بعد المحرقة.. التيه السياسي   
الأربعاء 22/2/1430 هـ - الموافق 18/2/2009 م (آخر تحديث) الساعة 12:13 (مكة المكرمة)، 9:13 (غرينتش)


محمد إبراهيم المدهون

تحركات محمومة تلك التي تشهدها عواصم عديدة في العالم بعد محرقة غزة الرهيبة، دخلت هذه العواصم وأدخلت القضية في تيه سياسي وأمني يسعى إلى خلط الأوراق، رغم أنها نفس العواصم التي صمتت وغزة الجريحة تحرق بجنون العربدة وبشكل سادي مقزز.

"
الاحتلال ومن خلفه أميركا قد انقلب على نتائج الانتخابات الفلسطينية, ولم ولن يسمح لغزة تحت حكم حماس أن تمضي في طريق مفتوح ومفروش بالورود, ولن يسمح بأن تفتح أبواب العالم لغزة المحاصرة عبر مصر
"
قاصرة تلك القراءة التي تختصر مشهد محرقة غزة بمشهد تهدئة أو ضبط نفس أو وقف الصواريخ أو وقف ما يسمونه تهريب أسلحة.. إلى غير ما هنالك من تفسيرات ومطالعات، فما يجري على خطوط التماس في القطاع الجائع والمحاصر والمحترق أخيرا، ليس في واقع الحال سوى حلقة من سلسلة تبدأ من غزة ولا تنتهي في واشنطن مرورا بتل أبيب والقاهرة والدوحة ودمشق وطهران وأنقرة.

كان المطلوب وما زال إبقاء جذوة أنابوليس متقدة، وقطع الطريق على انهيار السلطة وفقدان شرعية الرئاسة الفلسطينية مطلع يناير 2009, وتسوية الحساب مع الخصوم (حماس) يكمن بشكل أساسي بتمديد مسار أنابوليس، بوصفه نقطة البدء في الفصل الأخير بسيناريو تصفية القضية وإعادة عقارب الزمن إلى الأيام الخوالي عام 1996 وما تبعه.

من الواضح أن الاحتلال ومن خلفه أميركا قد انقلب على نتائج الانتخابات الفلسطينية, ولم ولن يسمح لغزة تحت حكم حماس أن تمضي في طريق مفتوح ومفروش بالورود, ولن يسمح بأن تفتح أبواب العالم لغزة المحاصرة عبر مصر العروبة والإسلام.

والقرار بالمحرقة يأتي لمنع بقاء حماس, ومن المحظور بالتأكيد منح الحركة الإسلامية في العالم زخما عبر رئة غزة. قرار محرقة غزة يأتي في هذا السياق.

إنه التيه...
بالكاد يخرج شعبنا الفلسطيني من جدلية التيه بعد عملية التطهير ومنع الانقلاب على الشرعية الفلسطينية في يونيو/ حزيران 2007م، ورغم سيل المعلومات التي رشحت عن عملية الانقلاب المدبرة والتي أعد لها بعناية، وتم تدريب وإعداد الكوادر اللازمة في دول عربية شقيقة والتفاصيل بالغة الدقة التي ساقها أكثر من طرف لاسيما مجلة فانتي فير الأميركية.

فكان الانقلاب على خيار الشعب الفلسطيني ومنع التداول السلمي للسلطة الفلسطينية. كانت أميركا وإسرائيل والأجهزة الأمنية لحركة فتح ترغب في تحديد من يفوز في الانتخابات الفلسطينية أو تنقلب على الديمقراطية ونتائجها. ليس هذا وحسب بل كان انقلاب أميركا على الديمقراطية وبرامجها لنشر الديمقراطية بعد فوز حماس في العالم العربي.

والأنظمة أكثر من استفاد من ذلك، وعليهم تقديم كتاب شكر إلى حماس على تقديمها خدمة لصرف الأنظار عن حكمهم غير المنتخب عبر صناديق الاقتراع.

وقبل هذا الانقلاب على الشرعية وأثناءه وبعده، رزح شعبنا الفلسطيني عموما وشعبنا في قطاع غزة خصوصا تحت حصار ظالم جائر استهدف الأخضر واليابس، وأهلك الحرث والنسل بتواطؤ عربي وصمت عالمي تحت دعاوي واهية من مفردات هزمتها محرقة غزة كمفردات الشرعية والسلطة ومحور الاعتدال.

وبقي معبر رفح الشريان الوحيد لقطاع غزة المحاصر مغلقا باستمرار، فكان التيه في ضرورة تحديد من يفتح المعبر الأوروبيون.. الاحتلال.. مصر.. السلطة.. (أي سلطة) رام الله أم غزة؟ وعلى أي أساس يتم فتحه اتفاقية 2005 المنتهية أم اتفاقية جديدة أم أم... ويبقى المعبر مغلقا رغم شلال الدم ويبقى التيه مستمرا.

إنه التيه...
مع الصدمة الأولى للعدوان كان مطلوبا وبشكل فاضح وممجوج حرف البوصلة والدخول في التيه بالإجابة المغلوطة عن سؤال ليس في محله: من المسؤول؟ هل نتلعثم في تحديد من المسؤول عن العدوان البربري وحرق غزة، وأن حماس وقوى المقاومة هي من تتحمل المسؤولية برفض التهدئة وأنها ساقت الاحتلال إلى حرق غزة.

هذا ادعاء قديم متجدد، فقد كان أبو عمار رحمه الله وهو محاصر في غرفته مسؤولا عن الإرهاب ويجب أن يتم شطبه من الخارطة. ومضى الزمن ولم يكن هناك اتفاق سلام ولا دولة في حدود 1967م التي كان ينبغي أن نحتفل العام الماضي بتمام عقدها الأول.

وتصبح القاعدة للأسف أن المطلوب من شعبنا الفلسطيني القبول بالاحتلال والحصار أو أن يكون مسؤولاً عن القتل والحرق والدمار الذي سيحل به.

إنه التيه...
حين نغرق في تيه من انتصر في غزة؟ حين يبدو الجلاد متمنيا على الضحية تهدئة.. وحين تكون هناك لقاءات سياسية لتحقيق ما عجزت عنه الحرب.. وحين يفتقد الاحتلال (الجيش الرابع في العالم) الجرأة على المواجهة الميدانية الحقيقية ويكتفي بجس النبض والانسحاب والمحرقة وقتل الأبرياء بسادية مقززة..

"
الكيان المعتدي في مأزق وهناك أطراف دولية وعربية تصل الليل بالنهار لإنقاذه من انهياره الأخلاقي وسقوطه العسكري ومحاكمته القانونية وحمايته الأمنية
"
وحين يخوض هذا الجيش أجبن حرب يرمى بحممه من الفضاء على العوائل والأطفال والمساجد والبيوت والمؤسسات. وحين لا يتحقق الردع الموعود وتهوى الشروط الإسرائيلية بشكل متلاحق, وحين تستمر الصواريخ في الوصول رغم محدودية تأثيرها العسكري..

وحين يتحرك العالم لإنقاذ الجلاد القاتل ومنحه تعهدا بمنع وصول السلاح لغزة، وحين يتعهد حلف الأطلسي بمساعدة القاتل وتوفير بوارجه الحربية لمنع وصول السلاح للمقاومة, وحين يحتمون بخيار القوات الدولية وحين تتناقض دوافع الاحتلال من المحرقة مع الإنجازات التي حققتها. حين يتحقق كل ذلك لا علينا أن نغرق في جدلية وتيه: من المنتصر في غزة؟

كل ما يمكن قوله في ذلك إن الكيان المعتدي في مأزق، وإن هناك أطرافا دولية وعربية تصل الليل بالنهار لإنقاذه من انهياره الأخلاقي وسقوطه العسكري ومحاكمته القانونية وحمايته الأمنية.

إنه التيه...
إ
ن إغاثة المنكوبين والمشردين أولوية قصوى، وهذا ما تحققه حماس وحكومتها بفعل ميداني ينبغي -ونحن ندير ملف التهدئة- ألا ننسي أن تكون تهدئة مقابل فتح المعابر ورفع الحصار لا تهدئة مجانية كهبة يقدمها الطرف المظلوم للظالم.. لذلك التهدئة بشروطها تحقق معنى الانتصار السياسي المكمل لفعل الميدان.

ومن نافلة القول إن هناك تدافعا لخدمة الكيان بتهدئة تحقق شروطا لم يحققها في المحرقة. فالاحتلال في مأزق يخرج منه جزئيا بالتهدئة، وقيادة الكيان في هاجس السقوط المريع في الانتخابات، ذلك يفسر الحراك الكبير في عواصم تحترف حرف البوصلة تجاه أعداء وهميين.

إنه التيه...
حين تضج الدنيا وتهتف باسم شاليط حيث تبدو الرغبة عارمة عربياً وإسرائيليا في حراك ملف شاليط.. حين يحفظ العالم بأسره اسم شاليط.. ويحرصون على رسائل منه وإليه.. وصور وفيديو تؤكد بقاءه على قيد الحياة، في حين لا يحفظ أحد منهم اسما لأحد عشر ألف أسير فلسطيني.

ملف شاليط بحاجة إلى إدارة مختلفة عن ملف التهدئة وليس مرتبطا بالمعابر، وكل معلومة بثمنها ولا مانع من تحقيق إنجاز صفقة رزمة تشمل شاليط والأسرى والمعابر والحصار والتهدئة وكافة الملفات العالقة مع الكيان المعتدي.

ولكن غريب هذا التيه في هذا الملف كذلك حين تتم المطالبة بالإفراج عنه دون شروط ودون أن يكون مقابل من الأسرى الفلسطينيين أو أن شاليط مقابل فتح المعابر، وهكذا يغدو شاليط يساوي مليون ونصف مليون فلسطيني محاصر. وهكذا نُدخل مجدداً في نفق التيه.

إنه التيه...
حيث خيام المشردين ما زالت تنصب في كل مكان.. والعائلات الثكلى لا تجد من يقف معها.. وقبل أن تسكت النيران نلج رغما عنا في تيه الإعمار ومن المسؤول عنه، وممنوع أن يكون ملف الإعمار بحوزة حماس...

وأدخلنا البعض في تيه: من مسؤول عن ماذا؟ وماذا يسبق ماذا؟ هل الإعمار يسبق التهدئة أم العكس.. أم هل الإعمار يسبق المصالحة الوطنية وأيهما يسبق العربة أم الحصان.. وبقي المشردون في الطرقات والجراح لا تندمل.. ونحن نتحدث من أبراجنا العاجية عن المليارات التي سنقدمها للشعب الفلسطيني دون أن نرى أثرا أو نسمع ذكرا.

الإعمار يا سادة مسؤولية يجب أن يتحملها من قام بالتدمير.. والذين سيعمرون غزة سيعمرونها نيابة عن المحتل المجرم والعدوان النازي.. والذين يقدمون الأموال فإنما هم يقدمونها نيابة عن الاحتلال المعتدي.. لذلك يجب أن يتحمل المجرم الذي أهلك الحرث والنسل المسؤولية. ولا ينبغي كذلك أن نغرق في تيه: أين ومن ومتى وكيف سنقدم قادة الاحتلال لمحاكمتهم كمجرمي حرب.

إن مستوى الانحطاط الأخلاقي يبلغ مداه حين يقتل الأبرياء في الطرقات وتهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها ثم ندخل في تيه تسييس الإعمار والإغاثة والإعانة الإنسانية، ونغدو مساومين مجددا للضحية على جراحه النازفة، ونسعى جاهدين لتحقيق إنجاز سياسي بالعودة عبر مشروع مقاولات، ولا تغدو القضية بعد ذلك بالنسبة للناعقين بالإعمار أكثر من صفقة تستحق التدافع.

وتتعالى الأصوات في المؤتمرات الدولية والإقليمية والمحلية تحت عنوان ويافطة "إعمار غزة" والأصل أنها "الابتزاز من أجل الإعمار".

"
الحوار الوطني هام وضروري ولكن الأهم أن نخرج من حال التيه في تقديم الأولويات وترتيب الملفات.. إعادة بناء منظمة التحرير الخطوة الأهم باعتبارها من يبني السلطة ويلمّ الشتات ويوحد المرجعية
"
إنه التيه...

حين تُرفع يافطة المصالحة الوطنية بسؤال: ماذا يسبق ماذا؟ هل نريد حكومة وفاق تقدم الحلول للملف الأمني والإشراف على الانتخابات وخلافه، أم نقدم كافة الحلول للملفات جميعا. أم يتقدم ملف منظمة التحرير باعتبار إعادة بناء المنظمة إصلاحا للبيت الكبير وإعادة للأمور إلى نصابها باعتبار السلطة أحد أجسام منظمة التحرير وليس العكس. أم يتم تشكيل مرجعية للمقاومة الفلسطينية، وهل ذلك يصب في خانة القطيعة أم في تمايز المشاريع أم في إعادة بناء المنظمة الفاعلة من أجل بناء فلسطين الدولة.

الحوار الوطني هام وضروري، ولكن الأهم أن نخرج من حال التيه في تقديم الأولويات وترتيب الملفات.. إعادة بناء منظمة التحرير الخطوة الأهم باعتبارها من يبني السلطة ويلمّ الشتات ويوحد المرجعية.

إنه التيه...
حين تتحرك بعض العواصم كسلحفاة للحفاظ على ما بقي من ماء الوجه واستعادة زمام المبادرة، وإعادة توجيه البوصلة إلى عدو وهمي متجدد (إيران) يسعى بزعمهم إلى تنفيذ أجندته. لذلك تتحدث هذه العواصم وتجتمع سريعا (لعلنا نذكر اجتماعات القمة الخاصة بغزة) لكي تقول إن هناك أطرافا غير عربية (ليست إسرائيل بالطبع) وغير مرغوبة (ما يوضح المعنى المطلوب).

وحيث تتخبط الرؤية وتضيع البوصلة وتزيغ الأبصار بحثاً عن العدو... نعلم إنه التيه حين يخرج علينا من يعقد المؤتمرات سريعا ويقوم بالجولات تباعا وتكثر التصريحات واللقاءات والندوات، لنقول في النهاية إن العدو غير العربي وغير المرغوب فيه هو العدو الذي تخوض عنه حماس حربا بالوكالة.

ولا ندري عمن يخوض الاحتلال حربا بالوكالة.. وهل حازت إسرائيل على عضوية جامعة الدول العربية، ولماذا ذهب أمينها العام إلى دافوس إلى جوار بيريز ولم يذهب إلى الدوحة مثلاً في مؤتمر غزة إلى جوار مشعل؟

وهل نحن حلف مع إسرائيل أم مع القيادة الحالية في إسرائيل التي نسعى إلى تهيئة الأجواء كي تفوز بتحرير شاليط سريعا ومجانا وتهدئة مذلة للفلسطينيين وإعمار مسيس لغزة الذبيحة. إيران بالتأكيد لم تعلن يوماً حرباً ضد أي دولة عربية، أم أن حالة الاستحضار للعدو مطلوب في هذه المرحلة لمزيد من التيه.

إنه التيه...
من أجل إنجاح ميتشل وتمرير صفقة أولمرت عباس المذلة والنفخ في روح أنابوليس. وهل كل هذا يتم مع مراعاة المصالح الوطنية الفلسطينية والحفاظ على حقوق الإنسان، وبتجاوز اللاءات الإسرائيلية في اللاجئين والقدس والمياه والمستوطنات والقائمة تتسع، أم أنها محاولة لإعادة الشارع العربي والإسلامي إلى التيه بعد أن أيقظته الدماء النازفة والمساجد المدمرة والبيوت المقصوفة، وأشارت جميعها بأصبع الاتهام إلى العدو الحقيقي (الاحتلال).

الشارع العربي والإسلامي يا سادة يبحث عن قائد بعد أن فقد قيادته ويراه اليوم في أردوغان مثلا، لذلك قد يأتي يوم لعقد مؤتمرات لإيقاظ النزعة العربية في مواجهة العثمانيين أو القومية التركية كما يحلو للبعض اليوم أن يوقظ النزعة العربية في مواجهة الفارسية أو السنة في مواجهة الشيعة.

إنه التيه...
حين يغدو هناك حلف بين الكيان المعتدي (إسرائيل) وأطراف فلسطينية تسميها ليفني قوى السلام التي يجب أن تواجه قوى التطرف، يغدو السؤال مشروعا: هل المطلوب رأس المقاومة أم رأس الاحتلال؟

بالتأكيد هذا التيه يقود إلى الإيمان بقيادة المجتمعات وليس بقيادة الدولة القـُطرية، وانتقال المقاومة وخيارها إلى المجتمعات، وتحول الدول القـُطرية إلى خانة الحلف مع إسرائيل في مواجهة العدو غير العربي وغير المرغوب، ويزداد التيه تيهاً، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
_______________

كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة