الشرق الأوسط ودخان "الفوضى البناءة"   
السبت 1432/9/15 هـ - الموافق 13/8/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:26 (مكة المكرمة)، 13:26 (غرينتش)


لئن كان منطق العقل المجرد، يستطيع، بلا عناء، أن يسوق المبررات الموضوعية، سياسيا و أخلاقيا وفكريا، لزلازل الثورات العربية ما بين تونس وسوريا، مرورا بليبيا ومصر واليمن، وإيماء إلى دولٍ أُخرى يتماثلُ الاحتقان فيها إلى إنجاب انتفاضاتٍ شعبية مماثلة، فإنهُ – من جانب آخر – يبدُو من العسير جداً تجاهُلُ العامل الخارجي في هذه الانتفاضات والثورات الشعبية، خصوصاً أن جميع هذه الثورات، لا تكادُ تخرُجُ عن إطار نبوءاتٍ غربية، أميركية تحديداً، بشَّرَت بها في سياق مخطط متكامل، لم تجد مؤسساتُ الإدارة الأميركية المسيطرُ عليها من قبل "المحافظين الجدد"، حرجاً في الإفصاح عنهُ تحت مُسمَّى "الفوضى البناءة".

• ومصطلح (الفوضى البناءة Constructive Chaos) أو (الفوضى الخلاَّقة Creative Anarchy) مصطلحان ظهرا في مطالع هذا القرن – تحديداً في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001م- ليُعبِّرا عن توجُّه في السياسة الأميركية، احتشد لهُ من التنظير والبحث ما أهَّلَهُ ليتخذ موقعاً في مصاف النظريات السياسية المكتملة والمتكاملة، وانطلقت الإدارة الأميركية في إنفاذه دون مواربة أو حرج.

"
بما أن مخطط "الفوضى الخلاقة" هو من صنف المخططات ذات الطابع الاستخباري، فإنهُ ليبدُو غريباً –بل وغير مسبوق– جراءة الإدارة الأميركية في الإفصاح عنهُ
"
وبما أن مخطط "الفوضى الخلاقة" هو من صنف المخططات ذات الطابع الاستخباري، التي لا يصلُحُ إسنادُها إلا إلى عناصر المخابرات، فإنهُ ليبدُو غريباً –بل غير مسبوق– جراءة الإدارة الأميركية في الإفصاح عنهُ وإعلانِهِ سياسة مشرعنة ومعتمدة رسميا من قبل صانع القرار الأميركي، بإزاءِ ما جرت عليه العادة من إحاطة العمليات ذات الطابع الاستخباري، عالميا، بسُترٍ كثيفةٍ من السرِّيَّة المُظلمة.

ولا بد أنَّ هذا الإعلان لم يأتِ اعتباطا، إذ كان بمقدور الإدارة الأميركية أن تعمل على إنفاذ سياستها في نشر الفوضى في الشرق الأوسط، بذات السرِّيَّة التي تُنجَزُ بها عملياتها الاستخبارية المألوفة، ولكن يبدُو أنَّ هذا الإعلان يتخذ دوراً جوهرياً في نجاعة ونجاح مخططات الفوضى (البناءة من وجهة النظر الأميركية).

وهذا الافتراضُ من جانبنا أملاهُ افتراضٌ آخر هُو استحالةُ أن يكُون مُنظِّرو ومفكِّرو وخبراء السياسة الأميركان بالغباء الذي يجعلهُم يُفصحُون عن مخطط ذي طابع استخباري دون مبرر أكيد لذلك الإفصاح، ولعلَّ بعض النظرِ في طبيعة العمليات التي تنتمي إلى تعريف "الفوضى الخلاقة"، يكشِفُ بعض مزايا ذلك الإفصاح.

• وواضحٌ أنَّ إحدى أهم مزايا هذا المصطلح الشيطاني، هي كونُهُ يحملُ في دلالات اسمه نفسها زُبدة تفاصيله، فإشاعة الفوضَى في مجتمعٍ ما هي عملٌ يُمكنُ أن يتخذ أشكالاً عديدة، ودينامياتٍ مختلفة، ويُسفِرُ أيضاً عن نتائج مختلفة من حيث الحجم ومن حيث المترتبات والمآلات.

فالفوضى الأميركية الخلاقة يُمكنُ أن تتجلَّى في عملياتِ اغتيالٍ محدودة بشخصياتٍ مؤثرةٍ، منهمكةٍ في ارتباطاتٍ وعلاقاتٍ وعداواتٍ وخصوماتٍ ذات طابع طائفي أو مذهبي، لتكونَ بمنزلة المفتاح لفتنةٍ, قد تطولُ وتتشعب ويُنسي بعضُها بعضاً، وتنسخُ نتائجُها مقدماتها، ولا يعدمُ المراقِبُ شواهد هذا الصنف من صنوف الفوضى الأميركية الخلاقة في المنطقة العربية خلال سنوات العقد الأخير.

ولكن المفهوم "المعياري" للفوضى الخلاقة هُو ما عبَّرت عنهُ كونداليزا رايس، في ثنايا حديثٍ لها لصحيفة واشنطن بوست، في أبريل/نيسان 2006م، حول تعريف المصطلح وأهميته، قالت "إن الفوضى التي تفرزها عملية التحول الديمقراطي -في الشرق الأوسط- في البداية هي من نوع "الفوضى الخلاّقة" التي ربما تنتج في النهاية وضعا أفضل مما تعيشه المنطقة حاليا!!.

"
من الطبيعي ألاَّ تتم قراءة التحولات الثورية في المنطقة العربية بمعزلٍ عن مخطط الفوضى البناءة الأميركي، ولكن يجب أيضا ألاَّ تُسفر هذه القراءة عن اتهامٍ أو تجريمٍ للانتفاضات الشعبية العربية
"
• من الطبيعي جدا، والمنطقي جدا،  والحالُ هذه، ألاَّ تتم قراءة التحولات الثورية في المنطقة العربية بمعزلٍ عن مخطط الفوضى البناءة الأميركي ، ولكن –في الوقت نفسه– يجب ألاَّ تُسفر هذه القراءة عن اتهامٍ أو تجريمٍ للانتفاضات الشعبية العربية، التي هي في الواقع مبرَّرةٌ ومشروعة، بل ومطلوبة، بمعطيات واقع هذه الشعوب المنتفضة، كما يجب ألاَّ تحملنا هذه القراءة على تبرئة الأنظمة التي انطلقت في وجهها هذه الانتفاضات، ذلك لأن تجريم الانتفاضات أو تبرئة الأنظمة هما في حد ذاتيهما موقفٌ يُندرجُ ضمن أهداف الفوضى الخلاقة، ولعلَّ هذا هُو بعضُ تجليات "الحكمة" في إعلان سياسة الفوضى الخلاقة.

ولئن كان الإعلام العربي قد أكَّدَ –نقلاً عن الإعلام الأميركي أو عن بعض رموز الإدارة الأميركية– أن الإدارة الأميركية قد "فوجئت" بالثورات في مصر وتونس واليمن، على الأقل، وهو اعترافٌ أميركي من شأنه أن يُفرح الشعوب المعنية ويومئ إلى عظمة ثوراتها، ومن شأنه –أيضاً– أن يغري إعلامنا العربي بتتبع المفاجأة –مفاجأة ثوراتنا العربية العظيمة للأميركان أنفسهم– ويوسعها تحليلاً ودرساً وتثميناً، فلعلها تكونُ الكذبةُ الوحيدة في سياق الفوضى الأميركية البناءة بالشرق الأوسط.

وهي كذبةٌ يسنِدُها بعض المنطق العجول، ذلك المنطق الذي يُقرِّرُ –بدءاً– ألا مصلحة أميركية في إشعال ثورات في مصر وتونس واليمن، حيث الأنظمة الحليفة، تقليدياً للأميركان، وأن الدور الذي كان مرتقباً من أميركا، إن كان لها بالفعل سابق علم بهذه الثورات وبمآلاتها، هو العملُ بكل ما تملك على إبقاء الأنظمة وعلى رموزها الثلاثة، مبارك وبن علي وعلي عبد الله صالح، وإفشال الانتفاضات الشعبية.

وبما أنها لم تفعل ذلك –على الأقل بالنسبة لمبارك وبن علي– فذلك يؤكدُ أنها ضحيةٌ للمفاجأة، وأنها –الإدارة الأميركية أعني– عاجزة أمام قوة الثورات العربية .. هذا المنطق يتجاهلُ تماماً تقليداً أميركياً عريقاً في اتخاذ ومعاملة الحُلفاء، فحُلفاء أميركا جميعهم –ما عدا إسرائيل– هُم أشخاصٌ وليسوا دُولاً إلا من باب المجاملة، وهُم –كأشخاص لديهم دائماً "تاريخ انتهاء صلاحية، بالنسبة لأميركا، وتاريخُ انتهاء الصلاحية هذا لا دخل للعواطف فيه.. ثمة دائما مرحلةٌ تنتهي ومرحلة تبدأ، مشروعٌ ينتهي ومشروعٌ يبدأ، حليفٌ ينتهي دورُهُ ليبدأ العمل حليفٌ جديد.

والعادةُ الأميركية القديمة في اتخاذ الحلفاء بالمنطقة العربية ظلَّت تُقيمُ ميزاناً دقيقاً بين مَدى صلاحيَّة زعيمٍ عربيٍّ حليفٍ لأميركا في رعاية مصالحها، وبين مَدى القبول الذي يحظى به داخل بلده ومنطقته، ولقد ثبت للإدارة الأميركية أن شرط "القبول" هذا قد بدأ يتزعزع بالنسبة إلى كل من مبارك وبن علي، الأمر الذي يحِدُّ كثيراً من نفوذهما المطلق في تقديم المصلحة الأميركية أو الإسرائيلية على مصالح بلديهما، كما يبدُو أن عملية "استزراع" البديل لكل من بن علي ومبارك قد اكتملت حسب القراءة الأميركية للساحة الثورية في كل من تونس ومصر .. هل يعني هذا أن نتعاملَ مع مفرزات الفوضى الخلاقة الأميركية في المنطقة العربية باعتبارها "قَدَراً" لا مفرَّ منه؟

"
لئن كان مخطط "الفوضَى الخلاقة" مخططاً مُعلناً، لأهدافٍ يراها أربابُهُ، فإن مواجهة الفوضَى الخلاَّقة –ولذات الأسباب– تستوجِبُ مُخطَّطاً "سرِّيَّاً" من تصميم النخبة العربية
"
• ها هُنا يتجلَّى الامتحانُ الحقيقي للنُّخب العربية، ولئن كان مخطط "الفوضَى الخلاقة" مخططاً مُعلناً، لأهدافٍ يراها أربابُهُ، فإن مواجهة الفوضَى الخلاَّقة –ولذات الأسباب– تستوجِبُ مُخطَّطاً "سرِّيَّاً" من تصميم النخبة العربية، (ولعلَّ مثل هذا الحُلم، بمُخطَّطٍ بنَّاءٍ تجتمعُ حولَهُ نُخبةٌ عربية، في ظلِّ واقعنا الذي نعيش، يبدُو حُلماً مُمعِناً في اللاواقعية، ولكن لا مناص من تحققه، كشرطٍ وحيدٍ للنجاة من فخاخ الفوضى الأميركية الخلاقة).

والامتحان الذي أعنيه هُو أن تُدرك النخب العربية تماما أنَّ الإدارة الأميركية –عبر عناصر مخابراتها بمختلف تخصصاتها ومسمياتها، وعبر عُملائها ووكلائها في المنطقة العربية– ماضيةٌ في استغلال كل التناقُضات العربية، سواءً التناقُضات بين الأنظمة وبين الشعوب، أو التناقُضات بين الطوائف المختلفة، أو التناقضات بين المذاهب، سياسيةً كانت أو أيديولوجية أو دينية، أو التناقُضات والتفاوُتات الاقتصادية بين الأغلبية الفقيرة والأقلية المرفهة، كل هذه وغيرها من التناقُضات تظلُّ وقوداً مثالياً للفوضى الأميركية الخلاقة، التي تؤمِّنُ المصلحة الأميركية الإستراتيجية المتمثلة في بقاء شعوب المنطقة مفككةً متناحرةً عاجزة، ومُحتاجةً دوماً إلى "الوصاية" الأميركية.

لن تستطيع النخب العربية أن تُقنع الإدارة الأميركية (بالمنطق) برفع يدها عن المنطقة، وقطعاً لن تستطيع ذلك بالقوة، فلم يبق إلا خيارٌ وحيدٌ، هُو خيار "التعايُش" مع مخططات الفوضى الخلاقة ولكن بعد تحييدها إن لم يكن "توظيفها"!!..

• إن انتباه النخبة المصرية، مثلاً، إلى حقيقة أن ساحة ثورتهم ليست ملعباً حصرياً للمصريين وحدهم، وأن التدخل الأميركي –إن لم يكُن سابقاً للثورة نفسها– لن يدع أمر المستقبل في أيدي المصريين وحدهم، ولن يألوَ جهداً في فعل أي شيءٍ لضمان أن النظام القادم في مصر إن لم يكن امتداداً للسابق فلا أقل من أن يكونَ حليفاً أكثر إخلاصاً للإرادة الأميركية من السابق.

"
إدراك النخبة المصرية حقيقة أن ساحة ثورتهم ليست ملعباً حصرياً لهم, هو أحد أهم مطلوبات المرحلة، وهُو الأمرُ الأكثر إلحاحاً في أية أجندة وطنية حقيقية
"

إن إدراك النخبة المصرية هذه الحقيقة هو أحد أهم مطلوبات المرحلة، وهُو الأمرُ الأكثر إلحاحاً في أية أجندة وطنية حقيقية، والأكثر حاجةً إلى البحث والمواجهة بترسانةٍ متكاملة من الأسلحة الدبلوماسية و"الإبداعية" اللازمة لمباراةٍ متطاولة في حرب العقول .. ذلك أمرٌ تفصيلُهُ يطول، ولكن خُلاصته أن يُدرك الجميع، في مصر وفي ليبيا وفي اليمن وسوريا، أن وقوع ثوراتهم الوطنية النظيفة في براثن الفوضى الأميركية (الخلاَّقة) هُو مخططٌ أكبرُ عُمراً من هذه الثورات، وأن للأميركيين أصابعهُم ليس فقط في التخطيط لما بعد الثورات، ولكن حتى في نسيج بعض الثورات، كاليمن وسوريا.

حيث لا تخفى الأصابع التي تعملُ على قيادة ثورة الشعبين إلى غاياتٍ محددة، يكُونُ مآلها أدنى إلى الحروب الأهلية التي يصعُبُ التكهُّنُ بمآلاتها، والفوضَى في حدِّ ذاتها يُمكنُ أن تكُونَ إنجازاً أميركياً (خلاَّقاً).. والاستقرارُ في المنطقة  –بخلافِ ما تُؤكد الإدارةُ الأميركية دائماً– ليس في مصلحة أميركا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة