حدود القوة الأميركية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ غراهام إي فولر*

نجحت الولايات المتحدة الأميركية في الإطاحة بنظام صدام حسين. حدث الأمر بسرعة إلى حد ما، فالحقيقة أن قلة (من العراقيين) كانت تريد لحكم صدام حسين أن يستمر. إن قائدا شعبيا حقيقيا، كان سيُظهر -حتما- مقاومة عنيدة. ولكن لو كان هناك قائد شعبي حقيقي في العراق، لما تمكنت الولايات المتحدة من تنفيذ الغزو وإزاحته من الحكم. وهكذا فإن النصر الأميركي لم يكن مفاجأة من وجهة النظر السياسية والعسكرية. لم تكن الحرب هي المرحلة الأصعب بالنسبة لواشنطن، التحدي الحقيقي الذي يواجه إدارة بوش هو رسم مستقبل العراق.

هناك أمور بوسع الولايات المتحدة أن تفعلها لإحداث التغيير في العراق، كما هناك أمور لا يمكنها فعلها.. فما الذي تستطيع الولايات المتحدة أن تفعله؟

  • بإمكان واشنطن أن تزيح صدام وحزب البعث من السلطة. وهذا ما تم بالفعل. ويعتقد معظم العراقيين بأن الإطاحة بصدام حسين أمر إيجابي، وأنهم يستحقون أفضل من ذلك. لكن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تمسح الأفكار القومية العربية، والوطنية العراقية. فحتى لو ذهب حزب البعث (العربي الاشتراكي)، فسيبقى الكثير من العراقيين الذين يحملون أفكارا قومية. إنه أمر طبيعي وعلى الولايات المتحدة أن تعي هذه الحقيقة. ولكن من المؤمل أن تنبثق حركة أو حزب قومي عربي، يكون ديمقراطيا ومنفتحا، يتجنب البطش والدكتاتورية اللتين صبغتا حكم صدام حسين. القومية العربية، لا تحتاج إلى قادة مثل صدام حسين. في الواقع فإن قادة من هذا النوع، قد أساءوا إلى المفهوم الحديث للقومية العربية، خاصة إذا استخدموا الاضطهاد السياسي في حكمهم. إن العقيدة الصالحة، لا تفرض بالقوة في أي بلد.

  • بإمكان واشنطن أن تزيح صدام وحزب البعث من السلطة. وهذا ما تم بالفعل.. لكن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تمسح الأفكار القومية العربية، والوطنية العراقية
    تستطيع الولايات المتحدة أن توجد حكومة عراقية مؤقتة بدون انتخابات، في البداية على الأقل. ولكن واشنطن ألزمت نفسها بانتخابات سريعة، وعليها أن تفي بالتزامها. إن سمعة إدارة بوش ترتكز على تنفيذ هذا الالتزام. وإذا تم استحداث نظام انتخابي في العراق، فذلك سيكون أمرا إيجابيا للعراق، إذا ما تمثلت جميع شرائح المجتمع. وبعد رحيل الولايات المتحدة من العراق، بإمكان الشعب العراقي أن يغير النظام الانتخابي إذا لم يلب طموحاته.

أما ما لا يمكن للولايات المتحدة أن تفعله، فهو

  • أن تحدد نتيجة الانتخابات. فبوش لا يمكنه أن يضمن بأن الحكومة المنتخبة القادمة ستكون وفقا لما يريد. فمن الواضح أن للإسلاميين صوتا قويا في أوساط الشيعة. ولا يقتصر الأمر على الإسلاميين بل إن علماء الدين أنفسهم بدؤوا بالبروز كقوة سياسية وهو أمر كان مستحيلا إبان حكم صدام. من الواضح أن واشنطن لا تفضل التعامل مع العلماء والإسلاميين، ولكنها لن تستطيع تجنب ذلك. فهذه الحقائق على الأرض.
    على العراقيين أنفسهم أن يقرروا إلى أي مدى يريدون للعلماء أن يشاركوا في الحكومة التي يريدون. من المؤكد سيكون هناك تأييد كبير في أوساط الشيعة لدور معنوي لعلمائهم، ولكن لن يتم التوصل إلى اتفاق على مَنْ مِنَ العلماء سيكون له القول الفَصل. فحتى غالبية شيعة العراق لا تريد حكومة قائمة على أساس ديني، أي ولاية الفقيه، مثلما هو حاصل في إيران، حيث يدير العلماء دفة الحكم. لقد أثبتت التجربة الإيرانية بأنها غير مرغوب فيها، فهي تقود إلى فساد العلماء، ويصبح الإسلام أداة سياسية تستخدمها الفصائل الإسلامية المتنافسة. يدرك الكثير من العلماء الشيعة، بأنه من الأفضل لهم أن يحافظوا على المسافة التي تفصلهم عن الحكومة، كما كان الوضع في السابق. الخميني هو من أدخل هذا النمط من الحكم إلى إيران. وهو ليس نمطا شيعيا تقليديا.
  • في الحقيقة سوف يكون بمقدور الولايات المتحدة، وضع دستور يمنع علماء الدين من السيطرة على الحكم في العراق. وسوف تتمتع واشنطن بدعم السنة من العرب والأكراد على السواء إن هي فعلت ذلك. فالسُنة كذلك، لا يريدون حكم ولاية الفقيه. والشيعة لا يريدون ولاية الفقيه السُني. ولاية الفقيه ليست واردة بين أهل السنة بأي حال من الأحوال، رغم أن طالبان اقتربوا من هذا المفهوم.
    لكن واشنطن لن تستطيع أن تمنع بعض العلماء المتنفذين من أن يكون لهم صوت في المسيرة السياسية. فالإدارة الأميركية المؤقتة لن تستطيع أن تسجن علماء الدين المعروفين كما كان يفعل صدام، حتى لو لم تكن مرتاحة لأصواتهم.

  • الوقت يمضي في العراق، والوقت محدود بالنسبة لواشنطن، ولديها القليل من الوقت لتثبت بأنه لا يزال في جعبتها ما تقدمه للعراق غير إسقاط نظام حكم صدام حسين
    إضافة إلى ذلك، هناك مسألة العلاقات الإستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة في المستقبل. فبعض أعضاء إدارة بوش، وخاصة دونالد رمسفيلد يريدون استحداث أربعة قواعد عسكرية في العراق لحساب الولايات المتحدة الأميركية، بدلا من قواعدها في السعودية وأماكن أخرى. تسربت هذه المعلومات إلى صحيفة "نيويورك تايمز" في الثاني والعشرين من أبريل/ نيسان، لكن رمسفيلد أنكرها في مؤتمر صحفي في اليوم التالي. إن هذا يدل على إدراك أميركا لصعوبة تأسيس مثل هذه القواعد في العراق. لا بل إن أي حكومة عراقية مستقبلية ستفقد قانونيتها إن هي أبرمت اتفاقا بهذا الخصوص.
  • من جهة أخرى هناك مسألة السياسة الخارجية العراقية، فبعض أعضاء الإدارة الأميركية من أنصار الليكود كما هو معلوم، ومنهم من من يريد إعطاء الأولوية لعلاقات دبلوماسية بين العراق وإسرائيل. وبعض أعضاء حكومة شارون يريدون فتح أنبوب نفط بين العراق وإسرائيل. بصراحة سأفاجأ إلى حد كبير إذا ما قبلت الولايات المتحدة هذه الأولويات، لأنها ستثبت للعالم بأن مصالح إسرائيل هي الدافع وراء الحملة على الإطاحة بصدام. ولن يستطيع أي حاكم عراقي جديد أن يكتسب شرعية لحكمه إذا أقدم على مثل هذه الخطوات مع إسرائيل، على الأقل ما دام الحل العادل للقضية الفلسطينية غائبا.


هناك الكثير من القوى داخل كل من إسرائيل والحكومة الأميركية، ستمنع أي ضغط حقيقي على إسرائيل. هذا إضافة إلى أن الكثير من الشخصيات الأميركية في مجلس الأمن القومي مثل مناصر الليكود إليوت إبرامز، وفي البنتاغون مثل ولفويتز ودوغلاس فيث، وكذلك العناصر الصهيونية المسيحية القوية في الكونغرس متقاربة في وجهات النظر مع بوش
يتحدث بوش الآن عن الانتباه إلى القضية الفلسطينية بعد أن استقر الحال في العراق. وهناك ضغط كبير من توني بلير، نحو هذا الاتجاه، خاصة وأن توني بلير يتمتع بمعرفة بالساحة السياسية في الشرق الأوسط، أكبر بكثير من تلك التي يتمتع بها بوش. ولكنني أشك في أن بوش سيولي الاهتمام المطلوب للقضية الفلسطينية. فهناك الكثير من القوى داخل كل من إسرائيل والحكومة الأميركية، ستمنع أي ضغط حقيقي على إسرائيل. هذا إضافة إلى أن الكثير من الشخصيات الأميركية في مجلس الأمن القومي مثل مناصر الليكود إليوت إبرامز، وفي البنتاغون مثل ولفويتز ودوغلاس فيث، وكذلك العناصر الصهيونية المسيحية القوية في الكونغرس متقاربة في وجهات النظر مع الرئيس جورج بوش. لذلك أعتقد بأننا لن نرى تقدما في حل القضية الفلسطينية ما دام جورج بوش رئيسا.

لكن الفشل في التقدم على الصعيد الفلسطيني سوف يزيد من تعقيد مهمة الإدارة في العراق. قد يختفي حزب البعث من الساحة، ولكن اهتمام العراقيين بمصير الفلسطينيين لن يتوقف. نعم، سيكون اهتمام العراقيين منصبا على مستقبل بلدهم في المقام الأول، ولكنهم لا يريدون التخلي عن فلسطين. كما سيظل العراق مهتما بمنع المد الإيراني في الخليج العربي. إن العداء القديم بين العرب والفرس موجود بغض النظر عن من يحكم بغداد وطهران. وواشنطن لا تستطيع تغيير هذه الحقيقة.

وهكذا نرى بأن تغيير النظام في العراق يمنح الشعب العراقي فرصة جديدة لبناء دولة أكثر حرية وانفتاحا. تستطيع واشنطن أن تساعد في ذلك، ولكن على الحكومة العراقية الجديدة أن تحافظ على حقوق الأقليات (السنة من العرب والأكراد). والمحافظة على تلك الحقوق هي من متطلبات تطبيق الديمقراطية في العالم العربي وهي بحد ذاتها ستولد مشاكل صعبة. بِوِسع الولايات المتحدة أن تشجع على تطوير حكومة جديدة في العراق، ولكنها لن تستطيع التحكم بالحكومة لمدة طويلة. الوقت يمضي في العراق، والوقت محدود بالنسبة لواشنطن، ولديها القليل من الوقت لتثبت بأنه لا يزال في جعبتها ما تقدمه للعراق غير إسقاط نظام حكم صدام حسين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة