33 حزبا أردنيا.. الأردن إلى أين؟   
الخميس 1428/3/11 هـ - الموافق 29/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:05 (مكة المكرمة)، 13:05 (غرينتش)

قبل خمسة عشر شهرا، نشرت لنا مقالة على هذا الموقع بعنوان "الأردن إلى أين؟", فنوهت صحيفة "المجد" الأردنية المعارضة بأنه يجري تداول المقالة بكثافة بين النخب السياسية الأردنية، مضيفة أنها لا تملك إعادة نشر المقالة لأنها تتجاوز السقف المسموح به محليا.

وهذا نفس ما قالته الصحيفة الجادة عن مقالة أخرى نشرت قبل شهرين بعنوان "مأزق يدعو للقلق".. وبينهما مقالات أخرى تتحدث عن الأردن لي ولغيري تنشر خارجه, تتداولها النخب المعنية بالأردن (وتترقبها وتتابعها بانتظام أعلى دوائر صنع القرار حسب ما أبلغتني مكاتب هؤلاء الإعلامية).

"
المتوقع أن يكون تدخل الملك حاسما, ليس فقط لجهة التأثير على مجلسه وحكومته, بل لجهة إرساء معايير أخرى جديدة للحكومات ومجالس الأعيان القادمة, خاصة أن القوى الحزبية بنت توقعاتها على الحريات التي طالب بها الملك في خطابه أمام الكونغرس
"
ولكن أحدا لا يجرؤ على إعادة النشر لأن التزام الصمت هو القاعدة السائدة التي لا تخرق..

ولهذا كم هي المقالات والخطابات والمحاضرات المحلية التي لا تقول شيئا، وما أشد إعراض الجمهور عنها -نخبه وعامته- وبحثهم عما ينشر في الخارج ويتداول بالإيميل والفاكس!

هذا مع أن قانون المطبوعات والنشر المعدل، المتشدد أكثر من سابقه بدليل إجازته لحبس أصحاب الرأي (وليس الصحفيين حصرا كما جرى الترويج له), أقر قبل أيام فقط ولم يصادق عليه الملك بعد ليدخل حيز التنفيذ..

وهذا القانون، إضافة إلى قانون الأحزاب والانتخابات ومجمل قوانين الحريات العامة "المصادرة لهذه الحريات" -حسب تعبير الحزبيين ونقابة الصحفيين وهيئات حقوق الإنسان الرسمية والشعبية- هو أحد أسباب إعلان ثلاثة وثلاثين حزبا، مجتمعة وفي سابقة غير معهودة، أنها لا تستطيع التزام الصمت.

وها هي تتكلم.. وتطالب بالحرية خوفا من القمع السياسي (المتأتي من إحالة المدنيين والسياسيين إلى محاكم أمن الدولة, ومن التوقيف الإداري دون إذن محكمة, أو من قطع الأرزاق بالمنع من العمل، أو مصادرة حقوق مدنية وسياسية أخرى..) وحرية التعبير وحرية الاجتماع والحرية من العوز الذي بدأ ينتشر ويقسم البلد إلى أكثرية تحت خط الفقر وأقلية فاحشة الثراء!

وكل هذه "الحريات والحقوق" هي ما تصادره سياسات الحكومة التي يقرها أو يسكت عنها مجلس النواب, كما تصادرها التشريعات التي تأتي بها الحكومات وتقرها السلطة التشريعية بتشدد أكبر في الأغلب (حسب قول الأحزاب وغيرها من منظمات المجتمع المدني)..

لهذا قررت الأحزاب أخيرا "خلعا" من الحكومة والنواب والأعيان معا، وأعلنت لأول مرة، أنها لا تقبل الحديث مع رئيس الوزراء ذاته ولجأت للملك.

هذا مع أن تلك الأحزاب دأبت في السنوات الأخيرة على الاعتصام مرارا وتكرارا أمام مجلس النواب والأعيان، واصطفت طوابير وتزاحم قادتها على لقاء كل وزراء "التنمية السياسية" الذين أتت بهم الحكومات المتعاقبة من كل حدب وصوب، ناهيك عن لقاء رئيس الوزراء!

والآن جاء الطلاق البائن المفاجئ "بإلغاء" الأحزاب لاعتصام كان مقررا أن يتم أمام قبة مجلس الأمة، وبصيحة أطلقها وزير التنمية السياسية تحت القبة عند إقرار مجلس الأعيان لتعديلات النواب المتشددة على قانون الأحزاب: "هذه جريمة بحق الأردن".

وحين قرر رئيس مجلس الأعيان شطب عبارة الوزير من محضر الجلسة, كرر الوزير قوله مع قسم بأن "والله هذه جريمة بحق الأردن"!

وهذه العبارة, وإن شطبت من المحضر، فإنها دخلت الوجدان الشعبي ونزلت لسوق التداول، مثلها مثل المقالات الممنوعة في الداخل!

ولكي لا يظن أن الحكومة متقدمة على السلطة التشريعية، فإن صيحة الوزير لم تكن تمثل رأي الحكومة، إذ الحكومة تعرضت مرارا للوم حزبي وصحفي على التزامها الصمت وعدم دفاعها في مجلس الأمة عن البنود التقدمية القليلة التي كانت تضمنها بعض القوانين لتبدو "إصلاحية"، وذلك حين يرفضها النواب والأعيان ويستبدلونها ببنود أشد من الأصل المتشدد!.

ووزير التنمية الحالي قيادي حزبي أدخل للحكومة في التعديل الأخير، "كبند" إصلاحي آخر غير جاد، بدليل أنه لم يعرف أية حقيبة سيتولى (كان يظن أنها حقيبة "العمل" وفوجئ لحظة أداء القسم بأنها "التنمية السياسية").

"
ما آلت إليه الحكومة أكد مشروعية التخوف الذي أعربت عنه القوى الوطنية في بداية عهد هذه الحكومة من أنها ستغلّب الشأن "الأمني" على "الإصلاح السياسي"، بمعنى أنها ستتذرع بالأمني لتعلق كل برامج الإصلاح السياسي المطروحة
"
ولم يستشر لا في برنامجه ولا في برنامج الحكومة، بل لم يجر التحدث إليه بأكثر من سؤاله إن كان يقبل دخول الحكومة.. فقاطعته معظم الأحزاب, وجاءت صيحته تلك لتسجل حالة "انقلابية" غير مسبوقة من داخل جسم حكومي راكد تماما, ولتتجاوب، دونما تخطيط أو تنسيق, مع حالة نطق بالحقيقة فرضت نفسها في الشارع بأكثر من صورة وفي ذات اللحظة.

فالأحزاب كانت قد وصفت مجلس الأعيان بأنه "مجلس حكماء" في محاولة استمالته إلى جانب إعادة النظر في مشروع قانون الأحزاب الذي أقره النواب وقررت الاعتصام عند بابه.

هذا مع أن معايير "الخبرة" و"الحكمة" الواردة في الدستور التي كانت مطبقة عند اختيار الأعيان ولو شكليا، لم تعد يجري الالتزام بها هي أيضاً مؤخرا, بحيث فكر البعض في الطعن في تشكيلته لولا أن الأمل باستخلاص أي حكم قضائي بعدم الدستورية في أي شأن بات شبه منعدم.

و"الخبرة" التي تقول بعدم دستورية قانون الانتخاب (وقوانين الانتخاب والأحزاب والمطبوعات هي أهم أسباب تصاعد الأزمة بين القوى الشعبية والسلطتين التشريعية والتنفيذية، إذا استثنينا "الفساد" الذي هو ناتج حالة سياسية وليس سببا) سبق أن قدمت للملك في صيغة دراسة رفعها للقصر قبل انتخابات عام 2003 نقيب المحامين حينها (وهو النقيب الحالي لكونه فاز ثانية بالمنصب قبل أيام في انتخابات طغت عليها السمة السياسية).

وتكرر رأي "بيت الخبرة" القانونية والدستورية هذا في مرافعة تاريخية لثلاثة من أكبر المحامين (أحدهم وزير سابق والثاني نقيب سابق والثالث من أبرز الناشطين في مجال حقوق الإنسان) لدى العدل العليا قبل عام ونيف استمرت ليومين كاملين واحتشد لسماعها عدد كبير من المحامين، ونشرت (إثر رد القضية) في كتاب ليكون في متناول كل مهتم.

ومناشدة الأحزاب للملك للتدخل بعدم المصادقة على هذه القوانين، في فصل بين الملك ومجلسه التشريعي (الأعيان)، وبينه وبين "حكومته".. هذه المناشدة التي قالت فيها الأحزاب إن الحكومة ومجلس النواب أثبتا أن لا قدرة لهما على إصلاح بل "القدرة على صناعة الأزمات مع أبناء الوطن والتضييق على المؤسسات الوطنية", تعكس الخطوة ما قبل الأخيرة، التي لها سوابق في تاريخ شعوب أخرى تفاقمت همومها المعيشية بتفاقم الحريات والحقوق السياسية، مما قد يؤشر على أننا عند مفترق طرق تاريخي معروف.

والمتوقع بالتالي أن يكون تدخل الملك حاسما, ليس فقط لجهة التأثير على مجلسه وحكومته, بل لجهة إرساء معايير أخرى جديدة للحكومات ومجالس الأعيان القادمة, خاصة أن القوى الحزبية بنت توقعاتها على الحريات التي طالب بها الملك لشعوب المنطقة في خطابه أمام الكونغرس.

أما على صعيد مجلس النواب، فهو، دستوريا سيد نفسه ويمثل الشعب، وبوصلته ينبغي أن يحددها الشارع الأردني.

ولكن ما آل إليه حال المجلس الحالي -وهو ما سبق أن استوجب تلويح الملك بحله قبيل الثقة بالحكومة السابقة وتصريح تلك الحكومة بأنها "لن تدفع" للمجلس مقابل الثقة- يعود لقانون الانتخاب من جهة وتزوير شاب الانتخابات أبرزه ما تناولته الصحف حينها من "كي" البطاقة الشخصية المضغوطة لإعادة الانتخاب بها.

ولهذا يقول رئيس الحكومة الحالية إن حكومته قد تلجأ إلى ثقب البطاقة بدل كيها.. ولكن "قد" هذه لا تزيد عن كونها تطبيقا لبند واحد من مشروع قانون قدمناه كنواب معارضة مع بعض النواب الوسطيين قبل اثني عشر عاما, وجرى القفز عنه وتغييبه بصورة غير دستورية من الحكومات حينها، بالتواطؤ مع أغلبية نيابية جاءت بنفس الوسائل غير الدستورية وغير القانونية.

"
قرار 33 حزبا أردنيا مع قوى وطنية أخرى بالتصدي لأزمة الخبز وغيره مما يحيا به الإنسان رافضة "تسلط" السلطتين التنفيذية والتشريعية، قد يكون أول ترجمة مقنعة لشعار "كلنا الأردن" إن لم يكن ترجمته الوحيدة المقنعة
"
ولكن حتى العودة إلى مشروع قانون مجلسنا ذلك لا تكفي الآن لأن التجربة أثبتت أنه بدون "القائمة النسبية" لا مجال لرفع سوية النواب التي أدخلت الدولة فيما يتجاوز الخطأ إلى حرج بالغ جعل رفض القوى الشعبية لمجلس الشعب متطلبا رئيسيا لتتأهل للحديث باسم الشعب!

فجزء غير قليل من تلك الأغلبية النيابية القديمة المتواطئة يجلس في المجلس الحالي ويعلن عودته المضمونة له، ويضع مخططات أشبه بمن ضمن وراثة مقعد.

وجزء آخر منها بات يسمي نفسه "مراكز قوى" بأوسع مما تتيح له النيابة، فيحمل معه أو يرسل "رجاله" إلى المجلس بدلا منه! وهذا هو ما أحبط الشعب بعمومه.

وأحد أسباب العزوف عن الحزبية (إضافة إلى القوانين المقيدة للعمل الحزبي) هو أن الأحزاب لم تتصد لهذا الواقع، بل داهنته من موقع ضعيف..

ولهذا، وفي مواجهة قانون أحزاب يطيح بما تبقى لها من أمل، قررت الأحزاب، في الوقت الذي تناشد فيه الملك للتدخل، أن تتولى مهمتها بطريقة مباشرة، وذلك بالسعي إلى عقد مؤتمر وطني تحت عنوان "الأردن إلى أين؟"، لدراسة كل القضايا الوطنية التي تهم الأردن, بما فيها إعادة النظر في حزمة القوانين السياسية والاقتصادية والاجتماعية!

و"المؤتمر الوطني"، لمن لا يعلم خلفيات هذا الطرح وأبعاده هو ما تداعت لعقده القيادات الشعبية الأردنية عام 1928 -دون أن تأخذ إذنا من الحكومة للاجتماع مما يستذكره المحتجون على قانون الاجتماعات الحالي- لعلاج مجمل المشاكل السياسية المتأزمة حينها، والتي لا تختلف كثيرا عن مشاكل اليوم، مما أعاد فكرة المؤتمر الوطني للواجهة أكثر من مرة في عقد ونيف.

ما آلت إليه الحكومة أكد مشروعية التخوف الذي أعربت عنه القوى الوطنية في بداية عهد هذه الحكومة من أنها ستغلب الشأن "الأمني" على "الإصلاح السياسي"، بمعنى أنها ستتذرع بالأمني لتعلق كل برامج الإصلاح السياسي المطروحة بمبادرة شعبية أو من قبل كافة اللجان التي شكلها القصر, بدءا بلجان "الأردن أولا"، إلى مداولات ما سمي "بالتنمية السياسية " إلى "الأجندة الوطنية" التي جاءت في 2500 صفحة، ومعظم ما ورد فيها لقي ترحيباً شعبيا، ولكنه وضع كله على الرف.. إلى مبادرات ومشاريع ولجان جديدة على المستوى الوطني متداخلة أو متناقضة أو متراكبة، تضاف لكل ما عرضناه في مقالتنا "الأردن إلى أين", آخرها ما طرح تحت مسمى "كلنا الأردن"!

حتى اللحظة، كنا محتارين في معنى "كلنا الأردن" أكثر مما احترنا فيما عناه "الأردن أولا".. ولكن قرار 33 حزبا أردنيا ومعها قوى وطنية أردنية أخرى بالتصدي من جانبها لأزمة الخبز وغيره مما يحيا به الإنسان، رافضة "تسلط" السلطتين التنفيذية والتشريعية معا، قد يكون أول ترجمة مقنعة لشعار"كلنا الأردن"، إن لم يكن الترجمة الوحيدة المقنعة له.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة