المواطن الحديث   
الأربعاء 1428/7/11 هـ - الموافق 25/7/2007 م (آخر تحديث) الساعة 11:17 (مكة المكرمة)، 8:17 (غرينتش)

المواطن الحديث

ليس من السهل حصر مصطلحٍ اكتسب بعدا عالميا في إطار ثقافي وإقليمي محدد. فهذا الأمر يتطلب إبصار جملة عوامل التأثير المتبادل والتفاعل بين الخاص والعام كما يتطلب إعطاء صورة ما عن تلك القنوات الخارجية التي غذت الثقافة المحلية والمؤسسات المحلية والتحقيق الدائم في ميكانيزمات الاستمرارية والانقطاع عبر التاريخ وثنائية الصراع الاحتواء في العلاقة بين الداخلي والخارجي.

وتزداد صعوبة الأمر عندما يتعلق بالمواطنة، أي بمحدد أساسي لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين المؤسسة والفرد، بين جدلية إعادة بناء الوجود السياسي والمدني ودور الفضاء غير الحكومي فيه.

لقد نشأ مفهوم المواطنة ضمن السيرورة التاريخية للتطور السلبي للحقوق. وهو كالأبوية أعطى حقوقا للبعض وحرم البعض الآخر من هذه الحقوق.

ورغم كون المواطنين في أثينا وقرطاجة مازالوا أقلية بالنسبة لمجموع السكان في دول المدينة، فقد أتاح مفهوم المواطنة لهؤلاء الرجال الأحرار فرصة المشاركة الواسعة في العمل العام المدني والسياسي لكون العبيد يقومون بالأساسي في حقول الإنتاج المادي.

"
مفهوم المواطنة في التاريخ العربي الإسلامي ارتبط نظريا بالاعتقاد وعمليا بعدة عوامل منها تكوين السلطة والجيش, وقد بقي المفهوم التاريخي للمواطنة بهذا المعنى تفاوتيا سواء بين الأفراد الأحرار الذكور أو بين الأحرار والعبيد، المؤمنين وغير المؤمنين، النساء والرجال
"
الأمر الذي منح كلمة المواطن صورتها الإيجابية في منظومة القيم باعتباره الشخص المهتم بالشؤون العامة والمخلِص لهموم المدينة. لا نستغرب في وضع كهذا هزالة كلمة مثل الاجتماعي مقابل كلمة كاملة الحضور هي السياسي. فالثقافة اليونانية "لم تكن نتاج البرابرة والعبيد"، بل المواطنين الأحرار الذين يملكون القدرة على الفعل السياسي.

شهدت روما ولادة دينامية جديدة باتساع مفهوم المواطنة ليشمل العامة Plebeians وبعد ذلك الشعوب الأخرى في الإمبراطورية الرومانية، الأمر الذي رافقه منطقيا تكامل أكبر للسياسي مع الاجتماعي.

ومع الزمن أصبح مفهوم المواطنة يتجه أكثر إلى الحماية في ظل القانون منه إلى المشاركة الفعالة في تشريع وتطبيق هذا القانون. ومع صيرورة الاندماج السياسي كسمة ولاء في الإمبراطورية وليس فقط المشاركة في الحياة السياسية والعامة، أعطى الإمبراطور كاراكلا في عام 212 وضعا قانونيا للمواطنة يشمل عددا كبيرا من السكان وإن استمر استثناء الطبقات الأفقر والعبيد والنساء.

ارتبط مفهوم المواطنة في التاريخ العربي الإسلامي نظريا بالاعتقاد وعمليا بعدة عوامل منها تكوين السلطة والجيش. وقد بقي المفهوم التاريخي للمواطنة بهذا المعنى تفاوتيا سواء بين الأفراد الأحرار الذكور أو بين الأحرار والعبيد، المؤمنين وغير المؤمنين، النساء والرجال.

إضافة لأشكال العصبية المتكونة حول الخلافة. وبهذا المعنى كان هذا المفهوم في واقع الأمر حصيلة اجتهادات دنيوية في ثوب ديني، وقد ارتبط في الذاكرة التاريخية بجملة حقوق وامتيازات.

بعد سنوات كادت الكلمة فيها تنقرض من الأدبيات الأوروبية، بدأت عملية إعادة التفاعل مع التراثين اليوناني والروماني في إيطاليا مع ماكيافلي (1469-1527) وفي إنجلترا مع جيمس هارينغتون وجون ميلتون في منتصف القرن السابع عشر وقد تركا أثرهما في الثورة الأميركية وبشكل خاص ما عرف بالهارينغتونية الجديدة.

وفي القرن الثامن عشر شكلت المواطنة موضوع نقاش في غاية الثراء في فرنسا، وفي حين تعّرف موسوعة ديدرو في 1753 المواطن بكونه "عضو في المجتمع" يحدد قاموس تريفو في 1771 الكلمة بالقول "تعبير ذو علاقة بالمجتمع السياسي".

وفي العقد الاجتماعي (1762) يربط جان جاك روسو المفهوم بمعنى السيادة والطاعة للنفس أولا، التحرر من دور الرعية وتمتع الأفراد بالحكم الذاتي.

هذا التعريف وأطروحات روسو سيفتحا المجال إلى محاولة ربط التقاليد الجمهورية بالتعاقدية الحديثة وهو يشير بالبنان إلى المشكلة الرئيسية التي تطرحها ثنائية الحرية والمساواة.

بتعبير آخر، حالة التناقض بين الموارد العامة والمصالح الخاصة. ويمكن القول بوجود اتجاه عام عند العديد من المفكرين والسياسيين في القرن الثامن عشر إلى عدم اعتبار المواطنة حقا طبيعيا، ولكن بنفس الوقت عدم اعتبارها ضد الطبيعة. فيما يختصره البعض باعتبارها طبيعة ثانية.

ومع الثورة الفرنسية جرى تحميل المفهوم شحنة مثالية أساسية تنطلق من اعتبار حامل الحقوق المدنية والسياسية العنصر النووي المكون للأمة: ارتبط المفهوم بالجمهورية باعتبار أن الهوية الجماعية التي تتشكل من مجموع المواطنين وحدها تملك السيادة داخل الدولة.

لم يميز إعلان حقوق الإنسان والمواطن بين الإنسان والمواطن، ولكن الفكر السائد في 1789 استمر يصنف التصويت وظيفة أكثر منه حقا، وعلينا انتظار 1793 لإقرار فكرة أن المواطن هو كل رجل بلغ 21 سنة وهو بالضرورة ناخب.

مع تعزيز لتعريف للمواطن عند دستوريي 1793 باعتباره الوطني والسياسي في الممارسة، أي التأكيد على المواطنة كفعل أكثر منها صفة.

الأمر الذي أصّل لفارق أساسي بين الكتابات الأنجلو ساكسونية حيث تتوافق المواطنة مع الجنسية إلى حد كبير، والكتابات الفرانكوفونية التي تؤكد على ارتباط المواطنة بالمشاركة الفعلية في الحياة العامة ومشكلات المجتمع.

في 1793 أيضا، حدد "عمانوئيل كانت" المواطنة بامتلاك الحقوق المدنية التي يضمنها وضع البرجوازية، فقط سيد القرار وغير التابع اقتصاديا يمكن اعتباره مواطنا حرا، فالاستقلال الاقتصادي يمنح المواطنة ويستثنى من هذه القاعدة النساء والأطفال.

كان كوندورسيه من قلائل الفلاسفة السياسيين الذين تبنوا حق المرأة في المواطنة الكاملة، إلا أنه جبن عن طرح ذلك في المعارك السياسية التي خاضها.

في حين أصدرت أولمب دوغوج "إعلان حقوق المرأة والمواطنة" في 1791 الذي يؤكد على حق المرأة الكامل في المواطنة. دو غوج ستدفع ثمن مواقفها أمام المقصلة في 3 نوفمبر 1793.

"
لم يتوقف الفكر السياسي الهيغلي عند تعارض ممكن بين "المواطنة" و"الجنسية"، بل أكد من جهة على القبول الإيجابي والفاعل للمدينة كإطار للحياة الأخلاقية الفعلية ومن جهة ثانية حذر من انكفاء الفكر على نفسه، لأن ذلك مدمر للمدينة عبر التقييم الإيجابي لداخلية التفكير
"
لم يتوقف الفكر السياسي الهيغلي عند تعارض ممكن بين "المواطنة" و"الجنسية"، بل أكد من جهة على القبول الإيجابي والفاعل للمدينة كإطار للحياة الأخلاقية الفعلية ومن جهة ثانية حذر من انكفاء الفكر على نفسه، هذا الانكفاء الذي يشكل خطرا مدمرا للمدينة عبر التقييم الإيجابي لداخلية التفكير.

المواطن عند كارل ماركس (1818-1883) هو الموضوع "المجرد" – غير الواقعي في تاريخ غير طبيعي. إن التقاطع بين المواطن والحرية (الحقوق السياسية والمدنية) كان يعيد النقاش حول المساواة (الطبيعية عند البعض، الثقافية عند البعض الآخر) وبقدر ما نال المواطن حقه الكامل في التصرف "بشخصه وملكياته" حسب تعبير Sieyès، كلما ابتعد عن تلك الصورة التي رسمها رواد الاشتراكية من السان كيلوت إلى ماركس.

من هنا نجد عند أوين وسان سيمون أيضا نقدا "للوهم السياسي ولأفكار حقوق الإنسان" يقوم على ضرورة تحقيق برنامج اجتماعي كشرط للانعتاق الإنساني مع نقد صارم لإطلاق حق الملكية.

كلما تعمق المرء في دراسة التجربتين الفرنسية والأميركية، كلما شارك جاك زيلبربرج قولته "الممر من الحقيقة إلى النسبية يؤدي بنا، في نظم المعرفة الحرة والعقلانية إلى مبدأ الشك الذي يستجوب باسم الحكمة البناء الاجتماعي لحقل المواطنة, إن كانت المواطنة، بالنسبة للإنسان الممارس هي مساعد دولة القانون والديمقراطية التعددية ونقطة ارتكاز في انتظام الحقل الوطني، فهي بالنسبة للباحث، مصطلح تعسفي، متفرد، مثالي النمط، يهدف تحديدا إلى وضع ديكور لطيف لمشاريع سياسية مختلفة ولأنظمة سياسية متعددة".

سجلت الحقبة الاستعمارية عصر انحدار مفهوم المواطنة. فقد حلّ المحتل محل المواطن، وراكم الامتيازات على حساب الشعوب المحتلة التي لا يتمتع أفرادها بأي وضع قانوني حقوقي. خلال عقود من الزمن كانت الجزائر مثلا فرنسية، دون أن يكون للجزائري صفة المواطن.

وتمت الفرنسة بشكل طائفي وعنصري من قبل دولة علمانية (جرى إعطاء الجنسية لكل اليهود الجزائريين في 1889 في حين كان يطلب من الجزائري أن يعلن انسلاخه عن الإسلام ليحصل على الجنسية).

لم تستطع التجربة السوفياتية أنسنة حقوق المواطنين ودمقرطتها. كذلك أفقدت دكتاتوريات بلدان الجنوب المفهوم معانيه السياسية والمدنية. وفي حين يتسع نقاش المواطنة ليشمل توفير الشروط الأساسية للمجتمع المدني والديمقراطية لا يتورع العديد من طرح سؤال هام: إن كان المواطن هو دافع الضرائب في نشأة المجتمع الرأسمالي، فهل هو المستهلك في عصر العولمة؟

صحيح أنه في الدول المستبدة وداخل الكنائس، لا نعثر على المصطلح الحر "المواطن" كما لا يوجد المصطلح المثير للجدل "المثقف"، وصحيح أيضا أن الثورة الفرنسية قد وضعت في لحظة تاريخية حاسمة وجها لوجه الحق الإلهي والحق المواطني، وصحيح أن خبرة الثورة الفرنسية قد طرحت المواطن ككائن حقوقي.

ولكن حقه هذا المعلن طبيعيا يتميز بمرونة ذات حدين وغلبة للسياسي بالمعنى التنفيذي على الحقوقي بالمعنى القضائي، ففي تعبيره الحر لم يصبح الإنسان بعد نقطة الانطلاق ونقطة الوصول في مجمل تعبيرات المواطنة الغربية محافظة كانت أو ثورية بل يبقى تعبيرا وسيطا.

وقد تقاسمت أميركا مع فرنسا عملية تجديد معركة المواطنة بدون البعد الرمزي للتجربة الفرنسية: فهي لم تواجه عسف الكنيسة الكاثوليكية ولم تعرف الملكية المطلقة ولم تجعل من العلمانية برنامجا سياسيا.

وفي الحالتين، تهز الوقائع التفاؤل الأيديولوجي للآباء المؤسسين في القرن الثامن عشر في فرنسا حيث تأخر فصل الدين عن الدولة قرنا آخر تأرجحت فيه فرنسا بين حقب الرعب والبونابرتية والملكية، وفي أميركا حيث أسست العبودية والحرب الأهلية والتمييز العنصري مع الدستور أمبراطورية الورقة الخضراء (الدولار) التي كتب عليها بكل فظاعة: بالله نؤمن.

يصعب مشاطرة القائلين بأن المواطنة الحقوقية نادرا ما تكون تطوعية، وأن وضعها السياسي موضع الاعتبار هو محصلة جهد أقلية في الحياة اليومية.

ففي روتين الأوضاع العادية والأزمات، قلما تبادر الأغلبية وتضع موضع الشك ما يعود عليها بالفائدة الاسمية، ونادرا ما كانت من الشهامة بحيث تلقي بهذا الامتياز من النافذة. إن إيقاف الانحسار الحقوقي في قوانين الجنسية واحترام الأشخاص في فرنسا لم يكن ابن حركة سياسية ومطلبية هامة بل مجموعة صغيرة من المحرومين من الأوراق من الأفارقة أرادوا أن يقولوا في صرخة شبه يائسة إنه في فرنسا العلمانية حيث لم يعد يحترم حق اللجوء تصبح الكنيسة، أي النظام القديم في الوعي الجماعي.

حركة الفنانين والمثقفين ضد المبالغة في إهانة الضيف الأجنبي هي التي فرملت تراكم قوانين العسف المحافظة. لكن ألا تضع الحرب على الإرهاب كل منجزات المواطن الحديث على بساط البحث؟ ألم تضع الضرورات الأمنية مفهوم المواطن من جديد في مواجهة مع الأسمر والأسود والملتحي والمحجبة؟

في دولة تعددية معاصرة ، يتداخل في الواقع مفهوم الجنسية والمواطنة إلى حد إمكان اختزال كل منهما بإمكانية التقاسم الروتيني مع الطبقة السياسية للاختيار غير العنيف لمكوناتها والقيام بشكل استثنائي بدور الحكم لحل صراعاتها. وهناك أسئلة تطرح نفسها في إشكالية المواطنة مثل:

"
نقد تعبيرات المواطنة الموجودة يسمح لنا أيضا بالتفكيك الضروري لأشكال الظلم المتسترة وراء تعبيرات كاريكاتيرية للشرعية تنال احترامها لمجرد وجود سلطة عسكرية اقتصادية فائقة أو تواطؤ ثقافي وسياسي عالمي يوجب هكذا احترام
"
- كيف يمكن للتفريد المتصاعد لمفهوم المواطنة السياسي أن يأخذ بعين الاعتبار مفهوم الجماعة والمصالح العامة للجماعات والأفراد بما فيه حقوقهم البيئية والاقتصادية والاجتماعية؟

- كيف يمكن لمفهوم المواطنة أن يخلق الانسجام السكاني لمجموع المقيمين في وحدة سياسية دون أن يلغي ذلك الطابع المتعدد الثقافات والمتعدد القوميات لهذه الوحدة السياسية؟

في هاجس بلورة "مواطنة جديدة" لا مناط عنها ونحن نعاني التسلط بأشكال تجعل من المواطنة بأكثر تعبيراتها اختزالا حلما لكل شخص في مجتمعاتنا. لم تكن المواطنة يوما ابنة نص مكتوب، ومن هنا الإصرار على موضوعة كل إنسان مواطن لأن المؤشر النظري والأخلاقي والحقوقي الوحيد المشترك في غياب المشتركات هو ارتقاء البشرية في حدودها الراهنة وتكويناتها السياسية إلى مستوى الحقوق الاسمية الموحدة للبشر، بتعبير آخر، صيرورة كل الأشخاص مواطنين.

إن تحقق حلم كهذا يشكل دون شك ثورة تفوق في أبعادها الحضارية بكثير الثورة الفرنسية التي انطلقت من اليومي وممارسات السلطة لتعلن عن عالميتها، والحضارة الغربية التي لم تنجح بعد في وضع الإنسان في مكان يليق به في اقتصاد السوق. من هنا ضرورة وجود شبكة إنتاجية مدنية عالمية ليس فقط لحماية المجتمعات الصغيرة المغلوبة على أمرها، بل أيضا الفرد المحاصر بأشكال غير حصرية في كل مكان.

إن نقد تعبيرات المواطنة الموجودة يسمح لنا أيضا بالتفكيك الضروري لأشكال الظلم المتسترة وراء تعبيرات كاريكاتيرية للشرعية تنال احترامها لمجرد وجود سلطة عسكرية اقتصادية فائقة أو تواطؤ ثقافي وسياسي عالمي يوجب هكذا احترام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة