سياسات السلطة الفلسطينية كما يراها قادتها   
الأحد 1429/10/19 هـ - الموافق 19/10/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:43 (مكة المكرمة)، 13:43 (غرينتش)


حين يتحدث قائد الأمن الوطني في السلطة الفلسطينية اللواء ذياب العلي، فعلينا الإصغاء باهتمام، تماما كما نصغي لقادته السياسيين الكبار، لاسيما أنه الرجل الأكثر قربا من الرئيس الفلسطيني، وعندما قابله مراسل صحيفة القدس العربي زهير أندراوس، كان ثمة منسق إعلامي يحضر الحوار الذي أصر أندراوس، ربما لما تنطوي عليه تصريحات الرجل من إثارة، على التأكيد على أنه مسجل.

مواقف اللواء السابقة بدت مثيرة، حتى لصحفي إسرائيلي من وزن ناحوم برنياع الذي حضر لقاءً لعدد من قادة الأمن الفلسطيني مع نظرائهم الإسرائيليين في مستوطنة بيت إيل، وكتب عنه في يديعوت أحرونوت بتاريخ (19/9) قائلا "لم أسمع بمثل هذا الاستعداد المفرط للعمل مع إسرائيل من القيادة الفلسطينية في أية مرة من المرات باستثناء فترة قصيرة في ربيع 1996 عندما لوحت إسرائيل لعرفات بأن إرهاب الانتحاريين سيؤدي إلى إبعاده. جبريل الرجوب وأتباعه قضوا على مخربي حماس فوق تلة بيتونيا. في شهرين إلى ثلاثة انتهت الحكاية".

ثم نقل عن صاحبنا اللواء، واسمه الحركي أبو الفتح قوله لمضيفيه الإسرائيليين "ليس هناك خصام بيننا، لدينا عدو مشترك" مضيفا "أنا سأفعل كل ما أستطيعه لكي أمنع العمليات، أنتم تدركون أننا أفضل من السابق، وأنتم تمدحون ذلك. بفضل عملياتنا أصبحتم أقل حاجة لقواتكم".

"
قائد الأمن الوطني الفلسطيني للإسرائليين: ليس هناك خصام بيننا، لدينا عدو مشترك (حماس) أنا سأفعل كل ما أستطيعه لكي أمنع العمليات، أنتم تدركون أننا أفضل من السابق، وأنتم تمدحون ذلك, بفضل عملياتنا أصبحتم أقل حاجة لقواتكم
"
ثم نقل عن قائد آخر، هو رئيس الاستخبارات العسكرية مجيد فراج، قوله "قررنا خوض الصراع حتى النهاية، قررنا وضع مشاكلنا على الطاولة. كل شيء علني وظاهر، وأنا أقول لكم، لن يكون هناك أي حوار معهم، فمن يريد قتلك عليك أن تبكّر بقتله". ويضيف "أنتم توصلتم إلى هدنة معهم، أما نحن فلا. توخيا للصدق أقول إننا تصرفنا بصورة مغايرة في الماضي. الآن نقوم بتولي أمر كل مؤسسة حمساوية ترسلون اسمها إلينا. أعطيتمونا في الآونة الأخيرة أسماء 64 مؤسسة، وقد انتهينا من معالجة 50 منها. بعض هذه المؤسسات أغلقت، والبعض الآخر استبدلنا إدارتها. كما وضعنا أيدينا على أموالهم (إسرائيل حولت للسلطة 150 حسابا بنكيا يشتبه بعلاقاتها بالتنظيمات الإرهابية. السلطة أغلقت 300 حساب)".

كثيرة هي عناصر الإثارة في حوار القدس العربي مع اللواء ذياب العلي، والذي يمكن الرجوع إليه في عدد الصحيفة (9/10)، وفي هذا السياق سنتوقف عند بعض العبارات والآراء الواردة من باب إعطاء لمحة عن التفكير الأمني للسلطة الفلسطينية، والذي يعكس بدوره نمط التفكير السياسي فيها كما سيتضح لاحقا.

يقول الرجل "نحن قمنا بأول انتفاضة، وقمنا بالانتفاضة الثانية، وماذا جلبنا؟ جلبنا الويل للشعب الفلسطيني والمصائب. الأكثرية الساحقة من الفلسطينيين لا يعرفون ما هو سبب قرار إسرائيل بالانسحاب من غزة". والسبب باختصار، حسب رأيه، حتى لا نطيل الاقتباس، هو الخوف من أغلبية فلسطينية بين البحر والنهر تضطر إسرائيل بضغط العالم إلى إجراء انتخابات مثل جنوب أفريقيا.

لن نتوقف هنا عند شتائم الرجل بحق حركة حماس ولا خالد مشعل، فتلك زفة يشاركه فيها كثيرون، أكان اعتبار الحركة صنيعة إسرائيل، أم سوى ذلك من التهم، لكننا نشير إلى رده على سؤال المراسل حول فوز حماس ديمقراطيا، والذي قال فيه "إن النمسا انتخب فيها الرئيس ديمقراطيا، وعندما قال العالم إنه لا يريده قدّم استقالته لأنه فضّل مصلحة الشعب على مصلحته. الشعب انتخبه، وأنا أسأل من قال إن العالم قابل بحركة حماس؟". ومن ثم نشير إلى رفضه دخول حماس في منظمة التحرير بقوله "حماس ليست جزءا من المنظمة ولن تكون" والسبب برأيه أن "الوضع الدولي غير مناسب" لذلك.

الأهم من ذلك كله هو موقفه من المقاومة والكفاح المسلح، ومن ثم التعاون الأمني ومهمة قواته. وفي هذا السياق لا بد من هذا الاقتباس الطويل. يقول الرجل "نحن ضد إطلاق النار على الإسرائيليين، وضد العمل التفجيري وضد الانتحاريين ونريد الأمن في البلد، نحن لسنا جواسيس، نحن أعلنا عن ذلك وهذه سياسة عامة، والأخ الرئيس يجتمع كل يوم في القدس مع إيهود أولمرت، ونحن نجتمع إلى قيادة الجيش الإسرائيلي، ليس سرا. نحن أعلنا أننا نريد الضفة الغربية وقطاع غزة دولة، وفي هذه الدولة ممنوع إطلاق النار وأعمال الولدنة. التعاون مع الأميركيين والإسرائيليين ليس أمرا اكتشف بالسر. مع من تريد أن أنسق؟ إن الاحتلال موجود في أرضي، وكيف سأحمي شعبي، هذه هي الطريقة الوحيدة، جربنا جميع الطرق ولم ننجح، وأنا أقول لك بصريح العبارة: الكفاح المسلح ليس من خياراتي، والشعب الفلسطيني يعرف ذلك، وأقصد الجميع بما في ذلك حماس، لأنّ الكفاح المسلح أنتج قتلة ومجموعة من الصبيان، كل من اختار الكفاح المسلح استشهد، أما المجموعة التي بقيت فلا أعلم إلى أين ذاهبة". انتهى الاقتباس من كلام ذياب العلي.

هذه المواقف ليس فريدة، بل هي تعبير عن السياسات العامة التي تتبناها المجموعة التي ورثت ياسر عرفات وتدير السلطة هذه الأيام، فهي عارضت المقاومة المسلحة واعتبرتها لونا من العبث، حتى عندما أجمع الشعب الفلسطيني كله عليها خلال انتفاضة الأقصى، بل إن الرئيس الفلسطيني (محمود عباس) لا يتورع عن ترديد مقولاته حول هذه القضية مكررا أنه يتحدث عن البرنامج الذي انتخب على أساسه، الأمر الذي لا يبدو صحيحا بحال، لأنه انتخب بوصفه مرشح حركة فتح، في غياب مرشح قوي آخر، ولو رشحت فتح شخصا آخر يؤمن بالمقاومة لكانت نتيجته أفضل بكثير. ونتذكر في هذا السياق كيف اضطرت السلطة من أجل رفع نسبة المقترعين إلى قبول بطاقة الهوية بدل بطاقة الانتخاب، فضلاً عن تمديد مهلة التصويت من أجل تأمين فوز معقول له.

في هذا السياق قال الرئيس الفلسطيني في حوار له مع صحيفة الحياة (25/9) ما نصه "مجريات الانتفاضة دمرتنا، ونحن لسنا مستعدين أن نُدمّر مرة أخرى. يعني دمرت كل البنية التحتية التي بنيت ليس فقط أيام السلطة، بل قبلها. ولسنا على استعداد للعودة مرة أخرى". ثم أوضح مساره السياسي قائلاً "همنا الأساسي في الضفة الغربية يتركز على أمرين: الأول هو استتباب الأمن، واعتقد أن الأمن مستتب بنسبة أكثر من 90% في الضفة. والأمر الثاني هو التطوير الاقتصادي".

"
الهجاء لخيار المقاومة كما يتردد على لسان قادة السلطة الأمنيين والسياسيين يشكل إهانة للشعب الفلسطيني وشهدائه وأسراه، فضلاً عما ينطوي عليه من منطق بائس، ولعل أي عاقل يسأل: هل ثمة محتل يرشق الشعب الذي يقاومه بالورود؟!
"
هذا الهجاء لخيار المقاومة كما يتردد على لسان قادة السلطة الأمنيين والسياسيين، يشكل إهانة للشعب الفلسطيني وشهدائه وأسراه، فضلاً عما ينطوي عليه من منطق بائس. ولعل أي عاقل يسأل: هل ثمة محتل يرشق الشعب الذي يقاومه بالورود، أم أن الوضع الطبيعي هو أن تكثر المعاناة والتضحيات مع تصاعد المقاومة؟! أما القول إن أهل الكفاح المسلح قد استشهدوا، فتلك إهانة أخرى، لأن الشعوب الحرة لا ينضب معينها من الأبطال والشرفاء، في ذات الوقت الذي يتوفر فيه القتلة والصبيان في كل مرحلة.

تمنحنا المواقف المشار إليها لمحة بالغة الأهمية عن نمط التفكير لدى هؤلاء، ومن ثم المسار السياسي الذي يتبنونه، ما يعكس طبيعة السلطة القائمة وخياراتها السياسية التي لا تعدو أن تكون القبول بما هو متوفر، مع السعي إلى تحسينه ما أمكن من دون أية أدوات ضغط، اللهم سوى استجداء الدعم الدولي. وهو ذاته مسار خريطة الطريق الذي ينبذ المقاومة ويكرس سلطة الأمن والمعونات (الأمن للإسرائيليين والمعونات للسلطة).

في المقابل يشير ذلك إلى بؤس القرار السياسي الذي اتخذته حماس بالمشاركة في ديمقراطية صيغت لخدمة الاحتلال، وفي سلطة مصممة لخدمته أيضا، رغم قناعتنا بأنه اجتهاد سياسي، مع العلم أن بؤس القرار لم يكن ليتغير لو جاءت النتيجة مغايرة وحصلت حركة فتح وحلفاؤها على الغالبية.

من المهم هنا التذكير بسيرة الديمقراطية الفلسطينية العتيدة تحت الاحتلال، إذ فاز الرئيس الفلسطيني الراحل بانتخابات حرة ونزيهة، ومعه مجلس تشريعي هيمنت عليه فتح عام 96 (حماس قاطعت) وكان هناك قانون للسلطة، وافق عليه الإسرائيليون والأميركان وسائر المانحين، ومضى كل شيء على ما يرام حتى جاء الرفض الفلسطيني لعرض كامب ديفد صيف العام 2000، وصولا إلى انتفاضة الأقصى.

بعد اجتياح الضفة الغربية ربيع العام 2002 وحصار عرفات، بدأت عملية الانقلاب على الديمقراطية العتيدة، وصار على السلطة أن تعيد هيكلة نفسها على أساس يحجّم صلاحيات الرئيس المنتخب (عارضوا الانتخابات الجديدة كيلا يحصل عرفات على مزيد من الشرعية). وقد أقرّ شيء من ذلك بالفعل على أمل تخفيف الحصار، ووصل الأمر حد محاولة أبطال المرحلة الجديدة بالانقلاب عسكريا على الرئيس، بينما كان أبو مازن قد قاطعه نهائيا ولم يعد إليه إلا وهو على فراش الموت.

خلاصة القول هي أننا إزاء ديمقراطية إما أن تكون على مقاس الاحتلال وداعميه أو لا تكون، والسبب هو أن تصميم السلطة قائم على هذه المعادلة، ولا يمكن للمحتلين أن يقبلوا بحال تحوّلها إلى عبء عليهم، وإذا ما وقع ذلك في لحظة ما، فالاجتياح والعزل والحصار هو الرد؛ كما وقع عندما تسامحت قيادتها مع خيار المقاومة أثناء انتفاضة الأقصى، وكما وقع من جديد عندما فازت حماس، بينما عاد الوضع إلى سيرته شيئا ما في الضفة الغربية عندما تحكمت بالسلطة تلك القوى الأمينة على مسارها كسلطة أمن ومعونات، بينما تواصل التفاوض من دون سقف زمني، ومن دون التلويح بخيار المقاومة، فضلا عن التسامح معه أو تبنيه.

كل ذلك يثبت عبثية الديمقراطية تحت الاحتلال وفي ظل تحكّمه بكل شيء، وبالتالي عبثية اعتبار الانتخابات حلا لمشكلة الانقسام، هي التي ينبغي أن تخدم الاحتلال، وليس الشعب الفلسطيني.

لقد مللنا القول إننا إزاء سلطة صممت لخدمة الاحتلال (أمنيا وسياسياً واقتصادياً) وليس لخدمة الشعب الفلسطيني، حتى لو انطوى وجودها على بعض المكاسب، وبالتالي فإن حلّها هو الحل، وأقله تحويلها إلى سلطة مقاومة بصرف النظر عن رد فعل الاحتلال، وليس الذهاب إلى انتخابات مبكرة أو غير مبكرة، لأنها انتخابات إما أن تفضي إلى نتائج تكرس السلطة بطبعتها الحالية في الضفة الغربية، وإما أن يتواصل الحصار وتستمر الأزمة.

"
على حماس الخروج من روحية الهيمنة على قطاع غزة على حساب القضية برمتها، وإلا فإن الموقف الشعبي والعربي والإسلامي منها سيتغير، لاسيما وأن بقاءها أسيرة هذا التفكير سيعني هدنة دائمة يريدها الاحتلال، مع نسيان القضية المركزية
"
أما حماس، فعليها الخروج من روحية الهيمنة على قطاع غزة على حساب القضية برمتها، وإلا فإن الموقف الشعبي والعربي والإسلامي منها سيتغير، لاسيما أن بقاءها أسيرة هذا التفكير سيعني هدنة دائمة يريدها الاحتلال، مع نسيان القضية المركزية أو تركها لمسار خريطة الطريق العبثي.

لقد آن أن تعترف قيادة حماس بخطأ المشاركة في انتخابات سلطة أوسلو، ومن تشكيل الحكومة، وبعد ذلك الحسم العسكري، أقله في دوائرها الداخلية، وإذا لم تفعل فستواصل مسلسل الأخطاء الناتج عن حشر الذات في قطاع غزة واعتباره خاتمة المطاف، أقله بلسان الحال، وإن قيل غير ذلك بلسان المقال (هناك من يعتبرون ما جرى إنجازا، وشخصيا أقسم أنني أدعو الله من كل قلبي أن يكون كذلك، وأن يثبت صحة اجتهادهم وخطأ التحليل الذي تبنيناه) وهو مسلسل أفضى إلى نسيان القضية الحقيقية التي تأسست الحركة لأجلها، والهدف الذي من أجله دفعت أروع الشهداء وأعظم الضحيات التي توجتها سيدة لسائر الحركات الإسلامية بلا منازع طوال ما يزيد على عقد ونصف العقد من السنوات.

أما أولئك الذين تابعنا بعض مواقفهم ورؤاهم، فنحن لم ننتظر منهم غير ذلك، ولطالما تمنينا لو تركوا يطبقون رؤيتهم المعروفة النتيجة، وذلك حتى يصلوا الجدار المسدود وينقلب الشعب عليهم، ويعيد القيادة إلى من يستحقونها من الأوفياء لخيار المقاومة؛ القابضين على جمر فلسطين، كل فلسطين، من البحر إلى النهر.
ـــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة