خطة الإصلاح السعودية الجديدة.. هل هي جدية؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ غراهام فولر

نشرت المملكة العربية السعودية مؤخراً مشروعاً جديداً يتعلق بإجراء إصلاح في العالم العربي. وكان من المثير للاهتمام إقدام المملكة على إصدار مشروع جرئ للمرة الثانية، مما يظهر حيوية ولي العهد الأمير عبد الله في مواجهة الوقائع بالعالم العربي. ولكن ما مدى جدية هذا المشروع؟ يظهر أن المشروع يحتوي على جوانب إيجابية وأخرى سلبية، ومن المهم أولاً اعتراف قادة العالم العربي -من أمثال الأمير عبد الله في الظروف الحالية- بوجود أزمة خاصة، وأن هذه الخطوة تأتي بعد خطة الأمير الأولى المتعلقة بالمبادرة لتسوية المشكلة الفلسطينية، ومن المفيد أن نرى السعودية الآن أكثر نشاطاً وواقعية من أي بلد عربي آخر.


يعترف مشروع الإصلاح السعودي بأن الأزمة الحالية لا تتعلق بالعالم العربي ككل فحسب، بل إنها أزمة مرتبطة على وجه الخصوص بقيادات العالم العربي من ملوك ورؤساء

يعترف مشروع الإصلاح بأن الأزمة الحالية لا تتعلق بالعالم العربي ككل فحسب، بل إنها أزمة مرتبطة على وجه الخصوص بقيادات العالم العربي من ملوك ورؤساء. فإذا كان هناك أي أمل في التغيير، فالمسألة الجوهرية لتحقيق ذلك متجلية في الاعتراف العلني للقيادة العربية بوجود هذه المشاكل.

ويعترف بيان الإصلاح كذلك وبصورة علنية بأن مصداقية القيادة العربية أصبحت موضع تساءل، وهذا أيضا اعتراف لافت للنظر من قبل القادة العرب. فالاعتراف بهذه المشكلة التي طالما تم تجاهلها في كل المناقشات الرسمية في الماضي هو بداية التغيير، لهذا فإنه من الواجب أن نقدم التهنئة إلى الأمير عبد الله والقادة الآخرين في المنطقة على هذه الخطوة المقاربة الواقع.

إن مشروع الإصلاح المقترح مدهش في الاعتراف الصريح بأن العالم العربي عاجز وضعيف في مواجهة التهديدات الخارجية. وهو بهذا الاعتراف يوجه اللوم إلى القيادات العربية لفشلها فيما مضى في الوفاء بالتعهدات التي قطعتها على نفسها بحماية السيادة العربية ووحدة صفوفها وأراضيها. وقد جاء هذا الاعتراف الآن ليظهر نوعا من ممارسة النقد الذاتي المهم جداً، كما أنه مشجع, إذ لا يمكن بدونه تحقيق أي تطور أو تغيير.

ولكن الخطة ضعيفة في جوانب أخرى، ذلك أن المطالبة بالإصلاح تفتقد في حد ذاتها إلى الواقعية، إنها تطالب الدول العربية بالوقوف بشكل متحد ضد أي بلد غير عربي يهاجم أي بلد عربي تحت أي ذريعة. لكن الحقيقة هي أن الدول العربية فشلت في اتخاذ موقف واضح حول مخطط الولايات المتحدة الأميركية وعدوانها على العراق. ولا أعتقد أن بإمكانهم فعل أي شيء أبعد من إلقاء خطب رنانة، وهو ما لن يحول مطلقا دون وقوع الحرب.

إن كثيرا من القادة العرب يشجبون المخطط الأميركي علناً ويقبلونه سراً، وليس من مصلحتهم لأنه يظهرهم بصورة الضعيف المنافق. فيجب على القادة العرب ألا يتعهدوا باستحداث تغيير يعجزون عن تحقيقه. وأعتقد أن بإمكان الوضع في الشرق الأوسط أن يكون أفضل بكثير، لو كان النقاش أكثر انفتاحا بين واشنطن ودول المنطقة حول المشاكل المتعلقة بها. لكن يبدو أن القادة العرب يترددون في التطرق المباشر إلى هذه المشاكل مع واشنطن، لخوفهم من الشعوب العربية. ولهذا نجد أن دولا أخرى في العالم تتبنى مواقف علنية أكثر صراحة وانتقادا لمواقف أميركا تجاه هذه المشكلة من أغلبية الدول العربية.. ويشمل ذلك عددا من الدول الأوروبية مثل ألمانيا وفرنسا ، وهما حليفتان لأميركا.


إن كثيرا من القادة العرب يشجبون المخطط الأميركي علناً ويقبلونه سراً وليس من مصلحتهم لأنه يظهرهم بصورة الضعيف المنافق، فيجب على القادة العرب ألا يتعهدوا باستحداث تغيير هم عاجزون عن تحقيقه
لهذا فإن مطالبة قادة العرب بالوحدة ستظل حبراً على ورق ولا صلة لها بالواقع، هذا رغم أن مشكلة العراق هي أكثر أهمية بالنسبة للعالم العربي منها للفرنسيين والألمان. إلا أن مواقف الدول العربية أقل جراءة، فكيف نفهم ذلك؟

تتركز دوافع خطة الإصلاح هذه حول الخوف السائد لدى القادة العرب من مواجهة شعوبهم. فهم على علم بأن سياسات الولايات المتحدة الأميركية في فلسطين وفي العراق لا تسر تلك الشعوب، ويخشون من حدة ردود فعلها أكثر مما يخشون من تصرفات أميركا. وفي الواقع فإن خوفهم من تصرفات أميركا مرده إلى الخشية من فقدان استقرار ومصداقية كثير من الأنظمة في المنطقة.

إن الحكومات التي تتمتع بتأييد كامل ومصداقية هي وحدها القادرة على اتخاذ مواقف قوية يمكن أن تجبر واشنطن على احترامها، لأنها تعكس رؤية الرأي العام الذي قام باختيار تلك الحكومات. فعلى سبيل المثال وجهت القيادة الإسلامية المعتدلة والموجودة في تركيا انتقادات مكثفة لكثير من جوانب المخطط الأميركي للحرب في العراق. ولكون هذه القيادة تتمتع بتأييد شعبي وبرلماني، فقد أصبح من الصعب على أميركا تجاهل آراء هذه الحكومة التركية. وكذلك هو الحال بالنسبة للحكومة الجديدة بكوريا الجنوبية التي تتعامل مع واشنطن بصرامة، حول السياسات التي يتوجب على مسؤوليها القبول بها أو رفضها فيما يتعلق بموضوع كوريا الشمالية. إذ يتوجب على واشنطن أن تحترم هذه الآراء، لأنها تأتي من حكومة منتخبة وشرعية وتعكس رغبات شعبها.

إن من غير مصلحة الولايات المتحدة الأميركية التعامل مع الأنظمة التي لا تمثل آراء شعوبها، فمثل هذا الوضع يدفع أميركا لمواجهة مشاكل أكبر لأنها لا تعايش واقع الرأي العام بالمنطقة، مما قد ينتج عنه في بعض الأحيان ردة فعل شعبية يصبغها عنصرا المفاجأة والعنف. فلو كانت أمنيات الشعب السعودي حول وجود القوات الأميركية على التراب السعودي قد احترمت لما كنا عرفنا أسامة بن لادن اليوم، وللأسف فإن آراء القادة الذين لا يمثلون لشعوبهم سرعان ما يتم تجاهلها. إن أميركا ماضية في خيار الحرب ضد العراق، بينما لم تسنح الفرصة الكاملة لأن يعبر الرأي العام العربي عن موقفه. وهذا يعني أن مستقبل الوضع في العراق وتداعيات ذلك على العالم العربي لن يمكن تحديده وتقدير مداه بوضوح إلا بعد فوات الأوان.

أخيرا تتطرق الخطة السعودية إلى مسألة الإصلاح الذاتي وتطوير المشاركة السياسية داخل الدول العربية، وهما عاملان مهمان في عملية بناء القدرات العربية. ورغم اعتبار ذلك خطوة في الطريق الصحيح، إلا أن هذه الاقتراحات تفتقر إلى توصيات ملموسة تجسد المساهمة السياسية الشعبية في صنع القرار بوضوح وتضع لها الآليات اللازمة. وربما سوف تؤول كل دولة عربية ذلك حسب أوضاعها الداخلية، لكن الخوف هو من عدم اتخاذ الخطوات اللازمة حول الإصلاح من قبل معظم الأنظمة العربية، لأن ذلك سوف يشكل تهديدا لها. لكن ربما تلعب الضغوطات الملحة من الخارج دورها هذه المرة، وتدفع ببعض الأنظمة للتحرك نحو الانفتاح.


إن من غير مصلحة الولايات المتحدة الأميركية التعامل مع الأنظمة التي لا تمثل آراء شعوبها، فمثل هذا الوضع يدفع أميركا لمواجهة مشاكل أكبر لأنها لا تعايش واقع الرأي العام في المنطقة
إن الأزمة الحالية في العالم العربي حقيقية وخطيرة، ولكن دعونا نتصور كيف سيكون الأمر مختلفاً حال وجود قادة أكثر تمثيلاً لشعوبهم على سدة الحكم. ف
لو افترضنا جدلا أن الشعب العراقي قد اختار قيادته حقاً، فإن الأزمة الحالية ستكون مستبعدة تماما أو بدرجة كبيرة. فهل كان الشعب العراقي سيؤيد الحرب ضد إيران؟ وهل كان سيؤيد غزو الكويت؟ وهل كان الشعب العراقي سيعيد انتخاب صدام بعد فشله الذريع في كل من إيران والكويت.

لا أريد القول إن كل مشاكل المنطقة ناتجة عن أخطاء العرب، فإن من المصادر الرئيسية للتوتر الإقليمي الحالي سياسات واشنطن تجاه فلسطين وإسرائيل. ولكن لو أعطي الشعب العراقي حرية اختيار قيادته فلن تكون هذه الأزمة قائمة اليوم، ولو أعطي للشعب العراقي حتى التصويت الحقيقي اليوم فإن طبول الحرب الأميركية لن تقرع لغزو العراق.

وسواء آمنا بحكمة مخطط الولايات المتحدة الأميركية فيما يخص الإطاحة بصدام أم لا، فإنه مما لا شكك فيه أن هذا المخطط سيأتي بتغيير وتحرر نسبي في سياسات المنطقة على المدى الطويل. لكن من االمؤسف أن يحتاج الأمر إلى هذا النوع من التدخل الخارجي لتحقيق تغييرات، طالما كان مطلوبا من الشعوب والأنظمة استحداثها بنفسها. إن هذه هي أحد العناصر الرئيسية المسببة للضعف العربي، كما أن ذلك يقود إلى أخطاء فادحة في السياسات الأميركية، إذا ما اعتقدت واشنطن أن تجاهل الرأي العام العربي أمر ممكن ولا ينطوي على أية خطورة على مصالحه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة