لبنان.. استحالة الحسم وتعثر التوافق   
الخميس 1432/1/18 هـ - الموافق 23/12/2010 م (آخر تحديث) الساعة 20:48 (مكة المكرمة)، 17:48 (غرينتش)


لبنان لا يمكن أن يُحكم بالقوة، ولا تمكن إدارته بالتوافق. فرض الأمر الواقع بالقوة حل تمت تجربته، لكنه أثبت فشله الذريع منذ نهاية الخمسينيات وحتى الآن. والسعي إلى إيجاد صيغ توافقية تمكن جميع التيارات من الاشتراك في الحكم هو حل غير مجدٍ، نظرا لطبيعة الاختلافات بين الفرقاء اللبنانيين.

الخلافات بين الفرقاء اللبنانيين هي خلافات جذرية لا يمكن حلها بالتراضي. كيف يمكن أن تحل خلافا بين فرقاء يرى كل منهم أن هويته الوطنية تتناقض إلى حد الاصطدام مع الهوية الوطنية التي يؤمن بها الطرف الآخر؟ وكيف يمكن أن تسعى إلى التوفيق بين طرفين، أحدهما يرى أن لبنان جزء من المنظومة العربية وجزء من نسيج المنطقة الحضاري، وآخر يرى أن لبنان جزء من المنظومة الغربية أو المتوسطية في أقل الأحوال؟!.

"
الخلاف في لبنان كان ولا يزال وأخشى أن يظل لفترة طويلة جدا، متعلقا بمسألة الهوية, وهذا النوع من الخلافات لا يمكن حله بالتوافق، كما أنه لا يمكن أن يُحسم بالقوة
"
الخلاف في لبنان كان ولا يزال وأخشى أن يظل لفترة طويلة جدا، متعلقا بمسألة الهوية. وهذا النوع من الخلافات لا يمكن حله بالتوافق، كما أنه لا يمكن أن يُحسم بالقوة.

في لبنان لا يمكنك أن تستأصل الطرف الآخر من المعادلة، كما أنه لا يمكنك أن تتعايش معه. هذا الواقع تم ترسيخه في لبنان بسبب عدة عوامل داخلية وخارجية معا. زراعة الكيان الصهيوني في المنطقة، وما أفضى إليه ذلك من طغيان مناخ سياسي يتسم بالاستقطاب الإقليمي والدولي، من أهم هذه العوامل. لكن تركيبة لبنان الاجتماعية الخاصة جدا، وضعف مؤسسات الدولة، وعدم قدرتها على تحقيق قدر معقول من الاستقلالية والحياد حيال الصراع بين الفرقاء (حقبة الرئيس الوطني القوي فؤاد شهاب إبان الستينيات هي استثناء يؤكد القاعدة ولا ينفيها) هي العوامل الأكثر أهمية في استمرار تعليق المشكل وربما تعميقه.

اللجوء إلى القوة في لبنان لا يمكن أن يجدي حتى ولو كانت موازين القوى كلها تتركز في جانب واحد فقط. الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط مدعومة بمنظمة التحرير الفلسطينية، حاولت أن تجتث الكتائب في بداية الحرب الأهلية (1975–1990) لكنها لم تنجح في ذلك.

صحيح أن التدخل السوري هو الذي أبقى رأس الكتائب كتنظيم سياسي فوق كتفيه، لكن رأس الكتائب كتيار فكري يمتلك قاعدة عريضة، لم يكن ليتم اجتثاثه حتى ولو هزمت مليشيا الكتائب خلال الحرب.

الكتائب لم تستطع بعد تصفية بشير الجميل (1982) أن تحافظ على قوتها كتنظيم أو حزب أو مليشيا مسلحة، لكن ذلك لم يؤثر إطلاقا على احتفاظ مبادئها بشعبية واسعة، حتى بعد أن تورطت في أسوأ مجزرة عرفها التاريخ العربي الحديث، وأعني بها بالطبع مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982.

في لبنان يمكن أن يسقط الحزب أو ينهار التنظيم، لكن التيار الفكري الذي يمثله الحزب لا يمكن أن ينتهي هكذا. القصة في لبنان لا تنتهي بربح أو خسارة معركة على الأرض، المعركة الكبرى تجري في العقول وليس على جبهات القتال، ولا حتى في أروقة مؤسسات الدولة.

في لبنان خسرت أحزاب وتم ترويض أخرى على أرض الواقع، لكن نهج تلك الأحزاب ما زال قائما وسيظل حتى وقت لا يمكن التنبؤ بحلوله.

الكتائب على سبيل المثال لم يعد يمتلك -كحزب سياسي- الجماهيرية الواسعة التي جعلته يوما ما يحتكر تمثيل اليمين المسيحي التقليدي، وتحديدا منذ تصفية مليشيا النمور بقيادة داني شمعون خلال عام 1980 على أيدي القوات اللبنانية التي كانت حتى ذلك الوقت الذراع العسكرية لحزب الوطنيين الأحرار.

لكن الكتائب -التي تمزقت بعد مقتل زعيمها بشير الجميل- سرعان ما وجدت وريثا شرعيا تمثل في القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع، الذي كان عضوا في الكتائب وأحد أقرب المقربين لزعيمها بشير الجميل.

وفي المقابل فإن اغتيال أو اختفاء زعيم حركة أمل السيد موسى الصدر (1978)، ساهم في ابتعاد الحركة عن خطها وتوجهاتها الرئيسة، لكن الواقع سرعان ما أفرز وريثا شرعيا للحركة تمثل في حزب الله، الذي تم تأسيسه بعد اختفاء السيد الصدر بأربع سنوات فقط.

في لبنان لا يموت أحد، فلكل تيار وريث. وفي لبنان ليس شرطا أن ينتمي الوريث لنفس العائلة الحزبية، الوريث يأتي أحيانا من رحم حركة وليدة أو تيار ناشئ أو انشقاق مدو، كما حدث مع سمير جعجع رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية، عندما انشق عن حزب الكتائب بعد مقتل زعيمه بشير الجميل وحلول شقيقه أمين محله.

"
في لبنان لا يموت أحد، فلكل تيار وريث, وفي لبنان ليس شرطا أن ينتمي الوريث لنفس العائلة الحزبية، الوريث يأتي أحيانا من رحم حركة وليدة أو تيار ناشئ أو انشقاق مدو
"

كل ذلك يجعل من حل الإشكال اللبناني بالقوة أمرا محكوما عليه بالفشل، والأمر الأسوأ من ذلك يتمثل في انعدام فرص التوافق أو حتى التعايش بين التيارات المختلفة.

المشكلة في لبنان ليست طائفية بل سياسية في المقام الأول. والاختلاف السياسي بين الفرقاء اللبنانيين لا يتعلق بأسلوب إدارة البلاد أو طبيعة النظام الاقتصادي، أو باقي المشكلات التي يمكن إدراجها تحت خانة الخلافات السياسية الطبيعية. الخلاف في لبنان خلاف يتخطى كل عوامل الاختلاف السياسي الطبيعية بما فيها العامل الأيدولوجي نفسه، الخلاف الرئيس كان ولا يزال وسيظل يتمحور حول هوية لبنان ودوره.

وهذا يعني أن الخلاف سياسي يرتدي حلة طائفية ويتغذى على العديد من العوامل، وفي مقدمتها نظام المحاصّة الطائفية الذي كان سببا في عدم قدرة اللبنانيين على تكوين دولة قوية تستطيع أن تخضع الجميع لنفوذها.

نظام المحاصّة حوّل معظم سياسيي لبنان إلى زعماء طوائف أو بمعنى آخر شيوخ قبائل، كل واحد منهم يسعى إلى انتزاع المزيد من المكاسب لشخصه، معتمدا على الواقع البائس الذي يجبر اللبناني على اللجوء إليه لتحقيق أبسط المطالب، نظرا لهشاشة بنى الدولة.

في لبنان لا يمكن للمواطن أن يلجأ إلى مؤسسات الدولة للمطالبة بحقوقه، البديل الوحيد المتوفر هو مشيخة الطوائف، لذلك يحرص اللبناني على التمسك بخيار الاصطفاف الطائفي، وإلا فإنه سيفقد الحماية والأمن، وسيتعرض إلى النبذ والاضطهاد.

سياسيو لبنان يستمدون قوتهم في الغالب من ضعف النظام السياسي، وبقدر ما يمر النظام السياسي بمراحل ضعف، فإن السياسيين يكتسبون المزيد من عوامل وأدوات القوة، وبقدر ما يتم إضعاف النظام السياسي في لبنان، يتمكن السياسيون من تدعيم حصانتهم وتعزيز قدرتهم على الإفلات من أي نوع من أنواع المحاسبة أو المساءلة، وإلا فما هو تفسير ردة فعل الجهات الرسمية في لبنان التي تجاهلت ما ورد في وثائق ويكيليكس عن تحريض الأميركيين من قبل بعض المسؤولين اللبنانيين (وزير الدفاع إلياس المر، ووزير العدل شارل رزق، ووزير الاتصالات مروان حمادة) على بعض الأطراف في الداخل؟.

لو كان النظام السياسي في لبنان لا يمر بمرحلة ضعف شديد لما اكتفت الحكومة بتكذيبات الوزراء التي وردت أسماؤهم في الوثائق، ولتم فتح تحقيق بشأن ما ورد في الوثائق المشار إليها، لكن النظام السياسي في لبنان يمر بمرحلة ضعف مزرية، وهذا الذي يسمح للسياسيين فعلا بتثبيت أقدامهم على الأرض.

معظم السياسيين اللبنانيين بنوا زعاماتهم أثناء مرحلة الحرب، أي خلال أشد مراحل الضعف التي مر بها النظام السياسي. الاستثناء الوحيد تمثل في المقاومة التي اكتسبت شعبيتها من خلال استهدافها للاحتلال الإسرائيلي، بالإضافة إلى الحركة الوطنية التي استمرت في طرح مشروعها القومي حتى مقتل زعيمها كمال جنبلاط بعد حوالي عامين فقط من نشوب الحرب الأهلية (1977).

ولأن الهدنة التي استمرت منذ نهاية الحرب وحتى استشهاد الرئيس رفيق الحريري كان يجب أن تنتهي بمجرد أن تتبدل الظروف الإقليمية والدولية، فقد عاد الصراع أو الخلاف إلى نقطة الصفر.. أي إلى مسألة الهوية مرة أخرى.

"
يخطئ كثيرا من يعتقد أن ما يحدث في لبنان الآن هو مجرد تداعيات للتطورات التي طرأت على مسألة المحكمة الدولية, ما يحدث في لبنان الآن هو امتداد لخلاف قديم تعود جذوره إلى ما قبل الحرب الأهلية نفسها
"
يخطئ كثيرا من يعتقد أن ما يحدث في لبنان الآن هو مجرد تداعيات للتطورات التي طرأت على مسألة المحكمة الدولية.

ما يحدث في لبنان الآن هو امتداد لخلاف قديم تعود جذوره إلى ما قبل الحرب الأهلية نفسها.

الخلاف في لبنان سياسي أكثر من كونه طائفيا كما يعتقد الكثيرون، والجذور التاريخية لهذا الخلاف تعود إلى عام 1958 عندما قرر الرئيس اللبناني كميل شمعون الاستقواء على خصومه بالأميركيين. ولقد وقعت الواقعة فعلا عندما استجاب الأميركيون لنداء الرئيس شمعون وقاموا بإنزال مشاة البحرية في شهر يوليو/تموز من ذلك العام بمنطقة الأوزاعي في بيروت.

الخلاف قديم كما ترون، والفرقاء لا يتورعون عن اللجوء إلى أي أسلوب ولا يمتنعون عن استخدام كل سلاح، مستفيدين من ضعف الدولة ومن هشاشة النظام السياسي.

لا حل لمشكلة لبنان بدون إجراء تعديلات دستورية تكفل التحول التدريجي للديمقراطية في صورتها المعروفة والبعيدة تماما عن نظام المحاصّة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة