تحية للانتفاضة في ربيعها الخامس.. المحصول والمأمول   
الأحد 1425/10/29 هـ - الموافق 12/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 8:47 (مكة المكرمة)، 5:47 (غرينتش)

















 

 

راشد الغنوشي

في الذكرى الخامسة لولادة الانتفاضة المباركة التي عبأت وراء مشروعها التحريري الشعب الفلسطيني بكل قطاعاته وكل شعوب العرب والمسلمين والقوى التحررية في العالم، وعبرت عن إبداعات نضالية تبلغ حد الاعجاز البشري، لا يجد مجرم الحرب قائد المشروع الاحتلالي سبيلا للتستر على هزيمة جيشه وشعبه والأنظمة المرتعبة من جيشه، لا يجد وهو يتأهب للانسحاب من غزة يجر أذيال الهزيمة -أسوة بسلفه في جنوب لبنان- غير إطلاق الدخان الكثيف.

فتبلغ الوحشية أقصى حدودها حتى لا ترى هزيمته على حقيقتها: بداية لانهيار مشروع الاحتلال جملة بعد انهيار معنويات وأحلام المحتلين سالكين نفس الطريق الذي سلكه كل المحتلين السابقين واللاحقين، بما يبعث ذلك من رسائل خطرة إلى المقاومة العراقية وإلى كل الشعوب المقهورة في المنطقة والعالم: ألا تخنع لميزان القوة المادي فمصير الحروب تحددها إرادات الشعوب المؤمنة وليست الأسلحة.

مئات من القتلى والجرحى ودمار واسع، والانتفاضة الثانية المباركة تشعل شمعتها الخامسة على صفيح فلسطيني ملتهب وغير بعيد عنه صفيح عراقي أشد التهابا، ما جعل من الموقعين أكبر بوتقة في الأمة وعالم المستضعفين لتوليد طاقات الصمود والنضال والتفاؤل بالمستقبل والطريق إليه، وذلك في مواجهة دعوات الاستسلام المتصاعدة لمنطق ميزان القوة المادية والعسكرية الذي يبدو قد حسم لصالح المعسكر الأميركي وحلفائه وعلى رأسهم الحليف الصهيوني المدلل، بما لا يبقى معه سبيلا للتعامل بعيدا عن منطق "إنقاذ ما يمكن إنقاذه".

وهو النهج الذي هيمن على قادة أكبر وأغنى منظمة تحرير عرفها الشرق الأوسط يوم أن أحست أن ظهرها قد انكشف بسقوط ظهيرها الدولي المتمثل في المعسكر الاشتراكي، وأنها راهنت في حرب الخليج على الجواد الخاسر، وأن المزاج الثقافي العام الذي كان محكوما بالثقافة الثورية العلمانية اليسارية والذي نمت في ظله علاقات المنظمة ومصالحها، قد حل محله مزاج ثقافي عام آخر ينهل من الإسلام المنبع الأبعد غورا في الأرض والأقدر على تعبئة القطاع الأوسع من الجماهير التي انتضته باعتباره أمضى أسلحتها سلاح الإيمان، وذلك أمام ضخامة الهجوم وسقوط الراية من يد ثوار الأمس الذين تقدم بهم العمر وثقلت غنائمهم، فاستبد بهم الحرص عليها وتعظيمها والعيش بالقضية بدل العيش لها.. بينما العدو يزداد نهما وعدوانا.

"
أغرى الهوان العربي والفلسطيني الرسمي والدعم الدولي الغرور الصهيوني غير المحدود أن يتراجع حتى عن السقوف الهابطة لأوسلو
"
فكانت أوسلو والمنظمة العتيدة التي تحولت من ثورة إلى  سلطة فساد وقمع لشعبها أسوة بأخواتها العربيات، من جهة، وكانت الانتفاضة من جهة أخرى، المشكل والحل، الداء والدواء ، وذلك مقابل غطرسة إسرائيلية تغرف من أساطير تلمودية دموية، ومدعومة من غير حدود بالدولة الأعظم في العالم وبوضع عربي رسمي بلغت به التجزئة الحضيض.

لقد أغرى الهوان العربي والفلسطيني الرسمي والدعم الدولي الغرور الصهيوني غير المحدود أن يتراجع حتى عن السقوف الهابطة لأوسلو وبالخصوص بعد أن رفض رئيس السلطة أن يمضي مع ذلك الغرور للنهاية تنازلا عن الأقصى، فكان تدنيس شارون لقداسة الأقصى القطرة التي أفاضت كأس الغضب الفلسطيني الذي وعد مجرم الحرب وقد بوأه شعب مريض سدة الحكم القضاء على الانتفاضة خلال مائة يوم.

واليوم مضت سنوات أربع لم يدخر فيها المجرم شيئا من وحشية لم يمارسها مع الشعب الأعزل لكسر إيمانه بخالقه وتصميمه المطلق على الدفاع عن حقه ومقدساته، بما أزهق ما لا يقل عن أربعة آلاف من الجانبين (بنسبة واحد إلى ثلاثة) بينما خاضت إسرائيل مع الجيوش العربية خمس حروب لم تبلغ خسائرها في الأرواح هذا الثمن الباهظ، لم يدخر العدو المتوحش وسعا في تدمير مقومات العيش في فلسطين المحتلة, حتى السلطة التي رعاها الاحتلال جاس خلالها تدميرا وتنكيلا، وانتهى الأمر برئيس "السلطة" إلى حشره في مبنى مدمر محاط بجيش الاحتلال ويسام فيه الهوان.

وما يمر يوم إلا وتشيع نفوس وتعوق أجساد وتجرف حقول وتنسف بيوت وتتوالى الاجتياحات، دون أن يفت ذلك في عضد هذا الشعب العظيم أو يوهن مقاومته الأسطورية الباسلة التي تتوالى إبداعاتها النضالية حتى تبلغ حد الإعجاز البشري، إذ يتسابق الفتية والفتيات على موارد الشهادة محاطين بمناخات روحانية حماسية عالية تشهد عليها الجنازات الحاشدة وزغاريد أمهات الشهداء والشهيدات وتوزيعهن الحلوى، فتتحول الجنازة عرسا رغم استيقان عائلة الشهيد أنهم لن يفقدوا الشهيد فقط بل سيفقدون البيت معه الذي سينسف بعد قليل.

ومن مؤشرات اتساع دائرة المقاومة واحتضان الشعب لها الانهيار المدوي لمسار التسويات ونفض الشعب يده منها حتى أن العلامات الفارقة المميزة للعمليات الفدائية الإسلامية قد اختفت، إذ انجذبت كل الفصائل تقريبا إلى هذه الساحة حتى توحدت مرجعية الجميع حول الإسلام والوطنية والتحرر من الاحتلال، بل إن الصراعات المعتادة زمن الفصائل العلمانية تنازعا حول الزعامة أو حول نسبة عملية أو حول قضايا أيدولوجية فتبلغ أحيانا حد التصفيات الجسدية وحتى الحرب المفتوحة، لم يعد يُرى لها أثر يذكر.

المحصول: ومع كل ذلك وبينما يتأهب هذا الشعب البطل بعد سلسلة طويلة من النكبات وعلى إثر سنوات أربع من جمر الانتفاضة والمقاومة ليلتقط في سنته الخامسة من المقاومة أولى ثمرات انتصاره وكفاحه البطولي، بعد أن حول حياة جيش الاحتلال جحيما لم يجد معه ملاذا غير الرحيل.

وبلغ المجتمع الصهيوني حد الاختناق وبروز مؤشرات عن نذر حرب أهلية بين قواه المتصادمة حول السبيل للتعامل مع المقاومة والاستيطان، وبعد افتضاح طبيعة هذا المشروع الاستيطانية الوحشية العنصرية، التي طالما روجت لنفسها وروج لها إخطبوط النظام الدولي الحامي لها أنها جنة للديمقراطية والحداثة وسط جحيم من التخلف العربي والإسلامي.

 وبلغ الافتضاح حد اعتبار أغلبية الرأي العام الأوروبي هذه الدولة أخطر دولة في العالم على السلام العالمي. مع كل ذلك لم يتردد وزير خارجية الولايات المتحدة كولن باول في التصريح أن الانتفاضة لم تحقق للشعب الفلسطيني غير الكوارث دون أن يجرأ على توجيه ولو إشارة نقدية للكيان الصهيوني وهو يقترف جرائم تندرج ضمن مفاهيم حروب الإبادة والجرائم ضد الانسانية كالتي تحصل في شمال قطاع غزة؟ كيف وجيشه يقترف مثلها أو أشد منها في العراق؟

الأغرب من ذلك ليس ما يردده حماة المشروع الصهيوني تثبيطا لعزائم الشعب الفلسطيني البطل وتحقيرا لإبداعاته النضالية المعجزة وتوهينا من عزائمه وهو يخوض لجج المعارك الضارية، فذلك منهم هو المرتقب وإنما ذلك الذي تسيل به أقلام عربية وحتى فلسطينية بزعم الإشفاق على شعب فلسطين.

وهم أنفسهم المشفقون على شعب العراق، المشفقون على هذا وذاك ليس من الاحتلال وإنما من المقاومة، ملوحين بأن أساليب السياسة وحدها كفيلة بطرد المحتل واسترجاع الكرامة وبانتزاع السيادة، مؤكدين بمثل ما فعل كولن باول أن الانتفاضة لم تحقق للشعب الفلسطيني تحررا بقدر ما شوشت على المسار السلمي وأفسدته، وزادت من معاناة الشعب وحرمته من التأييد الدولي، وفتحت المجال فسيحا أمام دعايات العدو بتأكيد إرهابية الشعب الفلسطيني وعزل قوى السلام الإسرائيلي، وفسح المجال أمام قوى اليمين الصهيوني والديني لقيادة الدولة الصهيونية وتقديم المسوغات لها لاقتراف المجازر وتدمير آمال شعب فلسطين في بناء دولته الوطنية، وحتى تدمير الحد الادنى من مقومات وجوده الاجتماعي والثقافي والسياسي.

أعجب ما في الأمر أن هذا الخطاب السفيه والمثبط والذي قد يبلغ حد الخيانة زمن الحرب لا يزال يحتل المساحة الأوسع في الإعلام العربي الممول من عرق الجماهير ذات الولاء المطلق للمقاومة في فلسطين والعراق. إنه جزء من ضريبة الدكتاتورية والتجزئة وعزلة النظام العربي عن نبض الجماهير وإدمانه على جلدها بكل سبيل.

ونكتفي في هذا الصدد بتأكيد النقاط التالية:
1- المقاومة السبيل الوحيد الذي سلكته كل الشعوب المستعمرة لاستعادة حريتها. تلك شهادة التاريخ، فكيف إذا كان الامر يتعلق باحتلال ذي خصوصيات منها أنه جزء من خطة دولية لإخضاع أمة وفرض التجزئة عليها وتعويق كل مشروع لتوحدها ونهوضها كما هي صورة الحال.

يشهد على ذلك أن مشروع تمكين اليهود من دولة في فلسطين، بدأ مع أولى طلائع الاستعمار في المنطقة ممثلة في غزو نابليون في نهاية القرن التاسع عشر لقلب المشرق العربي وتبنيه مشروع دولة يهودية في فلسطين، ثم تولت بريطانيا إصدار قرار إرسائه وتولت ذلك بنفسها، وسارعت كل القوى الغربية إلى الاعتراف به ومده بأسباب النماء تمويلا وتسليحا ودعما سياسيا وإعلاميا، لا تستثنى من ذلك دولة غربية واحدة.

ولو تخلت الدول الغربية عنه سنة واحدة لانهار كنمر من ورق. وستفعل ذلك يوم تصل أمتنا إلى حال من الصحة تفرض معها على الغرب الخيار بين مصالحه معنا وبين استمرار الدعم للمشروع الصهيوني.

"
يكفي المقاومة الباسلة إنجازا صمودها الرائع في مواجهة أعتى وأمضى وأحدث آلة عسكرية عرفتها البشرية، تلك الآلة التي انهارت إزاءها الجيوش العربية مجتمعة
"


2 - يكفي المقاومة الباسلة إنجازا صمودها الرائع في مواجهة أعتى وأمضى وأحدث آلة عسكرية عرفتها البشرية. تلك الآلة التي انهارت إزاءها الجيوش العربية مجتمعة.

والنصر الوحيد الذي حققه العبور كان منقوصا، ولذلك كانت نتائجه كارثية: ليست سيناء منزوعة السلاح وحسب بل مصر أكبر دولة عربية مكتوفة الأيدي منزوعة السلاح فاسحة المجال أمام الانفراد بدوليات العرب وتصفية القضية الفلسطينية، لولا أن قيض له المقاومة الباسلة فوقفت بصدور عارية تحول دون ذلك في ظل موازين قوة  اختلت لصالح العدو، وبلوغ النظام العربي بعد انسحاب مصر أسوأ حالات الضعف بما حمل المنظمة على ما يشبه الاستسلام وتصفية القضية.

فأن تظل قضية فلسطين على رأس جدول الاهتمامات البشرية، وبالخصوص بعد كارثة 11سبتمبر/ أيلول وما تلاها من أحداث مشابهة عملت على تهميش قضية فلسطين، وقدمت لمشروع الهيمنة الأميركية وحليفه الصهيوني الفرصة على طبق من ذهب تحت ذريعة الحرب على الإرهاب لتصفية كل قضايا التحرر وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وأن تتمكن الانتفاضة والمقاومة من الابقاء على القضية حية في مثل هذه الظروف، هو بحد ذاته إنجاز وأي انجاز.

3- تأزيم المشروع الصهيوني بنقل الألم والرعب إلى عمق مدنه وقراه ومستوطناته بعد أن عاش منذ تأسيسه مصدر رعب وكوارث وآلام لكل أهل فلسطين بل امتدت أذرعه ترهب العرب والفلسطينيين حيثما كانوا غيلة أو قصفا. ورغم أن حكمة المقاومة لم تبادله نفس الأسلوب فتنقل معركتها معه إلى كل الساحات بل اقتصرت على الساحة الفلسطينية، فإن رسالتها كانت واضحة: لن تحقق لكم الأمن أسلحتكم المتقدمة وأجهزة استخباراتكم العملاقة وحتى حصونكم والجدار ما دمتم مصرين على تحكيم قانون الغاب فينا وإهدار حقوقنا واستباحة أموالنا وأنفسنا.

يشهد على هذه الحقيقة كبار مفكريهم وسياسييهم العقلاء. كتب عوزي بنزيمان في صحيفة هآرتس بتاريخ 26-9-2004 "طالما بقي انتحاريون من أمثال زينب التي هرولت عن وعي وتصميم نحو حتفها في التلة الفرنسية القديمة في القدس، وبقي شبان فلسطينيون يتطوعون لمهاجمة المواقع العسكرية الحصينة للجيش الإسرائيلي آخذين في الحسبان أنهم لن يعودوا، فلن تنتصر إسرائيل على الإرهاب، وتظل إعلاناتنا للنصر تعبر عن أمنية أكثر مما تصف واقعا".

وليس بناء الجدار إلا أبلغ صورة عن تأزم المشروع الصهيوني الذي كان زعماؤه يتحدثون منذ سنوات قليلة عن سوق شرق أوسطي هم سادته وعقله المدبر، فضلا عن ظواهر كثيرة في نفس السياق كتوقف الهجرة أو تباطؤها والهجرة المضادة. بل إن إفراز قيادة من نوع شارون بديلا عن قيادة من نوع رابين وبيريز (قتلوا الأول وأبعدوا الثاني) ليس إلا صورة من صورة تأزم هذا المشروع . وهل هناك من قيادة لتدمير مشروع أفضل من قيادة كهذه. قال تعالى <وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا>.

4- منع المشروع الصهيوني من تمدده في المنطقة بما قدم نوعا من الحماية لبقايا النظام العربي التي لا تزال تحتفظ بإرادة الصمود أو عدم الاستسلام للشروط الإسرائيلية. بل إن المقاومة قدمت الدعم لقوى دولية لا تزال تمثل عائقا أو نوعا من الكبح للتفرد الأميركي بالقرار الدولي وتصفية القضية الفلسطينية وفق شروط حليفه الإسرائيلي، فأن تظل أوروبا مثلا مصرة على التعامل مع بقايا السلطة التي قررت الولايات المتحدة دفنها استجابة للمطلب الاسرائيلي، ما كان ذلك ليحدث لولا استمرار المقاومة.

5- الانتفاضة رافعة مهمة جدا للروح المعنوية في الأمة بل حتى أوسع من ذلك لدى القوى التحررية في العالم، وذلك من خلال تقديمها لنموذج متفرد في صناعة ميزان قوة يقف في وجه غطرسة السلاح والمال والإعلام مما تكاد تحتكره قوى الهيمنة.

إنها تؤكد في مطلع كل شمس وفي كل لحظة أن تقدم الآلة بكل أنواعها ومستوياتها لم يتمكن من تهميش الإرادة الإنسانية لا سيما إذا تسلحت بإيمان قوي مثل الايمان الاسلامي <إن ينصركم الله فلا غالب لكم> الإيمان الذي يعطي للحياة أبعادا غير متناهية تتجاوز أعمارنا القصيرة مستشرفة حياة الخلود في النعيم لمن وهب حياته لله جهادا من أجل إعلاء كلمة الحق وهدم الباطل.

ولذلك لم يكن عجبا أن تتحول الانتفاضة الفلسطينية النموذج الذي يحرك خيال الشباب الثوري في العالم والحركات المضادة للعولمة، لدرجة تحولت معها الكوفية الفلسطينية أبرز الرموز والألوان المؤطرة للمسيرات والتظاهرات الدولية للجماعات المناهضة للعولمة.

كل ذلك يؤكد هذه المقولة: إن فلسطين تعطينا أكثر مما نعطيها بل هي تحررنا أكثر مما نحن نحررها. فما أعظم بركات هذه القضية على الأمة وعلى عالم المستضعفين وقوى التحرر الانساني.

"
إن فلسطين تعطينا أكثر مما نعطيها بل هي تحررنا أكثر مما نحن نحررها. فما أعظم بركات هذه القضية على الأمة وعلى عالم المستضعفين وقوى التحرر الإنساني
"
نقاط الضعف: لعل أبرز نقاط الضعف في مشروع تحرير فلسطين عبر الانتفاضة والمقاومة:
أ‌- الارتباك الإستراتيجي لدرجة التناقض والتصادم في المنطلقات والأهداف المرحلية والنهائية وحتى في الوسائل.

ومن ذلك استخدام البعض للانتفاضة مجرد أداة للضغط السياسي، تحسينا لشروط التفاوض ضمن سقف بل سقوف قابلة للنزول عنها باستمرار حسب ضغوط العدو، وبمجرد وعد منه أو حتى بمجرد تلميح أو إيهام باستعداده لتحقيق بعض المطالب شريطة وقف الانتفاضة يصدر القرار بوقفها.

ذلك هو ما حصل في الانتفاضة الأولى، وكاد يحصل في الانتفاضة الثانية لولا راديكالية شارون وتصميمه على سحق كل ما هو فلسطيني، ومع ذلك لا يزال فريق غير قليل من النخبة التي أفسدتها السلطة أو هي قد أفسدها المال قبل ذلك يرنو ببصره إلى مجرد إشارة منه ليشتم المقاومة ويرميها بالإرهاب ويشجب عملياتها التي هو يقتات منها.

ولأن القاعدة (من يهن يسهل الهوان عليه) فقد كانت البداية مطالبة بكل فلسطين من البحر إلى النهر ثم القبول بدولة مستقلة على الضفة والقطاع وشطب الباقي، ثم بدت حبات السبحة تتساقط الواحدة بعد الأخرى حتى لم يبق من السلطة غير "المقاطعة" مهدمة.

ألم يأن الأوان بعد كل هذه التضحيات لنصف قرن أن يرسم الخط الذي لا تراجع بعده، وحتى لو لم يصل هذا الجيل إلى شيء من تحقيق الأهداف غير توريث الأجيال القادمة القضية حية واضحة المعالم والوسائل ومعها إرث نضالي مشرف يهدي الحائرين ويفجر الطاقات.

إن نلسون مانديلا رفض أن يساوم على هدفه الإستراتيجي في إسقاط نظام التمييز العنصري لصالح دولة تكون فيها حقوق المواطنة للجميع. وثوار الجزائر رفضوا أن يتنازلوا للمحتل عن الصحراء أو جزء منها، واستمروا يكافحون أكثر من 130 سنة، ودفع شعب الجزائر لتحرير وطنه مليونين أي حوالي ربع سكان البلاد، وكذلك فعل شعب أفغانستان للتحرير من المحتلين الذين توالوا على بلده، فهل تكون فلسطين بمقدساتها العظيمة أهون من ذلك؟

إن تحرير فلسطين من الصليبيين كل فلسطين تم في مدة لا تقل عن ذلك، فلماذا يكون هذا الجيل من الأمة أنفاسه قصيرة وسريع الهرولة إلى التنازل عن المبادئ حتى يلعن آخر هذه الأمة أولها، فتكون الأهداف التي فجرت ثورة القسام وعبد القادر الحسيني وقضى نحبه من أجل تحقيقها الآلاف وطحن جيل طحنا، وكذا فعلت الأجيال التي تلت ومنها الجيل الأول لمنظمة التحرير الذي صاغ إستراتيجية التحرير، هل تكون تلك المبادئ ضلالا والأرواح التي أزهقت هدرا؟

ألم يئن الأوان أن يعاد النظر في الثغرة التي تسرب منها الفساد، أعني فكرة الدولة الفلسطينية على أي شبر من فلسطين إلى أي مدى هي فكرة مبدئية؟ وإلى أي مدى هي فكرة واقعية فتتسع أرض فلسطين لدولتين؟ وإلى أي مدى هي صالحة  وليست هي بحد ذاتها باعثا في الداخل الفلسطيني على التنازع حول ما هو غير موجود أو تافه، كما هي باعث حساسية مع المحيط الفلسطيني والعربي وحتى الإسلامي من خلال تقديم الذريعة للتفصي من مسؤولية المنطقة والأمة في استعادة هذه المنطقة المقدسة من جسم الأمة، وهو ما يجعل الوقوف مع أهل فلسطين حتى التحرير ليس تفضلا ولا منة، بينما مشروع الدولة الفلسطينية والقرار الفلسطيني المستقل والمنظمة الناطق الرسمي والوحيد رغم ما حقق ذلك من بعض الإيجابيات كانت ثمراته في المحصلة زقوما.

ربما تكون المرة الأولى في التاريخ تتخلى حركة كفاح وطني على مهامها التحريرية وتتحول إلى سلطة تغرق حتى الآذان في نهب مساعدات مستجداة ويتولى العدو تسليحها لقمع شعبها ومقاومته، ثم تجد نفسها في النهاية بلا سلطة وكادت تكون بلا مقاومة لولا ما استقر في أعماق أمتنا من إيمان وإسلام وإرث جهادي عظيم وكل ذلك جريا وراء سراب الدولة، وكأن ما ينقص العرب هو دولة إضافية والحال أننا مختنقون ضائقون ذرعا بما عندنا من مصائب. ليس على جدول المقاومة غير بند واحد هو طرد الاحتلال.

وهي المهمة الكفيلة بجمع الصف الفلسطيني حولها ومن ورائه صف أمة العرب والمسلمين وقوى التحرر في العالم. وقد تستغرق هذه المهمة جيلنا وجيلا آخر من الأمة قبل الحديث عن موقع فلسطين المحررة في المنطقة والأمة.

ب‌- يبقى الوضع العربي والإسلامي على نحو أقل فضلا عن الوضع الدولي لا يمثل عامل دعم مهم لمشروع التحرير بقدر ما مصدر دعم للعدو. ففي الوقت الذي تبلغ فيه الوحشية الصهيونية المدعومة أميركيا بلا حد ذروة أخرى من الانتقام الفاشي، يعانق وزير خارجية الكيان الصهيوني ستة وزراء خارجية "عرب" مضافا إليهم "رئيس وزراء العراق". ويبلغ الود بين المسؤول الصهيوني ونظيره التونسي حد دعوة هذا الأخير للأول إلى زيارة وطنه تونس، ويمعن الثاني في النفاق فيعتبر نفسه وزيرا لخارجية تونس أيضا الدولة الوحيدة التي لها وزيرا خارجية.

"
ربما تكون المرة الأولى في التاريخ التي تتخلى حركة كفاح وطني على مهامها التحريرية وتتحول إلى سلطة تغرق حتى الآذان في نهب مساعدات مستجداة ويتولى العدو تسليحها لقمع شعبها ومقاومته
"
وذلك ضمن تنشيط مشاريع التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي تضاعفت مبادلاته التجارية مع عدة دول عربية لا تزال تدعي انعدام علاقات بينها وبين الكيان الصهيوني بعد أن قطعت بسبب الانتفاضة، فماذا حصل حتى تمتد تلك العلاقات مجددا (تضاعف حجم التبادل مع تونس مثلا ثلاث مرات)؟ ليس من سبب غير تردي النظام العربي في مزيد من الضعف السياسي بسبب انفصاله عن شعوبه، بما يجعله غير قادر على الوقوف في وجه الضغوط الأميركية الدافعة له دفعا إلى التطبيع مع الكيان، فضلا عن حاجته للدعم الاقتصادي الخارجي بسبب إغراقه في الفساد لدرجة خشيته من الانهيار.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن عدم وصول الضغط الشعبي إلى مستوى معين من التأثير على النخب الحاكمة الفاسدة يلجم هرولتها صوب التطبيع عبر التنسيق بين مختلف القوى السياسية، كان ذلك مما أغرى نخب الحكم أن تفتح ملف التطبيع مجددا عودا إلى أيام أوسلو التعيسة وكامب ديفد اللعينة التي فتحت أبواب دول العالم مشرعة في وجه النفوذ الصهيوني.

ج- إن ساحة مقاومة التطبيع وتجريمه ساحة قمينة ببسط مقام مشترك تلتقي عليه كل التيارات الوطنية والقومية والإسلامية الصادقة. وهو من أخصب مجالات الدعم لقضية تحرير فلسطين، وذلك أضعف الإيمان. وكثيرا ما استصرخ رجال ونساء من تحت الأنقاض إخوانهم العرب والمسلمين: لا نريد طعاما ولا شرابا نريد أن تشعرونا أنكم معنا أخرجوا إلى الشوارع محتجين، قاطعوا الكيان الصهيوني وكل من يقف معه. إنها أرض مباركة وقضية مباركة هي أذان لإيقاظ الأمة من غفلتها وآصرة قوة لتوحيد صفها وهي أوسع بوابات جنات النعيم.

د‌- قال تعالى <سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير> وكم في الأقصى المبارك وأكنافه من آيات.
ــــــــــــــــــ
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة