في نقد الموقف اليساري من القضية الفلسطينية   
الخميس 1434/3/6 هـ - الموافق 17/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 8:19 (مكة المكرمة)، 5:19 (غرينتش)

على الرغم من التضحيات الكبيرة التي قدّمها اليسار العربي في القضايا الوطنية والقومية، فإن نقداً شديداً ظل يوجّه إلى مواقفه إزاء المسألة الفلسطينية بشكل خاص. والأمر يعود -في جزء غير قليل منه- إلى قراءة خاطئة بشكل خاص للماركسية، وعدم قدرة القيادات الشيوعية واليسارية العربية على استنباط مواقف وحلول في ضوئها، وفي قسم آخر إلى عدم القدرة على التفكير والقرار خارج الدائرة "الأممية"، أو خارج إطار التعليمات من المركز الأممي الذي له مصالح خاصة، ولاسيما تلك التي كانت تهمّ الدولة السوفياتية، والتي تتقدّم على غيرها، بل إن مصالح الغير يمكن أن تخضع لها.

وتلك المواقف جعلت التيارات اليسارية والشيوعية في تعارض مع التيّار السائد في الشارع العربي، ولا سيما بُعيد صدور قرار التقسيم وتأييد الاتحاد السوفياتي له، وفيما بعد عند اندلاع الحرب العربية/الإسرائيلية، بعد قيام "إسرائيل" في 15 مايو/أيار 1948، واعتراف الاتحاد السوفياتي بها.

المواقف الأممية جعلت التيارات اليسارية والشيوعية في تعارض مع التيّار السائد في الشارع العربي، ولا سيما بُعيد صدور قرار التقسيم وتأييد الاتحاد السوفياتي له، وبعد قيام "إسرائيل" واعتراف الاتحاد السوفياتي بها

وقد بررت قيادات الحركة الشيوعية العربية هذه الخطوة باقتفاء أثر الموقف السوفياتي على نحو أعمى، بل ذهبت أبعد من ذلك بمحاولة تبييض صفحة "إسرائيل" قياساً بأنظمة عربية رجعية كانت قائمة آنذاك، بزعم وجود حريات وحزب شيوعي علني ووجود نقابات فيها، وهو ما تفتقر إليه البلدان العربية، وبلا أدنى شك فإن مثل هذا التقييم إنما ينطلق من نظرة سطحية لا علاقة لها بالماركسية، سوى محاولة التساوق والتكيّف مع مصالح الدولة السوفياتية، التي انقلبت على موقفها الماركسي عام 1947.

وبسبب هذه المواقف، ناهيكم عن ضعف الاهتمام وقلّة الانشغال أو تخصيص ما تستحقه من جهد تنظيري وعملي باستثناءات محدودة (الشيوعيون السودانيون واللبنانيون في أواخر الستينيات والسبعينيات)، ظلّ الموقف الماركسي بشكل عام والشيوعي العربي بشكل خاص راكداً باتجاه شعارات عامة، حتى إن مبدأ حق تقرير المصير الذي كان أحد نتاجات ثورة أكتوبر الاشتراكية، ودخل ميثاق الأمم المتحدة كمبدأ آمر وملزم، ظل عائماً بخصوص حقوق الشعب العربي الفلسطيني، إلى أن أقرّته الحركة الشيوعية العالمية بصعوبة كبيرة في مؤتمرها المنعقد في موسكو عام 1969، ولم يكن ذلك بمعزل عن جهد ودور لعدد من الماركسيين العرب في مقدمتهم عامر عبد الله.

إن تلمّس الثغرات الكبيرة الفكرية والعملية: النظرية والسياسية في موقف الماركسية السائدة جعل مهمة الحركة الشيوعية والماركسية صعبة، إضافة إلى الموقف الطفولي من الدين، ومكمن هذه الصعوبة هو مخالفتها المزاج العام والشعور الفطري في كلتا المسألتين، ولكن مع كل تلك النواقص والثغرات، لا يمكن إغفال دور الحركة الماركسية والشيوعية أو التنكّر له على المستوييْن الوطني والعربي.

ولعلّ العودة لبحث مواقف الحركة الماركسية والشيوعية إزاء المسألة الفلسطينية -ولا سيما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية- لا يستهدف نكء الجراح أو إثارة الخصومات القديمة، أو تبييض مواقف أعداء الماركسية من القوى القومية التقليدية، التي لم تحقق شيئاً يذكر للقضية الفلسطينية، على الرغم من الصوت العالي والصراخ أحياناً، فقايضت الديمقراطية والتنمية وتكميم الأفواه بحجة التحرير ومقاومة العدو الذي يدّق على الأبواب، وبعد ستة عقود ونيّف لم نستعد الأرض ولم تـُحقق التنمية، بل إن الأموال تم هدرها على التسلح دون جدوى، واستخدم السلاح في الكثير من الأحيان للقمع الداخلي.

إن الهدف من إعادة بحث موقف اليسار من القضية الفلسطينية، إنما يسعى إلى دراسة التجربة الاشتراكية من باب النقد والتقويم، وسيكون من مصلحة القوى اليسارية بشكل عام والماركسية بشكل خاص التوقّف لمعالجة الآثار الضارة لهذه القضية، ليس من باب الطعن أو الاتهام، بل من باب اهتمام تاريخي يتعلق بالتاريخ العالمي، ولا سيما للاتحاد السوفياتي، وتاريخ الحركة الشيوعية والماركسية في العالم العربي، ومسار تحوّلاتها قبل الحرب العالمية الثانية وما أعقبها.

وإذا كنّا قد ذهبنا -قبل نحو عقد من الزمان على انهيار التجربة- إلى إعادة قراءة الموقف السوفياتي الأيديولوجي والسياسي من قرار التقسيم، فإن مثل هذه القراءة كانت قبلية وليست بعدية، أي أنها بدأت خلال وجود قوة الاتحاد السوفياتي وليس بعد انهياره، وهو أمر أصبح واجباً في الوقت الحاضر، خصوصاً بـ"تحرر" الأحزاب الماركسية من هيمنة الدولة السوفياتية ومصالحها العليا، ومثل تلك القراءة تفرّق بين الموقف السوفياتي الماركسي منذ ثورة أكتوبر من القضية الفلسطينية بشكل خاص والقضايا العربية بشكل عام، والتحوّل الذي حصل ما بعد الحرب وخصوصاً عام 1947، وهو ما أطلق عليه الباحث "الموقف اللاماركسي"، في محاضرة ألقاها في أواسط الثمانينيات في دمشق (مركز الدراسات الفلسطينية)، ونشرها في جريدة الحقيقة (اللبنانية) في بيروت عام 1987، دون أن يعني ذلك التقليل من دعم الاتحاد السوفياتي السابق للبلدان العربية لمواجهة العدوان الصهيوني منذ عام 1956 وما بعده، وخصوصاً بعد عدوان حزيران/يونيو عام 1967.

وبالعودة إلى كتاب ماركس "المسألة اليهودية" وكتابات لينين ومواقفه، فضلا عن مواقف ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 وما بعدها، سنكتشف تحليلات وتفسيرات حول المشروع الصهيوني الذي اتخذت منه الدولة السوفياتية موقفاً نقدياً سلبياً، وبشكل خاص من العقيدة الصهيونية التي اعتبرها لينين رجعية بالمطلق، ومتناقضة مع مبادئ الديالكتيكية الماركسية.

وقف لينين ضد فصل الشيوعيين اليهود عن الشيوعيين الآخرين بحجة "القومية اليهودية" أو "الأمة اليهودية" أو "الشعب اليهودي"، معتبراً تلك الآراء والأفكار شوفينية ورجعية

وقد وقف لينين ضد فصل الشيوعيين اليهود عن الشيوعيين الآخرين بحجة "القومية اليهودية" أو "الأمة اليهودية" أو "الشعب اليهودي"، معتبراً تلك الآراء والأفكار شوفينية ورجعية، وواجه تحدّيات كبرى منذ أواخر القرن التاسع عشر بخصوص البوند "الاتحاد العام للعمال اليهود في ليتوانيا وبولونيا وروسيا" الذي عقد مؤتمراً له في عام 1896 عشية المؤتمر الصهيوني الأول، وتزامناً مع صدور كتاب عرّاب الحركة الصهيونية ثيودور هيرتزل "دولة اليهود" وتساوقاً معه، حيث انعقد بعد نحو عام المؤتمر الصهيوني في بال (بازل) في سويسرا.

وفي مؤتمر الأممية الشيوعية (الثالثة) في عام 1920 تم التأكيد على فضح مساعي الإمبريالية والصهيونية وخصوصاً في فلسطين، وذلك ردّاً على وعد بلفور، كما أدينت الصهيونية وتحالفاتها مع الإمبريالية في مؤتمر شعوب الشرق المنعقد في باكو عام 1920، واستمر الاتحاد السوفياتي حتى بعد وفاة لينين عام 1924 في مواقفه تلك، لكن ظروف الحرب والتفكير المصلحي الأناني هو الذي دفعه بالتدريج لتغيير موقفه من المسألة الفلسطينية، وهو الأمر الذي تبعته فيه الأحزاب الشيوعية العربية التي كانت تدعو لإقامة دولة ديمقراطية موحدة في فلسطين، فإذا بها تقبل على نحو مفاجئ بقرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947.

كيف حصل ذلك؟ الجواب يكمن في المساعي التي بذلتها الصهيونية لإقامة علاقات مع الاتحاد السوفياتي، لا سيما في ظروف الحرب، ناهيكم عن دور سلبي لخمسة من كبار الموظفين، وهم من اليهود الصهاينة في إدارات وزارة الخارجية السوفياتية، وتأثيرات خاصة حصلت على ستالين ذاته عبر صداقته مع إحدى السيدات اليهوديات.

ولكن الجذر الأساسي للمسألة هو قصور نظري ومصالح سياسية كانت على حساب شعب فلسطين، وهو ما ذهب إليه الباحث السوفياتي المعادي للصهيونية يفيسيف الذي اغتيل في عام 1990 بضواحي موسكو، بعد أن تم سحب شهادته الأكاديمية، وفُصل من عمله في معهد الاستشراق، واتهم بمعاداة السامية.

وقد نشرت في السنوات الأخيرة معلومات عن لقاء بين كبير حاخامات فلسطين إسحق هاليفي هيرتسوغ وسفير الاتحاد السوفياتي إيفان مايسكي في لندن، وكان ذلك مطلع عام 1940 بزعم الحصول على تأشيرات لطلاب المدارس الدينية اليهودية الذين اضطروا إلى الهرب من بولونيا إلى ليتوانيا ويريدون الهجرة إلى فلسطين، ثم التقى بعد نحو عام (يناير/كانون الثاني 1941) حاييم وايزمان بالسفير السوفياتي ذاته في لندن، بحجة انتقال يهود أوروبا الشرقية إلى فلسطين.

وعندما بدأ الهجوم الألماني ضد الاتحاد السوفياتي في 22 يونيو/حزيران 1941 -خرقاً لاتفاقية عدم الاعتداء بين ألمانيا والاتحاد السوفياتي- استنفرت الحركة الصهيونية وكثّفت جهودها لتعزيز اتصالاتها بالاتحاد السوفياتي، حيث التقى في مطلع عام 1942 ممثل الوكالة اليهودية في القاهرة إلياهو إنشتاين بسفير الاتحاد السوفياتي في تركيا سيرغي فينوغرادوف بوساطة السفير البريطاني، وشارك مسؤولان دبلوماسيان سوفياتيان في اجتماع نظمه يهود صهاينة في فلسطين باسم "في" لدعم المجهود الحربي.

وكان السفير السوفياتي في لندن قد التقى ديفد بن غوريون في فلسطين عند عودته إلى موسكو وانتهاء عمله، وقبلها التقى حاييم وايزمن وبحث معهما مسألة استيعاب أعداد المهاجرين، وكانت دراسة قد نشرت في باريس لأستاذ جامعي فرنسي وردت في مقالة للمفكر الفلسطيني اليساري داود تلحمي -دون أن يذكر اسمه أو اسم دراسته- عن خلفية تغيير موقف الاتحاد السوفياتي من المشروع الصهيوني.

كل تلك المعطيات كانت مطروحة أمام القيادة السوفياتية وهي تناقش نتائج الحرب العالمية الثانية حتى قبل انتهائها، وخصوصاً بعد النصر الذي حققه السوفيات في معركة ستالينغراد عام 1943، والهجوم السوفياتي المضاد الذي أعقبها.

وقد جاء استبدال موقف موسكو من القضية الفلسطينية في إطار صفقة مؤتمر يالطا عام 1945، خصوصاً أن قراءة فكرية وسياسية خاطئة -إضافة إلى مصالح وتبريرات لا يجمعها جامع مع الماركسية- كانت قد سادت لدى الأوساط العليا في القيادة السوفياتية، ولا سيما لدى ستالين الأمين العام للحزب الشيوعي.

وهكذا تم إيجاد ذرائع لمثل ذلك الموقف اللاماركسي بزعم أن الحكام العرب رجعيون، وهم "عملاء" لبريطانيا عدوتهم القديمة الجديدة، لاسيما بعد انفضاض الحلف المعادي للفاشية والنازية، وكان الأمر أكثر حساسية إثر صيحة ونستون تشرشل بإطلاق "الحرب الباردة" لمواجهة الخطر الشيوعي الذي يهدد العالم الحر.

بعد قيام إسرائيل في 15 مايو/أيار 1948 اعترف بها الاتحاد السوفياتي مباشرة، حتى قيل إنه بفارق دقيقة أو دقيقتين في التوقيت، دون مراعاة للمشاعر العربية

ظل الموقف السوفياتي المعلن في القضية الفلسطينية كما هو، ودفعت الأحزاب الشيوعية والماركسية العربية ثمنه باهظاً، ناهيكم عن أن مثل هذا الموقف أثر على الشعب العربي الفلسطيني، فقد كان كثيرون يعوّلون على الاتحاد السوفياتي، سواء في مجلس الأمن بإعلان "الفيتو"، أو من خلال ثقله في الجمعية العامة، وأصيب الكثير من المشاعر بالخذلان. ولم يظهر التغيير عليه إلى حين إلقاء أندريه غروميكو خطابه في الأمم المتحدة، وذلك في 14 مايو/أيار 1947 حين وافق على قرار التقسيم وإقامة دولة يهودية، وكان مثل ذلك الخطاب مفاجأة غير سارّة.

وقبل ذلك حصل في شهر أبريل/نيسان من العام ذاته انقلاب دراماتيكي في الموقف السوفياتي، حيث طرح الرئيس الأميركي هاري ترومان مبدأه في 12/3/1947 القاضي بمواجهة التمدد السوفياتي، الأمر الذي دفع السوفيات إلى تغيير موقفهم، فبعد أن كانوا يدعون إلى فلسطين واحدة مستقلة وديمقراطية يتمتع فيها الجميع بحقوق متساوية، جاءت مفاجأة خطاب غروميكو حيث استخدم فيه عبارات غير مألوفة مثل "الشعب اليهودي".

وبعد قيام إسرائيل في 15 مايو/أيار 1948، اعترف بها الاتحاد السوفياتي مباشرة، حتى قيل إنه بفارق دقيقة أو دقيقتين في التوقيت، دون مراعاة للمشاعر العربية التي أدركها القائم بأعمال السفارة السوفياتية في العراق سلطانوف معترفاً بحساسيتها، وذلك عشية قرار التقسيم. مع إشارة مهمة وردت في مذكرته المكتوبة من بغداد عن احتمال: أن تتحوّل الدولة الصهيونية إلى قاعدة للتمدّد الأميركي في الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي حصل فعلاً. وتلك الإشارة كان على اليسار العربي أن يدركها منذ وقت مبكر، وأن يُعيد صياغة موقفه -بما فيه نقده لما حصل- ارتباطاً مع تضحياته ودوره التاريخي، ناهيكم عن احترام المشاعر العربية وحساسيّة اتخاذ مثل هذا الموقف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة