نظرة عراقية إلى "أوباما العظيم"   
الثلاثاء 1430/2/1 هـ - الموافق 27/1/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:35 (مكة المكرمة)، 12:35 (غرينتش)


شاهد العراقيون في احتفالات تنصيب باراك حسين أوباما، رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، شيئاً مختلفا عمّا رآه وشاهده العالم بأسره. لم يكن الاحتفال بالنسبة لهم -وهذا أمر مؤكد- مجرد حفل تقليديّ لتنصيب رئيس أميركي جديد، وبالمعنى الذي ألفوه أو سمعوا عنه من احتفالات مماثلة.

إن ذاكرتهم الجمعيّة تحتفظ بصورٍ مختلفة ومغايرة كليا للصور التي عاشوها، طوال السنوات الثلاثين الماضية من عمر "العراق البعثي"، عندما كانت "احتفالات" تنصيب الرئيس " تأخذ شكلا وحيدا هو شكل" المبايعة " و"تقديم الولاء" في تظاهرات جماهيرية مُسيطر عليها.

"
استعاد العراقيون في لحظات تنصيب أوباما التاريخية، صورتهم الجماعية كشعب، عندما كانوا يبايعون، بين حين وآخر وحسب المقتضيات العامة للبلاد، الرئيس الوحيد صدام حسين، فيما يعرف بـ"احتفالات البيعة "
لقد استعادوا في تلك اللحظات التاريخية، صورتهم الجماعية كشعب، عندما كانوا " يبايعون، بين حين وآخر وحسب المقتضيات العامة للبلاد، الرئيس الوحيد "صدام حسين، فيما يعرف بـ"احتفالات البيعة" وهي تظاهرات حكومية كانت تنظم بديلاً عن الانتخاب المباشر.

بيد أنهم مع ذلك، وبعد نحو ست سنوات من الاحتلال الأميركي، يكتشفون بمرارة -أين منها مرارات الماضي- أن آمالهم "بتنصيب رئيس حقيقي لعراق حقيقي" وفي "احتفالات حقيقية" يشاركون فيها بملء إرادتهم ورغبتهم وإيمانهم وإنْ تحت حراب المحتلين، قد ذهبت أدراج الرياح.

لقد حرمتهم الإمبراطورية الأميركية حتى من هذا الحق البسيط الذي وعدتهم بتحقيقه. ولذلك فما شاهده العراقيون يبدو مختلفا. لقد كان بالضبط "حفل تنصيب لإمبراطور جديد" على عرش إمبراطورية كبرى لا تزال جديدة أيضا.

وفي هذا المنحى المحددّ من عملية تلقي الصور عن الأحداث والوقائع الجارية من حولهم، أدرك العراقيون المعنى الذي انطوى عليه تعبير باراك حسين أوباما (حان الوقت لإعادة العراق لشعبه).

إذن ها هي الإمبراطورية التي سبق لها وأن نكثت بوعودها، تقول وبلسان الإمبراطور الجديد، إنها قررت إعادة تسليم العراق الذي استولت عليه بالقوة، لأهله وقواه السياسية وشعبه. فهل ستفي بوعدها هذا، أم أن الإمبراطور الجديد سيواصل الاحتفاظ "بدرّة الخليج" في التاج الإمبراطوري الأميركي؟

من المؤكد أن الرئيس الأميركي أوباما لم يقل أي شيء جديد بخصوص السياسة التي سوف تتبعها واشنطن حيال الوضع في العراق، فهو اكتفى وعلى عكس الكثير من التوقعات، بإعادة ترديد ما سبق له وأن تحدث عنه، نعني "تسريع وتيرة الانسحاب". ولذلك فمن حق العراقيين أن يفهموا عبارة "تسليم العراق لشعبه" على أنها قد تعني إعادة ترتيب علاقة الإمبراطورية بمستعمرتها العراقية.

لقد كانت واشنطن في سلوكها وغطرستها ومدنيتها كذلك، تتشبّه دوما بروما القديمة. وكان أحد الكتاب الأميركيين على حق، عندما كتب أثناء انهيار الاتحاد السوفياتي السابق أن واشنطن سوف تتعامل مع هذا البلد بعد نهوضه من انهياره، بالطريقة ذاتها التي تعاملت فيها روما مع أثينا، وقد تكتفي لسنوات طويلة "بالتشاور معه" بأكثر مما تهتم بقوته وسياساته.

وعندما اجتاحت واشنطن بلاد الرافدين في حملة حربية مدمرة، راح كتاب آخرون في الولايات المتحدة وأوروبا، يصدحون بموشح "القرن الأميركي" وببقاء واشنطن في بلاد ما بين النهرين لمائة عام.

"
سوف تبدو احتفالات تنصيب "أوباما العظيم" إمبراطورا في روما جديدة، بالنسبة للعراقيين، وكأنها رسالة رمزية للعالم، مفادها أن واشنطن قد تحتفظ بالعراق لوقت طويل، ولكن من دون أن يعني ذلك أنها لن تسلمه لشعبه
"
ولهذا كله، سوف تبدو احتفالات تنصيب "أوباما العظيم" إمبراطورا في روما جديدة، بالنسبة للعراقيين، وكأنها رسالة رمزية للعالم، مفادها أن واشنطن قد تحتفظ بالعراق لوقتٍ طويل، ولكن من دون أن يعني ذلك أنها لن تسلمه "لشعبه".

وقد التقط "جيش المجاهدين في العراق" أحد أهم فصائل المقاومة العراقية المسلحة هذه الرسالة الرمزية، فأصدر على الفور بيانا يحذر فيه من مؤامرة "تسليم العراق لعملاء الاحتلال". لا يعني هذا التحذير -من وجهة نظر جيش المجاهدين- أن من يحكم العراق اليوم
"ليسوا من عملاء الاحتلال" بل يعني أن الاحتلال قد يسلم مصير ومستقبل العراق لجماعات جديدة من اختراعه وتلفيقه، أي لجماعات سياسية وعسكرية مرتبطة به.

والحقيقة أن مثل هذا التطور في حال وقوعه، لن يكون مفاجئا أو غريبا، فالتاريخ الاستعماري وتجارب التحرر الوطني ونضالات بلدان العالم الثالث من أجل الاستقلال في القرن الماضي تؤكد بقوة، أن الدول الاستعمارية سحبت جنودها في نهاية المطاف بالفعل، ولكنها قامت بتسليم البلدان المستعمرة لجماعات سياسية وأحزاب وجنرالات وثيقي الارتباط بسياساتها ومصالحها.

وهذا التصوّر يدعم ويثبّت ما يتخيّله العراقيون اليوم لمستقبل ومصير بلادهم بعد الانسحاب، وربما يعزز كل ما يقال ويشاع عن بقاء طويل الأمد. إن أي محاولة لفهم السلوك الإمبراطوري الأميركي الجديد في المنطقة العربية، يجب أن يلاحظ بدقة أكثر، تطورات وآفاق وحدود الصراع الدائر حول العراق، سرّا وعلنا بين طهران وواشنطن، فهذا الصراع لا يدور في نطاق السياسة وحسب، بل إنه يدور أيضا في نطاق التاريخ والثقافة والمصالح الكبرى.

إن روما الجديدة التي تريد الاقتراب من الشرق أكثر فأكثر، تكتشف أن عدوها القديم لا يزال في المكان نفسه، فإيران تحل محل فارس القديمة، تماما كما تحل واشنطن محل روما القديمة. أما مسرح الصراع فهو المسرح نفسه الممتد من صنعاء حتى بلاد الشام.

وبالطبع فإن أي محاولة لفهم سلوك الإمبراطورية الجديدة في عصر "أوباما العظيم" يجب أن تتلازم مع فهم سلوك كل الإمبراطوريات في التاريخ الإنساني، فهو يكاد يكون سلوكا متماثلاً ومتشابها، فكما أن الأعداء القدامى يبرزون في مسرح التاريخ من جديد، ليواجهوا بعضهم بعضا ويواصلوا صراعا يبدو أزليا ومتواصلا دون رحمة أو توقف، فإن الدول والأديان والثقافات سوف تبرز في قلب هذا الصراع.

إن تفهم حالة العراق في إطار الصراع الإيراني-الأميركي على النفوذ في هذا البلد وفي المنطقة ككل، هو المفتاح الحقيقي في التعرّف على سلوك "أوباما العظيم" في سنوات ولايته الأولى.

إن الإمبراطوريات، كما يعلمّنا التاريخ لا تتردد -في سبيل تثبيت أسس عظمتها وهيمنها على العالم- عن القيام بأي عمل تتطلبه هذه المهمة المقدّسة، حتى وإن ساقتها الظروف لاعتناق ديانات أعدائها.

"
الإمبراطوريات، كما يعلمّنا التاريخ لا تتردد -في سبيل تثبيت أسس عظمتها وهيمنها على العالم- عن القيام بأي عمل تتطلبه هذه المهمة المقدّسة، حتى وإن ساقتها الظروف لاعتناق ديانات أعدائها
"
لقد وجدت الإمبراطورية الرومانية نفسها في القرن الأول الميلادي، ومن أجل مواجهة النفوذ الفارسي في الشرق، مضطرة (مستعدة ومهيأة روحيا وثقافيا كذلك) لاعتناق المسيحية، وهو دين عربي في الأصل، بل وأن تجعل من عاصمتها عاصمة للعالم المسيحي الجديد الذي كان يتشكل للتوّ، فكان أمرا منطقيا أن تصبح روما الوثنية عاصمة للعالم المسيحي، بينما ظلت فارس على دينها الوثني.

والتاريخ يُعلمّنا كذلك، أن مسيحيّة روما لم تكن نهاية محتومة لعصور من الخواء الروحي وحسب، بل كانت في شطر عظيم منها، تعبيرا عن الرغبة في اعتناق دين الشرق، ولكن من أجل توحيد الشرق نفسه وضمه تحت راية الإمبراطورية الرومانية.

وإذا كان الهدف التاريخي للإمبراطورية الرومانية في التوسع والهيمنة، تطلب ذات يوم أن تصبح روما الوثنية "مسيحية على دين العرب القديم" -ولكن بعد صهره تحت نار الجدل الفلسفي الإغريقي- فإن روما الجديدة يمكنها أن تقدم للعالم العربي ولأفريقيا ابنها (الذي رعته العناية الإلهية لشركات احتكار السلاح والنفط والدواء والسجائر) باراك حسين أوباما. إن لونه الفريد واسمه الغريب في تركيبته، يتضمنان رموزا  شديدة الحيوية من الأديان الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام، فهو من أب مسلم زنجي، ولكنه مسيحي الديانة، بينما اسمه يهودي (باراك).

ولذلك علينا أن نتذكر جيداً سلوك الإمبراطوريات في التاريخ، فحين سعت روما إلى الاقتراب من تخوم الشرق والاحتكاك بالفرس (الوثنيين) وزحزحة نفوذهم عن الممالك الصغيرة والقبائل في البادية العربية، فقد كانت تدرك قوة السلاح الروحي.

لقد كانت روما القديمة مثل روما الجديدة، إمبراطورية هائلة القوة والجبروت، بيد أنها كانت خاوية روحيا، فهي لم تمتلك قط دينا عظيما. وهذا هو الوضع الراهن لروما الجديدة، فالولايات المتحدة الأميركية في صراعها التاريخي مع إمبراطوريات الشرق، روسيا الأرثوذكسية وإيران الشيعية ليست مسيحيّة تماما، أو لنقل إنها لم تعد مسيحيّة بما يكفي لتلبية متطلبات الصراع القديم مع فارس.

بكلام آخر، ليس في يد الولايات المتحدة الأميركية رسالة روحية كبرى تتقدم بها نحو الشرق، كما فعلت روما القديمة. إنها إمبراطورية عظيمة من دون "دين عظيم"، بينما يبدو خصمها الفارسي وكأنه أعاد بعث الإسلام القديم كسلاح روحي لا سبيل لمواجهته.

الغريب في الأمر، أن الصراع ظل يدور طوال أربعمائة عام (من القرن الأول الميلادي حتى نهاية القرن الرابع ومنتصف الخامس) في المسرح ذاته للصراع الدائر اليوم بين طهران وواشنطن، من نصيبين وحلب شمالاً حتى مملكة الحيرة في العراق شرقا، مرورا بنجران وصنعاء في الجنوب والجنوب الغربي. وفي قلب هذا الصراع كان العراق يشمخ بدمه وحيدا ومحطما.

مع العصر البيزنطي (نحو القرن الثالث) وبعد نحو قرنين كاملين من الصراع الروماني-الفارسي الذي شهد التوقيع على معاهدات صلح وهدنة لا حصر لها، سوف يقوم (قسطنطين العظيم) الصاعد إلى عرش بيزنطة، بإنشاء العاصمة الشرقية للإمبراطورية الرومانية البيزنطية التي تحمل اسمه القسطنطينية إلى اليوم (فيما بعد سوف يصبح اسمها الأستانة ثم إستانبول).

"
ليس ثمة تغيير في سياسة أوباما في الموضوع العراقي، وقد تصبح مسألة "تسليم العراق لشعبه" مجرد هدف صغير في معركة كبرى من أجل انتصار الإمبراطورية الأميركية في الشرق
"
كانت خطوة قسطنطين تعبيرا من تعبيراتٍ عدّة عن نزعة إمبراطورية تقليدية للاقتراب من تخوم الشرق وتطويق نفوذ الفرس. ولذا جرى وبانتظام تحويلها إلى عاصمة للشرق المسيحي كله. وهذه المرة، وجدت بيزنطة مع قسطنطين العظيم أنها -وفي سبيل الحفاظ على مكانتها في العالم القديم كإمبراطورية- يجب أن تعتنق مذهبا مسيحيا شرقيا حتى وإنْ بدا هذا المذهب مخالفا للعقيدة الرسمية.

كان اعتناق المسيحية ومن ثم بناء القسطنطينية تجسيدا لروح سياسة التغيير التي اتبعها قسطنطين العظيم في القرن الثالث الميلادي، إذ كان على بيزنطة (كما فعلت روما) أن تضمّ تحت جناحي الإمبراطورية كل الشرق، وأن تقوم بتوحيده حتى وإن اضطرها ذلك إلى اعتناق دينه أي مسيحيته.

وفي العصر الحديث، سلكت إمبراطورية أخرى السلوك نفسه، ففي القرن الثامن عشر، سار الفرنسيون على خطى روما، وتقدموا من البوابة المصرية من أجل توحيد الشرق العربي وضمّه تحت جناحي الإمبراطورية النابليونية.

وفي سبيل هذا الهدف شجع بونابرت شيخ الأزهر ودفعه ليعلن من فوق المنبر (أن نابليون هو خليفة المسلمين). وهكذا، فقد وجد نابليون نفسه وهو يسير على طريق قسطنطين العظيم مستعداً وراغبا في محاكاة تصرف وسلوك روما في الشرق القديم، وأن يقدم نفسه كمسلم حقيقي ما دامت مصالح فرنسا تقتضي ذلك.

صحيح أن فرنسا أخفقت في الحفاظ على الدرّة المصرية، وأخفقت في بلورة مشروعها الإمبراطوري في الشرق كما فعل الرومان والبيزنطيون، ولكن الصحيح أيضا أنها سارت ببطء على الطريق نفسه، لتؤكد على حقيقة أن كل الإمبراطوريات في التاريخ، يمكن أن تسلك السلوك نفسه في سبيل الحفاظ على موقعها التاريخي ومكانتها ومصالحها.

ليس دون معنى إذا، أن "روما الجديدة" اختارت إمبراطورا أسود اللون (تسري في عروقه دماء أب مسلم). "أبو حسين" كما يناديه العراقيون اليوم، سيظل مثل أسلافه راغبا في توحيد الشرق كله تحت رايات الإمبراطورية الأميركية، وهذا الهدف، مثلما سيبرهن التاريخ، لهو أكبر بكثير من مجرد وعود كاذبة بالتغييّر.

ليس ثمة تغيير في سياسة أوباما في الموضوع العراقي، وقد تصبح مسألة "تسليم العراق لشعبه" مجرد هدف صغير في معركة كبرى من أجل انتصار الإمبراطورية الأميركية في الشرق.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة