تشكيل حكومة عراقية محلية الصنع.. تلك هي المسألة؟   
الثلاثاء 1431/4/22 هـ - الموافق 6/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:22 (مكة المكرمة)، 13:22 (غرينتش)

 

أغرب ما في حالة العراق الراهنة، أن الطبقة السياسية فيه توشك على التحوّل كليًّا إلى طبقة وكلاء محليين لقوى دولية وإقليمية متصارعة ومتنافسة.

إن تحوّل بلد ما تحت الاحتلال إلى ميدان لصراع قوى أجنبية، ليس أمرا شاذا أو غير مألوف في التاريخ، والعراق نفسه عاش بعمق تجربة صراع شبيه ومماثل، بين قوتين جبارتين فوق أرضه طوال 400 سنة متواصلة من تاريخه الحديث، اشتبك خلالها العثمانيون مع الإيرانيين طوال الفترة الممتدة من عام 1511م حتى سقوط بغداد في قبضة البريطانيين عام 1917.

"
في حين تتشدق الطبقة السياسية بأن العراق يمشي إلى المستقبل وإلى الأمام بالفعل، يرى العراقيون التعساء بلدهم يترنح في دروب الماضي ذليلاً ومهانًا
"

ما يجعل الأمر غريبًا ومثيرًا، أن هذا الصراع يعيد تشكيل الطبقات الاجتماعية لنفسها في سياق تحللّ الدولة والمجتمع، بحيث تصبح الطبقة السياسية مثلاً طبقة جديدة مؤلفة من "وكلاء محليين" يبدون أقصى قدر من الاستعداد لتلبية متطلبات الصراع الدولي الإقليمي على مستقبل البلد ومصيره. 

وما هو أكثر غرابة من كل ذلك، أن العراق يبدو في أنظار هذه الطبقة السياسية المؤلفة من وكلاء محليين متنعمين بالمال والجاه والنفوذ، بلدًا جديدًا ومستقلاً وديمقراطيًّا واتحاديًّا نموذجيًّا، ولكنه في أنظار مواطنيه البسطاء والفقراء والمحرومين والمهمشين والجياع، سيبدو بلدًا ممزقًا عديم الاستقلال بصورة مروّعة، كما أنه ليس ديمقراطيًّا ولا اتحاديًّا.

طبقًا لمنطوق هذا التناقض بين التصورين فإن العراق -تحت حكم طبقة الوكلاء المحليين- يبدو مثل قاطرة تسير في سرعتين مختلفتين وفي اتجاهين متعاكسين، إلى أمام وإلى وراء في الآن ذاته. وفي حين تتشدق الطبقة السياسية بأن البلد يمشي إلى المستقبل وإلى الأمام بالفعل، يرى العراقيون التعساء بلدهم يترنح في دروب الماضي ذليلاً ومهانًا.

ولقد شعر العراقيون وخصوصًا من أبناء الشيعة، بالمهانة والذل وهم يشاهدون صور رئيس الجمهورية وهو يتسلق بصعوبة سلم الطائرة المتوجهة إلى طهران، للتفاوض على تشكيل الحكومة الجديدة، حتى إن أحد المواطنين الفقراء من مدينة الصدر تساءل بمرارة أمام عدسات المصورين: ألا يوجد مكان لبحث مسألة الحكومة إلا في طهران؟

لقد كشفت نتائج الانتخابات (7 مارس/آذار 2010) كما لم تكشف أي تجربة سابقة منذ تشكيل مجلس الحكم المؤقت، حقيقة أن حالة العراق هذه، وهي نموذجية بكل تأكيد، ليست سوى نتاج وخلاصة تناقض غير قابل للحل، أو لنقل نتاج تناقض استعصى على أي حل، فهو شكليًّا ومن خلال تنظيم "لعبة انتخابية ناجحة" كما يقال، يبدو بلدًا ديمقراطيًّا فريدًا من نوعه، خصوصًا إذا ما نظر إليه من داخل عالم عربي يعّج بالمستبدين، ولكنه من الناحية الواقعية يبدو بلدًا مُنتهبًا مسلوب الإرادة، تتلاعب بمقدراته مجريات صراع ضارٍ ومتواصل بين قوى هائلة القوة والنفوذ.

ولعل واقعة سفر رئيس الجمهورية وأقطاب من العملية السياسية إلى طهران، للتباحث مع المسؤولين الإيرانيين حول صيغة توافقية لتشكيل الحكومة الجديدة، ذات دلالة خاصة في سياق الكشف عن هذا التناقض المفجع بين التصورين، فما تتصوره الطبقة السياسية عن نفسها وعن حالة العراق، يغدو أكثر فأكثر ضربًا من اللغو السياسي، ذلك أنها غير قادرة على فض الاشتباك السياسي بين أطرافها المتنافسة إلا باللجوء إلى معونة "قوتين عظميين" متصارعتين.

ويكاد هذا الواقع المرير يكشف عن صورة موازية لا تقل مأساوية عن سائر الصور الأخرى، فالعراق الجديد اليوم يغدو -تحت حكم طبقة الوكلاء الجدد- أكثر فأكثر نتاج صراع أميركي إيراني مكشوف وفوق السطح، بأكثر ممّا هو نتاج صراع محلي بين قوى محلية.

"
أصبح الصراع العلني بين الأميركيين والإيرانيين عاملا مقررا وحاسما بصورة مباشرة، لا في تشكيل الحكومة الجديدة وحسب, بل في تحديد شكل التناقضات بالبلاد وطبيعتها والحدود المسموح بها في التنافس السياسي بين الوكلاء المحليين
"
إن القوى التي تتصارع فوق أرض العراق لا تقوم بتشكيل طبقة الوكلاء المحليين وحسب، بل تقوم في الوقت ذاته بإعادة صياغة صورة العراق الجديد، بمعزل عن أي تأثير محتمل للقوى المحلية التي يزعم بعض الوكلاء أنهم يعبرون عن برامجها وأفكارها ومصالحها.

ولذلك لا تبدو لهؤلاء أدنى درجة من التأثير الحقيقي على القوتين المتصارعتين، وهما على العكس من ذلك، تشعران بأنهما باتتا أقل حاجة إلى تبرير تدخلهما أو نفوذهما، كما أنهما باتتا متوافقتين تقريبًا على جعل الصراع علنيًّا ومكشوفًا ولا حاجة إلى التستر عليه أو على التكتيكات والسياسات المتبعة في إطاره.

وبهذا المعنى أيضا فقد أصبح العراق في حالته الراهنة أكثر ارتباطًا بعوامل الصراع الإقليمي الدولي الضاغطة والمتحكمّة في مسار تطوره، بل إن هذا الصراع بالنظر إلى عوامله الثقافية والسياسية يوشك أن يتحول إلى صراع محلي تمامًا، كما توشك القوتان الإقليمية (إيران) والدولية (الولايات المتحدة) على الانتقال إلى حالة الطرف المحلي المعني بصورة مباشرة بمصير العراق وربما القتال من أجل تحديد مستقبله.

لقد أصبح الصراع العلني بين الأميركيين والإيرانيين عاملاً مقررًا وحاسمًا بصورة مباشرة، لا في تشكيل الحكومة الجديدة وحسب -فهذا أمر قليل الأهمية بالنسبة إلى مصير البلد وخياراته التاريخية- بل في تحديد شكل تناقضاته وطبيعتها والحدود المسموح بها في التنافس السياسي بين الوكلاء المحليين.

ولقد رأينا مغزى ما نقوله هنا في سلوك إياد علاوي، مثلاً، فهو اضطر إلى طلب إشراكه في مشاورات طهران لتشكيل الحكومة، بدلاً من مواصلة رفض فكرة عقد الاجتماع التشاوري هناك. صحيح أن مسألة تشكيل الحكومة المقبلة، باتت في صدارة الأولويات بالنسبة للمجتمع السياسي. وصحيح كذلك أنه لا شيء يفوق أو يتخطى اهتمام السياسيين ويثير قلقهم، أكثر من الانغماس في مسألة التوصل إلى صيغة مقبولة ترضي الأطراف الفائزة (وبالطبع، فما من انتخابات إلا وتعقبها جهود في هذا الاتجاه).

بيد أن ما يشغل الطبقة السياسية هذه الأيام، هو قلقها من مصير المناورات والتكتيكات والعروض المقدمة والمساومات المطروحة، فالتوصل إلى صفقة شاملة تعطي ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، لا يبدو ممكنا من دون أن تقوم بنفسها، وبوصفها طبقة وكلاء لا أكثر، بتقديم تنازلات مؤلمة وضرورية لصالح قوتين إقليمية ودولية، ولضمان توافقهما على استمرار صراعهما بوسائل وأشكال جديدة، يعرف فيها كل طرف حدود خسائره المحتملة، كما يعرف حدود وظروف التفاهم حول المصالح الكبرى.

وبكلام آخر، فما سيقدمه الوكلاء المحليون من تنازلات بعضهم لبعض، لأجل تشكيل حكومة جديدة، لن يكون هدفه تمكين البلاد في المرحلة المقبلة من الحصول على فرصة للاستقرار والتوازن، بل من أجل تهدئة خواطر قوتين متصارعتين على مصير هذا البلد لا أكثر ولا أقل، والمساهمة في صياغة الصراع الإقليمي الدولي كصراع محلي.

وهذا وضع إشكالي فريد في نوعه بالفعل، إذ لم يحدث في أي وقت وفي تاريخ المنطقة بأسرها، أن اضطرت قوى محلية إلى تقديم تنازلات لصالح قوى إقليمية أو دولية، فقط من أجل أن تستمر في صراعها الداخلي بأشكال جديدة. وفي سياق هذه الحالة المزرية للعراق السياسي، سوف تدرك طبقة الوكلاء الجدد، أن ما يريده قيصر طهران، ليس تمامًا ما يريده قيصر واشنطن، وأن ما يزعج القيصر الإيراني قد يسعد القيصر الأميركي.

"
المحاصّة الطائفية لن تعود بعد الآن، مجرد محاصّة محلية بين قوى تزعم تمثيلا "طائفيًّا" لهذه الجماعة أو تلك، بل ستصبح نوعًا من تقاسم النفوذ بين قوتين إقليمية ودولية (إيران وأميركا)
"

ولذلك سيكون على المشاركين في مشاورات طهران، أن يقوموا بتكييف تنافسهم وطموحاتهم وسياساتهم، بحيث تتلاءم لا مع متطلبات خروج العراق من المأزق، وإنما مع متطلبات استمرار الصراع الإيراني الأميركي, وهذا ما سيؤدي تلقائيًّا إلى إعادة تشكيل الطبقة السياسية لنفسها بوصفها طبقة وكلاء محليين نموذجيين.

ولشّد ما تبدو مناورات الطبقة السياسية، عشية تشكيل حكومة شراكة وطنية أو أغلبية برلمانية، كما لو أنها مناورات عديمة الجدوى والمعنى، وذلك مع تزايد إدراك المشاركين في هذه المناورات أن عليهم عاجلاً أم آجلاً الرضوخ للأمر الواقع، وهو أن يقدموا للقيصرين حسب حاجتهما، كل ما تتطلبه ظروف تشكيل حكومة ليس الغرض من تأليفها سوى تلبية متطلبات الاستمرار في صراع إقليمي دولي، كان قد تحول أصلاً إلى صراع محلي.

إن السبيل إلى توافق الأباطرة قد يصبح مستحيلاً من دون توافق الوكلاء المحليين على شكل الحكومة. وهذا وضع شاذ وغريب، فالمحاصّة الطائفية لن تعود بعد الآن، مجرد محاصّة محلية بين قوى تزعم تمثيلا "طائفيًّا" لهذه الجماعة أو تلك، بل ستصبح نوعًا من تقاسم النفوذ بين قوتين إقليمية ودولية.

وربما لهذا السبب، سوف يبدو تشدق الطبقة السياسية بالتغيير، وبوعد الاستقرار والازدهار القادم، تعبيرًا عن حاجة أنانية ضيقة للتغطية والتستر على طبيعة التنازلات التي ستقدمها للقوتين المتصارعتين.

ومن غير شك فإن تعاظم حاجة سائر الجماعات المتنافسة إلى تقديم أي دليل على قدرتها على صنع إمكانيات جديدة وحقيقية للتغيير، وحاجتها كذلك إلى تقديم براهين مقنعة للمواطنين ودول الجوار على حدٍّ سواء على أنها يمكن أن تقود العراق -بعد تجربة السنوات السبع من عمر الاحتلال الأميركي- صوب مرحلة جديدة يتم فيها تجاوز المأزق الأمني والاجتماعي الخانق، لن تعود -في نهاية المطاف- إلا تعبيرًا عن أحلام طبقة انتقلت من عالم السياسة إلى عالم "الوكالة".

ومع ذلك، فليست هذه بالضبط هي المسألة الوحيدة التي تشغل اهتمام الطبقة السياسية.

إن القلق من بطء وتأخر ولادة الحكومة الجديدة، آخذ في التبلور داخل الأوساط الاجتماعية والشعبية العراقية في صورة خيبة أمل عارمة، وربما يأس مطبق من إمكانية ولادة حل وطني شامل عابر للطوائف والعِرْقيات والحساسيات الثقافية.

وتتجلى خيبة الأمل هذه بأكثر ما تتجلى من الوضوح في يأس العراقيين المطبق من قدرة الجماعات السياسية على تخطي ثقافة المحاصّة لا في الوقت الحاضر ولا في المستقبل. ويتضح اليوم أن ما كان مؤملاً من انتخابات السابع من مارس/آذار الماضي، لم يعد هو شغل العراقيين الشاغل، أي أن طموحهم إلى حدوث تغيير حقيقي في حياتهم لم يعد في صدارة الأولويات.

"
لا تبدو المسألة المطروحة مسألة تشكيل حكومة، بل مسألة تشكيل حكومة "محلية الصنع" بحسب تعبير السفير الأميركي في بغداد كريستوفر هيل, وهذه ليست زلة لسان سفير أميركي قليل الخبرة في الشرق الأوسط وشؤونه!
"

لقد بات مصير العراق نفسه هو الشغل الشاغل. وللمرء أن يتخيّل حالة شعب وجد نفسه فجأة تحت الاحتلال الغاشم، ولكنه قبل أن يفيق من هول الصدمة يكتشف أن الاحتلال تحول إلى صراع قوى جبارة عديمة الرحمة، تهدده بأخطار التمزيق والتشرذم، وأن هذه القوى تدعوه إلى تصديق صورته الجديدة في المرآة، فهو بلد جديد وديمقراطي واتحادي ومستقل وذو سيادة كاملة، ولكنه –بسبب ضعفه- لن يتمكن من تشكيل حكومته المنتخبة ديمقراطيًّا إلا بعد عقد لقاء طاولة مشاورات سرية في طهران.

لكل هذه الأسباب وسواها لا تبدو المسألة المطروحة مسألة تشكيل حكومة، بل مسألة تشكيل حكومة "محلية الصنع" بحسب تعبير السفير الأميركي في بغداد كريستوفر هيل.

ليست هذه زلة لسان سفير أميركي قليل الخبرة في الشرق الأوسط وشؤونه، بل هي تعبير صريح عن رغبة قوتين متصارعتين في رؤية "حكومة محلية الصنع" يشكلها وكلاء محليون يجري التوافق عليهم، أي مسألة تأليف حكومة تكون قادرة على إعادة إنتاج "مبدأ التقسيم الطائفي" بطريقة ناعمة وسلسلة، بحيث يغدو تحاصًّا طائفيًّا في الظاهر، وتحاصًّا سياسيًّا بين القوتين المتصارعتين في الجوهر.

لا أحد أكثر براعة من الوكيل المحلي، فهو يعرف أن ما لقيصر لقيصر وما لله.. لقيصر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة