أردوغان والعقدة الكردية   
الأربعاء 20/1/1431 هـ - الموافق 6/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:49 (مكة المكرمة)، 12:49 (غرينتش)
       
توقف الكثير من المتابعين عند توقيت وملابسات صدور قرار المحكمة الدستورية التركية التي طلبت مؤخرا حظر حزب المجتمع الديمقراطي المحسوب على الأكراد في تركيا ومنع 37 قياديا في الحزب من ممارسة العمل السياسي لمدة خمس سنوات بينهم 19 نائبا سارعوا لتقديم استقالاتهم بدل البقاء في البرلمان بصفة نواب مستقلين.
 
والملفت تحديدا هنا هو أن القرار جاء متزامنا مع:
- كمين مسلح أودى بحياة سبعة جنود أتراك ونفذ في مناطق البحر الأسود المعروفة ببعدها الجغرافي والسياسي عن مناطق عمليات حزب العمال الكردستاني.

- محاولات جادة تقوم بها قيادات العدالة والتنمية لتحريك الجمود السياسي والالتفاف على الاعتراضات والانتقادات التي تتعرض لها بسبب مشروعها الانفتاحي في إطلاق الحلول السياسية والاجتماعية والثقافية للمسألة الكردية في تركيا بعد سنوات طويلة من المماطلة والتطويل.

"
قرار حظر حزب المجتمع الديمقراطي المحسوب على الأكراد في تركيا مربك حقا بسبب تضمنه منع الحمائم في الحزب من ممارسة العمل السياسي وتجاهله أصوات الصقور "
قرار الحظر مربك حقا بسبب تضمنه منع الحمائم في حزب المجتمع من ممارسة العمل السياسي وتجاهله أصوات الصقور الذين تقودهم النائبة أمينة عاينة والذين أطلقوا التحديات والتحذيرات قبيل الإعلان عن قرار المحكمة غير عابئين بأية عواقب قد يتعرضون لها.
 
لكن البعض في تركيا رجح التذكير بأن ما جرى ينطبق على حالة نصر الدين خوجا جحا تركيا الذي لم يأخذ بتحذيرات زوجته من أنه سيسقط أرضا إذا ما استمر في محاولة نشر غصن الشجرة الذي يجلس فوقه. بعد قليل سقط جحا محطما أضلاعه فالتفت نحو زوجته التي كانت تضحك ساخرة يتوعد ويهدد: هذا بسببك أنت يا فم الشؤم.

حكاية الخوجا هذه تنطبق على الكثيرين في تركيا الذين لم يأخذوا بالنصائح والتحذيرات التي كانت تقدم لهم فوجدوا أنفسهم على الأرض وهم لم يستفيقوا من صدمتهم بعد.

أول المعنيين هو حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان الذي وعد قبل سبع سنوات مع الوصول إلى السلطة بغالبية شعبية وبرلمانية ساحقة بأن يعتمد أسلوبا أكثر انفتاحا وليبراليا في التعامل مع الموضوع الكردي، وهو القضية القديمة الجديدة في تركيا التي تنتظر الشجعان من الأتراك ليقدموا البدائل والخيارات السياسية والدستورية والاجتماعية القادرة على وقف هذا النزيف المزمن الذي كلف تركيا حتى الآن عشرات المليارات من الدولارات، هذا إلى جانب الآلاف من القتلى والجرحى في صفوف الجانبين. لقد أهدر العدالة والتنمية هذه الفرصة خلال حقبة حكمه الأولى لكنه مع الأسف وكما هو المشهد القائم اليوم لم يقدم الكثير حتى الآن في فترة حكمه الثانية رغم وعوده بإطلاق مشروعه الانفتاحي على الأكراد إذ لم يخرج إلى العلن ويبدو أنه دفن قبل أن يولد.
 
المعني الثاني هو حزب المجتمع الديمقراطي نفسه الذي رفض أن يتعلم من تجارب حظر امتداده السياسي من خلال أحزاب كثيرة قبل سنوات ووعدنا بأن يكون بناء في حواره مع السلطة، لكنه رجح خيار الوقوف في الجانب الآخر من الطريق متمسكا بشرط إطلاق سراح عبد الله أوجلان الذي يمضي عقوبة السجن المؤبد في جزيرة "إيمرالي" أو إعادة محاكمته أو العفو العام عنه ضمن خطة عفو شامل.
 
الحظر رغم كل جوانبه القانونية والوثائق والمستندات التي قدمها المدعي العام التركي عبد الرحمن يلشن قايا عام 2007 إلى المحكمة الدستورية حول تصريحات وسلوك ومواقف قيادات حزب المجتمع الديمقراطي الكردية التي جعلت منه "قاعدة" لحزب العمال الكردستاني ولقائده عبد الله أوجلان المسجون منذ عام 1999، يعني فقدان ملايين الأكراد لممثليهم وأصواتهم في البرلمان التركي.

كما يعني أيضا فتح المجال أمام أزمة سياسية دستورية جديدة تهدد الاستقرار السياسي في البلاد خلال الأيام المقبلة بسبب إصرار نواب المجتمع الديمقراطي على الانسحاب من البرلمان مع ظهور بعض الآراء إلى العلن حول انتخابات عامة مبكرة أو انتخابات جزئية في شرق وجنوب شرق الأناضول قد تطيح بحسابات ومعادلات كثيرة راهن عليها حزب العدالة والتنمية قبل عامين ضمن خطة الاحتفاظ بالقيادة والتفرد في الإدارة لحقبة دستورية جديدة تساعده على إنجاز وتحقيق الكثير من الوعود الإصلاحية السياسية والدستورية التي أطلقها قبل سبع سنوات ولم ينجح بعد في تنفيذها.
    
أردوغان يدفع بالدرجة الأولى ثمن التراجع عن خطة إعلان دستور جديد في البلاد بدلا من الدستور الذي أقره العسكر بعد انقلاب عام 1980 بقيادة كنعان أفرين وذلك بعدما تعرض لحملة انتقادات شديدية قادتها المعارضة السياسية والإعلامية في تركيا بسبب خطته الجديدة هذه.
 
"
أردوغان يدفع ثمن تراجعه عن وعود إصدار قانون عصري للأحزاب السياسية في البلاد يتطابق مع المعايير الأوروبية لناحية الحريات والديمقراطية والمشاركة السياسية
"
وهو يدفع أيضا ثمن تراجعه عن وعود إصدار قانون عصري للأحزاب السياسية في البلاد يتطابق مع المعايير الأوروبية لناحية الحريات والديمقراطية والمشاركة السياسية، والأهم من كل ذلك يصعّب شروط حظر الأحزاب السياسية التي هي تحت رحمة المدعي العام التركي والمحكمة الدستورية التي لم تتردد في إغلاق عشرات الأحزاب خلال السنوات الأخيرة.
 
أردوغان يدفع بإيجاز ثمن تردده في إطلاق مشروعه "الانفتاح السياسي والاجتماعي والثقافي" على أكثر من 15 مليون كردي في تركيا ينتظرون منذ تفاصيل هذه المبادرة التي تراجع رئيس الحكومة التركية عن إعلانها أمام الانتقادات والضغوطات السياسية والعسكرية والإعلامية التي تعرض لها حزبه.
 
أنصار حزب المجتمع الديمقراطي أيضا أمام اختبار تاريخي لا بد من قول الكلمة الحكيمة فيه خصوصا وأنهم حتى الساعة يصرون على الربط بين موضوع إصلاحات جذرية لا بد منها في مسائل الهوية الكردية اللغوية والثقافية والسياسية وبين قضية عدم التخلي عن عبد الله أوجلان كرمز وقيادي لا بد من إعطاء قرار جديد بشأنه ضمن خطة التمسك به كالمعني والمتحدث الأول باسم هذه الجماعات التي لم تتردد في الخروج إلى الشارع وإضرام النار فيه وعدم التهاون والتساهل في مطلب من هذا النوع.
 
العقدة الأخرى الواجب على حكومة العدالة والتنمية التعامل معها بجدية كاملة هي مواقف وتصريحات قيادات ومراكز القرار في الاتحاد الأوروبي الأخيرة بهذا الشأن إذا لم يكن هناك أي انحراف أو خروج عن الهدف الإستراتيجي الذي حددته تركيا لنفسها منذ نهاية الخمسينات وحتى اليوم.. العضوية الكاملة في هذه المجموعة.
 
فهل ستصغي أنقرة لما يقوله الأوروبيون ضمن سياسة ضربة على الحافر وأخرى على المسمار حيث يدعون حكومة أردوغان من ناحية لعدم تجاهل ملايين الأصوات الكردية بهذه السهولة ويطالبون بقانون أحزاب تركي جديد أكثر انفتاحا وليونة حيال سلوك الأحزاب ومواقفها، لكنهم من ناحية أخرى يصفون حركة أوجلان بالإرهابية وينتقدون بوضوح سياسة وسلوك قيادات حزب المجتمع الديمقراطي التي استفزت المدعي العام والمحكمة الدستورية وأجبرتهما على اتخاذ مثل هذا القرار.

كيف سيتصرف أردوغان الذي أثبت حنكته وحكمته السياسية خصوصا في الشأن الإقليمي وفي علاقات تركيا مع جوارها في معالجة الموضوع الكردي الذي يطارد الأتراك منذ عقود وتعهد هو بمعالجته جذريا ضمن مشروع انفتاحي عجزت الحكومات والقيادات السياسية والعسكرية في الاتفاق على تحديد أطره ومضمونه حتى اليوم، لكنه بات أمرا ملحا إذا ما كانت تركيا لا تريد حقا العودة لحالة الاحتكام إلى الشارع وطرق الجبال المفخخة التي تهدد بالانفجار وتحميل الأتراك المزيد من الخسائر البشرية والمادية وفقدان ما وصلت إليه من اعتبار إقليمي ودولي بثبات وصبر.
 
دون أن نهمل ما يردده البعض اليوم من احتمالات وجود أصابع إسرائيلية تحرك هذا الملف انتقاما من أردوغان وحزبه الذي تلاعب بنفوذها ومصالحها في تركيا وفي المنطقة وستكون خطوتها الأولى استفزاز المؤسسة العسكرية مجددا للدخول على الخط كما حدث أكثر من مرة والتشجيع على إعلان حالة الطوارئ في مناطق جنوب شرق تركيا المعروفة بكثافتها السكانية الكردية للإطاحة بكل ما نوقش وطرح من برامج وخطط سياسية انفتاحية في المسألة الكردية وقطع الطريق على محاولات إيصالها إلى بر الأمان.
 
قرار حظر حزب المجتمع الديمقراطي ليس الأول ولن يكون الأخير في البلاد أمام هذا الدستور وهذه القوانين المعمول بها اليوم، وحكاية حظر الأحزاب الكردية في تركيا التي بدأت تحديدا بعد تسع سنوات على انطلاقة حزب العمال الكردستاني مع حزب جهد الشعب عام 1987 الذي حظر عام 1993 ليحل مكانه حزب الديمقراطية ثم حزب الشعب الديمقراطي والمجتمع الديمقراطي، ستستمر على هذا المنوال إذا لم نصل إلى المعالجة الجذرية والصحيحة.
 
"
أزيلت لافتات حزب المجتمع الديمقراطي ورفعت مكانها لافتات الحزب الجديد "حزب السلم والديمقراطية" لكن الأتراك في حالة انقسام بين مؤيد لقرار المحكمة الدستورية بالحل, وبين منتقد يقول إن القرار جاء سياسيا
"
أزيلت لافتات حزب المجتمع الديمقراطي ورفعت مكانها لافتات الحزب الجديد "حزب السلم والديمقراطية" لكن الأتراك في حالة انقسام بين مؤيد لقرار المحكمة الدستورية "الواجب احترامه" كما قال رئيس الجمهورية عبد الله غل، وبين منتقد يقول "القرار جاء سياسيا أكثر من أن يكون حقوقيا وهو لم يأخذ بعين الاعتبار احتياجات تركيا القائمة على الأرض اليوم" كما قال وزير الثقافة أرتوغرول غوناي.
لكن الكثيرين يرون أن صدور مثل هذا القرار حرم القوى السياسية والحزبية في تركيا خصوصا حزب العدالة والتنمية من فرصة هزيمة حزب المجتمع الديمقراطي بالوسائل والأساليب الديمقراطية، وعزز نفوذه ومواقعه في صفوف الأكراد المنتشرين في مختلف الأراضي والمدن التركية، وأعادنا جميعا إلى المربع الأول في معالجة المسألة الكردية التي دخلت في نفق سياسي جديد لا يريد أي كان الحديث عن مخاطره وما يحمل من كوابيس وحالات من القلق والأرق لمعظم الأتراك.
 
بادرة انتقاد الذات قبل انتقاد المؤسسات والأشخاص هي في مقدمة الأولويات التي نحتاج إليها في تركيا اليوم. أين نخطئ وأين نصيب نحن؟ قبل الحديث عن أخطاء الآخرين وخطاياهم، خطوة ثانية ملحة تنتظرنا وربما التجربة العراقية في التعامل مع المسألة الكردية والمساومات التي تعيشها البلاد قبيل الانتخابات النيابية المقبلة فرصة أمام الجميع لأخذ الدروس والعبر والابتعاد عن التطرف والتشدد والتصعيد.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة