من الفرات إلى النيل   
الأحد 4/5/1431 هـ - الموافق 18/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 11:13 (مكة المكرمة)، 8:13 (غرينتش)


الحال العربي واحد, قديمه الذي تفاقم وجديده الذي تطالب به الشعوب دون أن تدري غالبيتها أن مطالبها, الغارقة في تفاصيل معيشتها, هي في الحقيقة "مفاصل" تاريخية سيؤشر عليها المؤرخون باعتبارها إرهاصات عهد جديد.

في مصر, مرة أخرى, يتصدر المشهد اليومي حدثان: صدور حكم المحكمة الإدارية الملزم للحكومة بوضع حد أدنى للرواتب والأجور يتناسب مع غلاء المعيشة باعتباره "حقا دستوريا".. وخطاب البرادعي في حشد من مؤيديه الذي قال فيه إن تلبية مطالب المصريين المعيشية يلزمه إصلاح سياسي يبدأ بإصلاح الدستور.. وفي العراق أزمة حكم أججها استصدار ائتلاف دولة القانون لتفسير من المحكمة الاتحادية يبقي تشكيل الحكومة حكرا على المالكي وكتلته, فازت بأغلبية مقاعد النواب أم لم تفز.

تفسير عجيب لا يفهم إلا في سياق هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية. وشيوع تلك الهيمنة عربيا, هو ما يجعل حكم المحكمة الإدارية الأخير في مصر مؤشرا على عودة الروح لاستقلال القضاء, كما لإعادة الاعتبار للدساتير التي أسيء لها مطولا.

"
شهدت الساحة الأردنية حراكا نوعيا غير مسبوق, تمثل في إضراب معلمي المدارس الحكومية لأول مرة في تاريخ المملكة, مطالبين بنقابة تدافع عن حقوقهم المعيشية وكرامتهم التي انتهكت بأكثر من صورة وعلى يد أكثر من جهة
"
وما بين العراق ومصر, شهدت الساحة الأردنية حراكا نوعيا غير مسبوق, تمثل في إضراب معلمي المدارس الحكومية لأول مرة في تاريخ المملكة, مطالبين بنقابة تدافع عن حقوقهم المعيشية وكرامتهم التي انتهكت بأكثر من صورة وعلى يد أكثر من جهة, كانت شعرة معاوية فيها تعليق وزير التربية على مظهرهم المتأتي من بؤس حالهم بشكل رئيس.. ولكن مطلبهم ووجه بتفسير للدستور يقول إنه غير دستوري.

التفسير أبرزته بعض الصحافة الإلكترونية مروسا بصور ثلاثة ممن أصدروه, وهم ثلاثة رؤساء وزارات كانوا من أبرز رجالات الحكم في العهد العرفي. اثنان منهم تداولا رئاسة الحكومة بما يشبه تداول حزبين كبيرين في الدول الديمقراطية, بحيث أطلق الشعب على رجالهما تسمية "حزب زيد, وحزب مضر". ومضر بدران تولى أيضا رئاسة المخابرات العامة, فيما تولى ثالثهم, أقصرهم عمرا في رئاسة الحكومة, رئاسة الديوان الملكي مطولا.

ولافت أن رابعا من الذين أصدروا التفسير, وهو رئيس محكمة التمييز حينها, كان قد عمل وزيرا للداخلية في الفترة العرفية. وأربعتهم تعاقبوا على عضوية مجلس الأعيان, واثنان ترأسا الأعيان مطولا. ومجلس الأعيان هو الشق المعيّن من السلطة التشريعية مقابل الشق النيابي المنتخب. ولهذا يسميه الأردنيون "مجلس الملك" مقابل "مجلس الشعب".

والتفسير صدر عن "المجلس العالي" المشكل من تسعة أعضاء, أربعة من الأعيان وخمسة من أكبر قضاة محكمة التمييز, وتصدر قراراته بأغلبية ستة أعضاء.

وقبل أن نخوض في سند التفسير, نذكر بأن دستورنا أخذ عن الدستور البريطاني العرفي, والذي نسخته المكتوبة موجودة في الدستور البلجيكي تحديدا, وفي الدساتير الأوروبية التي اعتمدت النظام البرلماني. وهنا ننوه إلى أن كل هذه الدول الأوروبية توجد فيها نقابات للمعلمين, كما لأصحاب المهن الأخرى. ولكننا سنتوقف عند الحالة البريطانية الأصل, تحديدا.

النقابات في بريطانيا, كما في أوروبا كلها, بدأت عمالية فقط لكون العصر الصناعي هو ما أوجد طبقة مستخدَمين مقابل طبقة مستخدِمين. فقبل العصر الصناعي كان العصر الزراعي المعتمد إما على العبودية المباشرة, كما في الأميركيتين, أو على منظومة الإقطاع التي سادت أوروبا لقرون طويلة, أو بمزيج منهما.

وفي بريطانيا كانت بدايات الديمقراطية باقتسام السلطات بين الملك والنبلاء (الإقطاعيين) في وثيقة "الماغناكارتا" الشهيرة. ولم تمتد فكرة, ثم تطبيقات "الحقوق" مقابل الواجبات لعامة الشعب إلا بعد العصر الصناعي الذي أحدث انقلابا في العلاقة الاقتصادية-السياسية في العالم كله.

ومنذ البداية, وكما في كل قضايا "الحقوق" كان الاقتصادي متراكبا مع السياسي بحيث يستحيل فصلهما. وهذا تحديدا ما قاله البرادعي للمصريين في لقائه الأخير.. وبالنسبة لموضوع مقالتنا هما أكثر تداخلا، لأن الحكومات الأردنية, التي غلب عليها شخوص بعينهم ما زالوا هم الممسكين بكل مرافق السلطة التنفيذية ومقدرات الدولة رغم زعم الديمقراطية, هي التي مزجت المهني والمعيشي بالسياسي بأكثر مما يسمح أي معيار, وتحديدا المعيار الدستوري.

فبالعودة لبريطانيا التي أخذنا دستورنا عن دستورها, لم يستغرق الأمر طويلا لتصبح النقابات العمالية والمهنية جزءا من الدولة. وتعريف النقابة المهنية لديهم يعني تحديدا تنظيم العلاقة وحقوق المهنيين لدى مستخدِميهم. ونقابات المعلمين بأنواعها موجودة منذ القرن التاسع عشر, وهي عضو في اتحادات النقابات المهنية. ولم يشهد تاريخ بريطانيا حكومة يمينية متسلطة ومعادية للنقابات أكثر من حكومة مارغريت تاتشر. ومع ذلك لم تقل السيدة تاتشر إن النقابات المهنية أو تلك التي تضم موظفي الدولة غير دستورية.

وكل ما استطاعت تاتشر فعله هو توظيف أغلبية تشريعية "منتخبة" لإقرار قانون جديد للنقابات وليس إلغاءها. وهو ما أفلح في خفض نسبة المنتسبين, طوعا, إلى تلك النقابات كثيرا عن نسبة الـ80% من مجموع القوى العاملة في بريطانيا, النسبة التي كانت بلغتها قبل عهد تاتشر. ولكن المهم هنا أنه, ورغم مساوئ الخصخصة التي قامت بها تاتشر, لم تزد نسبة المنتسبين للنقابات من العاملين في القطاع الخاص عن 12% من النقابيين, بينما شكل العاملون لدى الحكومة الـ88% الباقية.

ومع أن تطبيق الدستور الأصل في الدولة المنتجة له يكفي ليدحض القول بعدم دستورية النقابات المهنية, أو عدم دستورية انتظام العاملين لدى الحكومة الأردنية في نقابات, فإن التوقف بتفصيل أكثر عند الحالة الأردنية يفيد في تأكيد وجهة نظرنا هذه. ونبدأ بما أوردته الحكومة لرفض إقامة نقابة للمعلمين, وهو المادة 120 من الدستور التي تتحدث عن كون "التقسيمات الإدارية في المملكة وتشكيلات دوائر الحكومة ودرجاتها وأسمائها ومنهاج إدارتها وكيفية تعيين الموظفين وعزلهم والإشراف عليهم وحدود صلاحياتهم واختصاصاتهم تعين بأنظمة يصدرها مجلس الوزراء بموافقة الملك".. على هذا يبني المفسرون استنتاجهم أن إصدار المجلس التشريعي قانونا لنقابة المعلمين يشمل كل العاملين في المهنة غير دستوري ويمس السلطة التنفيذية ومبدأ الفصل بين السلطات.

"
وضع الحكومة الأردنية الحالية غير دستوري منذ الرابع والعشرين من الشهر المنصرم, وكون كل القوانين المؤقتة التي أصدرتها لحينه والتي تنوي إصدارها, وكل ما تنفقه أو تتصرف به من المال العام غير دستوري
"
وهذا خلط بين شأن إداري تنفيذي بحت وشأن حقوقي دستوري راسخ في الدساتير التي أخذنا عنها دستورنا، فالذي يرسي حق العمل وحق الأجر العادل والتنظيم النقابي في دستورنا المادة 23 من الدستور, وتأتي ضمن الفصل المعنون "حقوق الأردنيين وواجباتهم". وغني عن القول أن مادة إدارية (المادة 120) تعنى بتنظيم عمل "سلطة تنفيذية" ضمن الفصل الأخير المعنون "مواد عامة" بحث يشمل ما تبقى من أمور نثرية, لا يمكن لها أن تعدل أو تصادر حقوقا منصوصا عليها في فصل سابق هو الثاني بترقيمه بعد "الدولة ونظام الحكم فيها", ولكنه الأول في حديثه عن الحقوق.

وهذا الخلط الدستوري ينبع من عقلية عرفية سنأتي لبيان جذورها, وحتى تناقضات فتاواها وممارساتها. ولكننا نذكّر الحريصين على الدستورية وعلى فصل السلطات بما أوردناه في مقالتنا السابقة من كون وضع الحكومة الحالية غير دستوري منذ الرابع والعشرين من الشهر المنصرم, وكون كل القوانين المؤقتة التي أصدرتها لحينه والتي تنوي إصدارها, وتحديدا قانون الضريبة الذي لم يأخذ بالمبدأ التصاعدي الملزم في دستورنا, وكل ما تنفقه أو تتصرف به من المال العام غير دستوري.. وأن مجرد اجتماع مجلس الأعيان -هؤلاء الذين يتصدون لتفسير الدستور- غير دستوري بصريح حكم المادة 66, بل إن اجتماعهم يتعمد التضليل بالإيحاء بوجود سلطة تشريعية رغم مصادرة الحياة النيابية بشكل غير دستوري.

وهو ما بينا في مقالتنا السابقة إجماع فقهاء دستور أردنيين وعرب عليه, ومرافعات ومؤلفات عدة بشأنه, مما تتحاشى الحكومات الخوض في أي حوار بشأنه أو الرد عليه. وتكتفي بالتغطي بأحكام وتفاسير وقرارات تستصدرها من كل السلطات.. وشعارها: يوسعوننا شتما, ونفوز بالإبل.

يضاف لهذا أن مستخدمي الحكومة غير المصنفين "موظفين", مشمولون تاريخيا بقانون العمل والعمال الذي تضعه السلطة التشريعية, وجزء كبير من هؤلاء من كبار المهنيين وينتسبون لنقابات عمالية ومهنية. ناهيك عن كون عدة قوانين متعلقة بالعمل وحقوقه تحكم الموظفين العموميين وأفراد القوات المسلحة ويُحتكم إليها لدى السلطة القضائية في نزاعهم مع الحكومة, منها قانونا التقاعد المدني والعسكري. وأيضا من يشملهم نظام الخدمة المدنية من مختلف المهنيين -باستثناء المعلمين- لهم نقابات نظمت بقانون.

بل إنه منذ بداية تشكل النقابات المهنية كان جزء كبير من أعضائها موظفين لدى الحكومة, ما تشكل قبل وضع الدستور الحالي وما تشكل بعده, وأيضا ما تشكل قبل وبعد قيام الأحكام العرفية.

فما قامت به الحكومات متذرعة بالأحكام العرفية كان تعسفيا واعتباطيا. فقد حلت كل الأحزاب السياسية, ولكنها أبقت تنظيم الإخوان المسلمين. وزعم أن الإخوان ليسوا حزبا بالمعنى التقني يستلزم, قوله وتصديقه على السواء, درجة كبيرة من السذاجة. وكذلك كان اختيار النقابات التي حُلت. فنقابة المعلمين التي كانت شكلت قبل أشهر في ظل أول وآخر حكومة منتخبة في الأردن, حلت بذريعة أن منتسبيها موظفون حكوميون في الأغلب, في حين لم تحل نقابة الأطباء التي كان قسم كبير من منتسبيها عاملين لدى الحكومة.

بل إن الأطباء العاملين في مستشفيات الجيش الذين كانوا ممنوعين من الانتساب للنقابة سمح لهم بالانتساب منذ أواسط التسعينيات, ودون لزوم تعديل دستوري. وبعد إعلان الأحكام العرفية بأقل من عام سمحت الحكومة بقيام نقابة لأصحاب المهن الهندسية (تحولت فيما بعد لنقابة المهندسين) الذين كان ومازال أغلبهم موظفين لدى الحكومة.

والسبب في حل نقابة المعلمين عند إعلان الأحكام العرفية عام 1957 هو أن منتسبيها, وأيضا جموع من الطلاب الذين شكلوا أول نخبة متعلمة في الأردن, كانوا من الخط القومي اليساري بتلاوينه. أي أن الحكومة استهدفت معارضيها في فكرهم التنويري النهضوي الحديث, وبإجراء سياسي عرفي, وليس بإجراء دستوري.

وقد تحالف الإخوان مع الحكومة حينها ونزلوا للشارع ليدلوا أفراد الجيش والأمن على النشطاء من الطلبة وعلى الأساتذة ليجري اعتقالهم. وبعد هذا أولت الحكومات المتعاقبة للإسلاميين وزارات وإدارات التربية والتعليم, ويسرت لهم فتح سلاسل مدارس خاصة أيضا. بل وسمحت لهم, وساعدتهم لوجستيا, على إقامة معسكرات تدريب للشباب في أحراج عجلون كانت كل الشعارات والأناشيد التي ترفع فيها سياسية حول قيام حكم الإسلام ودحر الباطل.. إضافة لسيطرتهم على وزارة الأوقاف مما يعني المساجد والوعاظ.

وأول رفض لإعطاء الإخوان وزارتي التربية والأوقاف كان من قبل مضر بدران في الحكومة التي شكلها بعد انتخابات عام 1989, وهم رفضوا دخول الحكومة بغيرهما. وفي المقابل استمر منذ إعلان الأحكام العرفية عام 1957, الحظر بل والقمع وحتى التنكيل بالقوميين واليساريين, خاصة الشيوعيين الذي أصدر بشأنهم قانون منع الشيوعية الذي ظل ساريا حتى ما بعد عودة الحياة النيابية نتيجة انتفاضة نيسان عام 1989.

"
الآن, وبزعم اللادستورية, يجري حشد مضاد يحاول استقطاب بعض التقدميين من ليبراليين وقوميين ويساريين لكسب تأييدهم لمنع التنظيم النقابي للمعلمين بحجة منع الإسلاميين من السيطرة على قطاع التعليم
"
والآن, وبزعم اللادستورية التي بيّنا بعض حقائقها, يجري حشد مضاد يحاول استقطاب بعض التقدميين من ليبراليين وقوميين ويساريين لكسب تأييدهم لمنع التنظيم النقابي للمعلمين بحجة منع الإسلاميين من السيطرة على قطاع التعليم. والغاية ليست تطوير التعليم العام الذي انحدر مستواه بتزايد تسرب المعلمين المؤهلين. ولكن إضافة لإهمال كل وظائف الدولة, بما فيها التعليم, هنالك بعد سياسي لطريقة تعامل الحكومة وتوظيفها للمطالب القطاعية والمعيشية. فإذا لاحظنا وجود حشد آخر جار لتأييد بقاء قانون الانتخاب على تخلفه المتمثل بخاصة في الصوت الواحد وتفتيت الدوائر وغياب القوائم النسبية, نجد أن هذه القسمة الأيديولوجية للشعب تتقاطع مع قسمة أخرى إقليمية ثم مناطقية ثم عشائرية.

وما إن أسقطنا مشروع "الأقاليم" حتى أعيد متخفيا في زي سابقه, "اللامركزية", ليحمل تقسيما وتفتيتا أخطر لاثنتي عشرة هوية صغرى بعدد المحافظات, ومصالح أضيق توضع بعضها في مواجهة بعض في تنافس وتناحر على إمكانات لم تعد متوفرة، لأن القلة التي تشكل نادي الحكم المغلق, منذ عهد العرفية, لم تبق حصة لأحد.. وهذا كله مترابط, بدليل أن ما يقدم للمعلمين هو "اثنتا عشرة رابطة" -العائلات والأسر لها روابط في الأردن- تقطع أوصالهم وتضيع حقوقهم بين القبائل. ولهذا تركت الحكومة المعلمين (وشكرتهم بعض الصحافة على هذه الأريحية) حين احتجوا في المحافظات (في حين أعلنت عمان خطا أحمر) علّ طلبتها يكتوون بالإضراب فيعودون "لضرب المعلمين" الدارج.. ثم يحل الموضوع عشائريا وليس دستوريا أو قانونيا.

وفي التسوية النهائية يستقيل المعلم الذي جلد أمام طابور الصباح في مدرسة في العقبة, ويعود لمحافظته إربد في أقصى الشمال مفعما بكراهية لذلك الجنوب.. تلك بواكير القسمة تكرس دويلات المحافظات بمتاريس في النفس قبل الأرض, وتغدو الحكومة أكثر مركزية بتركيز دورها في استثمارات أعضائها, ولكن الدولة حتما تغدو أضعف.

ولكن المؤمل بخير, أن من رحبوا بعروض الاصطفاف طمعا في مكاسب القسمة قلة, في حين بقيت الأغلبية المؤثرة في الشارع تنظر للأمر على أنه قضية حقوق للمواطنين في دولتهم لا تقبل القسمة أو التفريط.. وأن محيطنا العربي, خاصة في هذه الأيام "من الفرات إلى النيل", تحتشد قواه الشعبية وراء كل ما هو موحد في وجه كل أشكال القسمة والإقصاء والتهميش.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة