استلم الحكم من جديد (على الرغم من أن باراك كان أقرب رؤساء الحكومات الإسرائيلية على تحقيقها). إن هذه الحقائق لا يجري بحثها أبدا في واشنطن أو في العلن على الأقل. والطريف أن الإسرائيليين أكثر انفتاحا من الصحافة الأميركية في انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية، ودليل على ذلك المقابلة الأخيرة التي أجرتها صحيفة اللوموند الفرنسية مع عامي أيالون الرئيس السابق لجهاز الشين بيت الإسرائيلي والتي انتقد فيها بشدة "الغباء الإستراتيجي" للسياسة الإسرائيلية الحالية. آمل أن يكون صوته مسموعا في واشنطن على الرغم من أن اللوبي الإسرائيلي سيسعى إلى إخماده.

وأخيرا كما أوضحت في مقالات سابقة لا أعتقد أن باستطاعة واشنطن اتخاذ أي عمل عسكري كبير ضد نظام صدام حسين ما لم يتم إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. فعلى الرغم من أن الهجمات "الإرهابية الدموية والإجرامية" ضد المدنيين الإسرائيليين في ديسمبر/ كانون الأول الماضي حطمت القضية الفلسطينية في أعين العالم كله وساعدت في إضعاف موقف عرفات على الساحة الدولية، فإن المشكلة الفلسطينية تظل موجودة. كما أن توجيه المزيد من الانتقادات لعرفات لن يحل شيئا لأن الحل الحقيقي ليس بيده. وحتى قضية السفينة "كارين إيه" المحملة بالأسلحة لا تغير من طبيعة حل المشكلة مهما كانت القصة الحقيقية التي تقف وراء تلك السفينة. وباستطاعة واشنطن وشارون أن يقولوا ما يشاءون بخصوص "كارين إيه" لكنها تظل في الحقيقة دعاية تسعد شارون. ولو كان عرفات متورطا بتهريب هذه الأسلحة فإن ذلك سيكون خطأ كبيرا من جانبه من ناحية التأثير على الرأي العام العالمي. لكن جذر المشكلة الفلسطينية وهو الاحتلال الإسرائيلي، يظل كما هو، وحتى لو وقعت عشر حوادث من نوع "كارين إيه" فإن ذلك لن يغير من تلك الحقيقة. وسيدرك بقية العالم في الحال أن واشنطن تسير مرة أخرى في الطريق الخاطئ من ناحية مصالح أميركا الخاصة والمصالح الفلسطينية وربما من ناحية المصالح الإسرائيلية على المدى البعيد.

للمشاركة بالرأي والتعليق

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة