العراق وصدام العِرقيات بعد صدام الطوائف   
الثلاثاء 1429/9/16 هـ - الموافق 16/9/2008 م (آخر تحديث) الساعة 8:58 (مكة المكرمة)، 5:58 (غرينتش)


أظهرت أزمة كركوك، وكذلك النتائج التي نجمت عن "سياسة التصعيد المتبادل" بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان، فيما يتعلق بالسيطرة على بعض مدن ديالى إثر المعارك التي نشبت مؤخراً ضد ما يُدعى "فلول القاعدة"، أن أزمة التحالفات السياسية داخل الفريق الرباعي الحاكم في العراق، قد تكون مرشحة بالفعل للانتقال إلى طور جديد سيتسم -وعلى طول الخط- بكونه طور الصدام المفتوح بين "العِرقيات".

كما أظهرت الأزمة أن احتمالات انزلاق العراق نحو نوع من "حرب أعراق" تصبح فيها الجماعات القومية أكثر تطلعاً وطموحاً إلى "إشباع هوياتها" وتحقيق شروط إنشاء كيانات قومية خاصة بها، احتمالات حقيقية ومفتوحة على كل تطور أو انقلاب في المواقف، وأنها -فضلاً عن ذلك- احتمالات يصعب أو يستحيل تجاهلها أو التغاضي عن آثارها ونتائجها في المدى المنظور.

ولأن الصراع الذي احتدم في الآونة الأخيرة على خلفية تمرّد قوات "البشمركة الكردية" على أوامر الحكومة المركزية ورفضها الامتثال لقرار بسط الجيش الحكومي سلطته في مدن شرقي بغداد، يأتي في سياق تدهور العلاقات بين الائتلاف الشيعي (المؤلف من المجلس الأعلى وحزب الدعوة) والتحالف الكردستاني (المؤلف من الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني) وفي سياق تدهور الثقة السياسية بينهما، فإنه بات -والحال هذه- يمتلك كل أسباب ومقومات الأزمة القابلة للاستمرار، ولم يعد مجرد سوء تفاهم حول قضايا قابلة للمعالجة.

"
الصراع الذي احتدم في الآونة الأخيرة على خلفية تمرد قوات البشمركة الكردية على أوامر الحكومة المركزية، بات يمتلك كل أسباب ومقومات الأزمة القابلة للاستمرار ولم يعد مجرد سوء تفاهم إزاء قضايا قابلة للمعالجة
"
كما أن الصراع نفسه بفعل طبيعته وتحت ضغط المشاعر القومية المتأججة، يمكن أن يخرج عن السيطرة ويتحول إلى نمط جديد يسهل إشعاله وتحريكه وإدامته بأدوات وشعارات "عِرقية" معلنة.

والمثير للاهتمام في هذا النطاق أن الائتلاف الشيعي -وعلى غير العادة والمألوف في خطابه السياسي التقليدي- صار يتحدث عن "عروبة العراق" وعن الخطر الذي يهددها.

وبالطبع، فقد برزت شعارات "عروبة العراق" بشكل مفاجئ وخارج سياق التراث النظري للشيعيّة السياسية العراقية -الذي لا يأتي قط على ذكر كلمة العروبة وقد يعدها من تراث خصومه البعثيين- لتؤكد أن الائتلاف الشيعي بات جاهزاً لاستخدام هذا النوع من الذخيرة في مواجهة خصومه القوميين الأكراد.

وكل هذا يعني أن أزمة كركوك–خانقين مرشحة لأن تصبح مقدمة عنيفة في صراع عِرقي ستنخرط فيه قوى من خارج الفريق الحاكم.

وكما يتبين من جملة مؤشرات يمكنها أن تحدد معالم الصراع في المرحلة المقبلة، فإن مجموعة ملفات عالقة استحال حسمها أو التوصل إلى مقاربة مقبولة لحلها طوال السنوات الخمس المنصرمة، مثل قضية كركوك ومسألة "كردية بعض مناطق خانقين" وقانون انتخابات مجالس المحافظات، وحق الأكراد في إبرام اتفاقيات نفطية، وأخيراً ملف المفاوضات مع الأميركيين حول الاتفاقية الأمنية (حيث جرى استبعاد وزير الخارجية الكردي هوشيار زيباري).. هذه الملفات هي السبب الرئيسي والمباشر في الانقسام الحاصل داخل التحالف الرباعي الحاكم.

ولكن يتبين من جملة معطيات أخرى أن الملفات العالقة ليست -ولم تكن في الأصل- سوى تعبير عن أزمة ثقة عميقة، وأن التحالف الحاكم قد يتجه بسرعة نحو اصطفاف داخلي لا سابق له، قوامه العرب والتركمان والآشوريون (في المركز والأطراف) من جهة، والأكراد (وممثلو بعض الأقليات الصغيرة الأخرى) من جهة أخرى. وهذه كل العناصر اللازمة للانتقال من "صدام الطوائف" إلى "صدام الأعراق".

إن ما بات يُعرف في الأدبيات السياسية الرسمية والشعبية العراقية "بشهية الأكراد" للهيمنة على مساحة هائلة تمتد من شمال العراق حتى أطراف بغداد الشرقية من أجل إنشاء "كيان قومي كردي" بقوة الأمر الواقع، هو أكثر بكثير من مجرد تعبير عاطفي عن تنامي مخاوف العرب والتركمان من سياسة القضم الإداري للمدن والمناطق ذات الأقلية الكردية خارج حدود إقليم كردستان.

والأدق، أنه تعبير عن إحساس حقيقي باقتراب العراق من مرحلة الصدام بين الإثنيات بعدما تخطى العراقيون الصفحة المأسوية في الصراع المرير بين "المذاهب والطوائف".

وبالفعل، فقد خرج التنازع على بعض المدن والمناطق بين العرب والأكراد من جهة، وبين الأكراد والتركمان وبقية الأقليات من جهة أخرى، من حدود كونه تنازعاً إدارياً تقليدياً يمكن أن ينشب في أي وقت على خلفية رسم حدود المحافظات العراقية، وأضحى صراع إرادات سياسية بين شركاء الحكم أنفسهم.

وبهذا المعنى فسيكون العراق عرضة لنمط جديد من المخاطر، فبدلاً من الصراع الطائفي داخل المجتمع -كما رأينا في المرحلة السابقة- سيكون هناك صراع عرقي داخل الدولة.

"
سياسات الحزبين الكرديين في الآونة الأخيرة فيما يتعلق بكركوك وخانقين أدت إلى بروز مخاوف من نهج انفصالي حقيقي يتغذى من طموحات غير واقعية، وربما من أوهام بوجود فرصة تاريخية أمام الأكراد يجب اغتنامها لتحقيق حلم الدولة القومية
"
ومن غير أدنى شك، فقد أدّت سياسات الحزبين الكرديين في الآونة الأخيرة فيما يتعلق بكركوك وخانقين -حتى من وجهة النظر الحكومية- إلى بروز مخاوف من نهج انفصالي حقيقي يتغذى من طموحات غير واقعية، وربما من أوهام بوجود فرصة تاريخية أمام الأكراد يجب اغتنامها لتحقيق حلم الدولة القومية.

ويمكن في هذا الإطار تحديد نوع وطبيعة المشكلة الراهنة التي تواجه الحزبين الكرديين في إدارتهم للأزمة مع بغداد، فهم يريدون الاحتفاظ بحصتهم السياسية في الحكم داخل المركز، وفي الآن ذاته توسيع حصتهم الجغرافية في الأطراف.

ولذلك كان أمراً متوقعاً بصورة مطردة أن تؤدي هذه السياسة -عاجلاً أم آجلاً في حال استمرارها- إلى تفاقم التنازع الإداري وتحوله إلى تنازع عرقي قد يعاود الانتقال من حيز الدولة إلى حيز المجتمع، وبحيث يصبح العراق برمته -وليس السلطة فيه وحسب- ساحة حرب جديدة طاحنة وذات طابع عرقي خالص.

ولئن كان الحزبان الكرديان يتحملان كامل المسؤولية عن حدوث هذا الصراع ونتائجه المدمرة، وهذا أمر يجب أن يقال علناً وبوضوح تام ودون لبس، فإنه لا أحد ينكر حقيقة أن الائتلاف الشيعي دفع بالأزمة نحو أقصى درجات الاستعصاء، إذ -ولأسباب أنانية وطموحات حزبية ضيقة- انتقل بسرعة من مرحلة إضعاف الشركاء السنة العرب (التوافق والحزب الإسلامي) إلى مرحلة إضعاف الشركاء السنة الأكراد في الحكم، وبالطبع مستغلاً ومستثمراً الكثير من الأخطاء والحماقات.

وفي هذا النطاق من الاستغلال جاء قرار رئيس الوزراء تجميد صلاحيات رئيس أركان الجيش (كردي) في أعقاب أزمة خانقين، ليدلل على حقيقة أن الائتلاف الشيعي اغتنم الفرصة الذهبية هو أيضا وسعى بكل الوسائل إلى انتزاع هذا المنصب الحساس من أيدي الأكراد، لا بهدف الرد على محاولة الحزبين الكرديين انتزاع بعض مدن ديالى أو ردعهما عن الاستمرار في سياسة القضم الإداري، وإنما من أجل توسيع دائرة احتكار السلطة وإعادة مركزيتها كلياً في أيدي رئيس الوزراء، وهو أمر يعيد تذكيرنا بالأزمة التي نشبت بين الطالباني ورئيس الوزراء السابق إبراهيم الجعفري على خلفية سعي الجعفري إلى قضم صلاحيات رئيس الجمهورية الكردي.

ويتضح من قراءة معمقة في أهم محطات المرحلة السابقة أن الائتلاف الشيعي استغل في الكثير من الأحيان أخطاء وضعف جبهة التوافق، كما استغل الأداء الانتهازي للحزب الإسلامي.

لكن هذا الاستغلال بلغ ذروته خلال الأشهر الأخيرة حين تمكن من إقناع التوافق وحملها على العودة إلى الحكومة بشروطه هو وليس بشروط التوافق أو الحزب الإسلامي.

كما أن الائتلاف الشيعي استثمر فرصة طي حقبة "الصراع الطائفي" وتسريع وتيرة تسلم الملفات الأمنية من القوات الأميركية في مختلف المحافظات، ليضمن إمكانية تقديم نفسه إلى الرأي العام العراقي والعربي كفريق حاكم قادر على إشاعة الاستقرار.

اليوم، يعود الائتلاف ليستغل أخطاء حلفائه الأكراد وتهورهم وربما انعدام بصيرتهم إزاء ما ستسفر عنه سياسة القضم الإداري، وبالطبع من أجل تقوية ودعم احتكاره للسلطة وليس من أجل دعم وتقوية وحدة العراق الجغرافية والسياسية أو الدفاع عنها، بدليل أن الائتلاف لم يتخل لحظة واحدة عن سياسة "إنشاء الفدراليات"، وهي سياسة لا يزال الأكراد يدعمونها دون تردد.

اللافت للانتباه أن الائتلاف وهو يدافع عن عروبة العراق في وجه الطموحات الكردية، يواصل مساعيه العلنية لفرض الفدرالية، بل لعله يسعى اليوم نحوها بقوة، خصوصاً بعدما أزاح أبرز منافسيه في الساحة الشيعية (التيار الصدري) وبعدما عمل على تحطيمه وتمزيق فلوله في بغداد والجنوب.

إذا كان الدفاع عن عروبة العراق يعني الدخول في صدام عرقي مع الأكراد فإنه لمن المنطقي أن يرى المرء فيه شعاراً زائفاً ومضللاً، لا غرض له سوى تبرير نشوب حرب مدمرة بين الأعراق والإثنيات الصغيرة في بلد ممزق خرج للتو من حروب الطوائف.

"
إذا كان الدفاع عن عروبة العراق يعني الدخول في صدام عرقي مع الأكراد، فإنه لمن المنطقي أن يرى المرء فيه شعاراً زائفاً ومضللاً لا غرض له سوى تبرير نشوب حرب مدمرة بين الأعراق والإثنيات الصغيرة في بلد ممزق "
وكما أن هذا الشعار كان يرتبط في الماضي -وبذاكرات العراقيين- بالدكتاتورية التي استغلته أبشع استغلال، فإنه سيرتبط في ظل الاحتلال ليس باحتكار السلطة من جانب طائفة واحدة وحسب، بل وبمسؤوليتها عن انزلاق العراق في حرب قوميات.

ليس ثمة مخرج حقيقي من الأزمة المستفحلة داخل التحالف الرباعي حول ملفات كركوك وخانقين وعقود النفط وقانون الانتخابات والفدرالية، إلا بالعودة إلى النقاش المجتمعي المفتوح حول الدستور وإعادة صياغته وطرحه للاستفتاء من جديد، فالدستور هو الذي وفر الأسباب والذرائع لكل الطوائف والأعراق من أجل المطالبة "بحصتها" من العراق.

ودعونا نطرح على إخوتنا الأكراد المساومة التالية: الفدرالية مقابل كركوك، أي مقايضة مسألة فدرالية الإقليم الكردي بقدس الأقداس كركوك، فإذا كنتم تريدون هذه المحافظة إدارياً كجزء من إقليم كردستان، فتفضلوا وتخلوا عن "فدرالية الإقليم" واقبلوا بعراق واحد و"بمواطنة" عراقية واحدة لا تعرف ولاء لأي وطن آخر.

وعندئذ خذوا كركوك وأي مدينة تشاؤون، فكلها مدن عراقية ضمن عراق واحد، فلن يضير العراقي شيئاً إذا أصبحت ميسان جزءا إدارياً من البصرة، أو أن تصبح الحلة جزءا من بغداد أو يجري إلحاق تكريت بالموصل أو أن تغدو كركوك جزءا من شمال العراق.

بكلام آخر، لا يمكنكم أن تأكلوا البيضة و"التقشيرة" وتحصلوا على فدرالية مع كركوك وخانقين، لا بالقوة العسكرية ولا بالمناورات السياسية. لقد أصبح الطريق إلى كركوك مزروعا بالألغام، والذين يريدون تجربة المشي في حقول الألغام عليهم أن يدركوا سلفاً الثمن الباهظ للحماقة.

وعلى الائتلاف الشيعي المنتشي بانتصاراته على حلفائه وشركائه في الحكم، أن يختار دون لف أو دوران أو تضليل، بين الدفاع عن عروبة العراق ووحدته، بالأفعال لا بالأقوال، وبين أحلام قادته في فدراليات شيعية ستؤدي لا محالة إلى تمزيق العراق، بل وأن يختار واحداً من أمرين: إما العودة إلى الدكتاتورية والماضي البشع لسياسة احتكار السلطة، أو القبول بالشراكة السياسية مع الجميع.

وقديماً ردد العراقيون مثلاً ظريفاً يقال في معرض فضح الانتهازيين ممن يتحينون الفرص: أنت لا يمكنك أن تجمع الشتاء والصيف فوق سطح واحد.. أليس كذلك؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة