تركيا وقوة المقاومة الديمقراطية   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم:غراهام فولر

جاء رفض البرلمان التركي لمشروع التعاون العسكري التركي الأميركي بمثابة رسالة قوية عن مدى قوى المقاومة الديمقراطية داخل البرلمان، وعلى العرب أن يتعلموا الدروس من هذا الحدث العظيم.

لقد مارست أميركا ضغوطاً كبيرة على حلفائها للتعاون معها في الحرب المحتملة على العراق. ورغم إقرار معظم العرب بخطورة نظام صدام فإنهم يعارضون تنحيته من قبل الولايات المتحدة الأميركية ويشككون في دوافع أميركا للقيام بمثل هذا العمل. إن الرأي العام في دول مثل مصر والسعودية وقطر والكويت والأردن وغيرها يعارض

يبدو أن القيادات العربية لم تجد صعوبة في التغاضي عن المعارضة التي تبديها شعوبها
بشدة سياسة التعاون مع واشنطن، لكن يبدو أن القيادات العربية لم تجد صعوبة في التغاضي عن تلك المعارضة التي تبديها شعوب تلك الدول. والوضع لا ينحصر فقط في الدول العربية، ففي بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وهي الدول الثلاث المؤيدة لمشروع الحرب فإن الحكومات هي التي تؤيد واشنطن وليس الشعوب، لكن مع وجود فارق، إذ إن رؤساء الحكومات في بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا منتخبون بطريقة ديمقراطية، فالرأي العام البريطاني يشد الخناق على بلير ويطالبه بتوخي الحذر، فيما انخفضت شعبية أزنار في إسبانيا نتيجة دعمه لواشنطن. ورغم تغاضي هذه الحكومات عن مطالب شعوبها في هذه الأزمة فإن في استطاعة هذه الشعوب عدم إعادة انتخاب هذه الحكومات في الانتخابات المقبلة.

بمعنى آخر إن عدم ترجمة رغبات الشعب في الحكومات الديمقراطية تعرض هذه الحكومات لفقدان الثقة بها وبالتالي يعجل برحيلها. وهذا وضع غير موجود في العالم العربي حيث لا أحد يستطيع التصويت لتنحية القادة من مناصبهم.

لنلقي نظرة على حالة تركيا التي تتعرض لضغوط جمة من قبل واشنطن، فبينما تقدم واشنطن رزنامة من المساعدات المالية تصل إلى 15 مليار دولار مقابل تعاونها في الحرب، فإن حزب العدالة والتنمية الإسلامي المنتخب ديمقراطياً قرر أن تكون كلمة الفصل للبرلمان التركي.

ورغم أن الحزب غير راض عن الحرب فإن المساعدة المالية الأميركية مهمة لاقتصاد تركيا الذي تكبد خسائر فادحة بسبب حرب الخليج عام 1991. إن على الحزب الحاكم كذلك أن يكون حذراً وأن يحترم الهواجس الأمنية للجيش.

في النهاية وخلافاً لكل التوقعات صوت البرلمان التركي ضد نشر قوات أميركية فوق الأراضي التركية وبات واضحاً أن الإدارة الأميركية غير راضية عن هذا الموقف إذ جسد قرار تركيا تأثيراً يفوق مشروع الحرب واستحداث جبهة عسكرية ثانية ضد بغداد. لقد شكل تصويت البرلمان حدثا سياسيا مهما، فتركيا الحليفة التقليدية لأميركا والعضو في حلف الناتو صوتت ضد واشنطن في موضوع إستراتيجي مهم وحرج. لقد أثر التصويت في توجهات دول أخرى، خاصة أعضاء مجلس الأمن الدولي وزاد من حدة معارضتهم للمخططات الأميركية. ومع ذلك فقد أصبح من الممكن أن يعيد البرلمان التركي النظر في موضوع التعاون الأسبوع القادم.


حزب العدالة هو الحزب الإسلامي الأول الذي يصل إلى سدة الحكم في تركيا بل الحزب الإسلامي الذي يصل إلى الحكم عبر انتخابات وطنية نزيهة وحرة في تاريخ الإسلام

إن حزب العدالة هو الحزب الإسلامي الأول الذي يصل إلى سدة الحكم في تركيا بل الحزب الإسلامي الذي يصل إلى الحكم عبر انتخابات وطنية نزيهة وحرة في تاريخ الإسلام. لهذا يتطلع الحزب إلى التقدم بحذر لتجنب شرخ مع المؤسسة العسكرية أو مع الولايات المتحدة وهو ما يستدعي من واشنطن الحذر في معالجة هذا الأمر. وللتذكير فإن القرار التركي لم يكن مصدره قرار رجل واحد بل أتى من البرلمان المنتخب وبطريقة نزيهة وحرة من المجتمع، ولذلك فإنه من الصعب تجاهل نتائج القرار، ونتيجة لذلك كانت واشنطن حذرة وتجنبت توجيه نقد مباشر للقرار.

والخلاصة لا تتجلى في الكيفية المثلى لمقاومة أميركا لكن في كيفية استحداث مؤسسات قوية ومحترمة على الصعيد الدولي، فإذا كان للسعودية أو لمصر على سبيل المثال برلمان منتخب وصوت على غرار البرلمان التركي يعارض التعاون العسكري مع أميركا فلن تجد واشنطن وقتها بداً من احترام القرار وإدارة المؤسسات الصادر عنها.

لو كان للسعودية أو لمصر على سبيل المثال برلمان منتخب وصوت على غرار البرلمان التركي يعارض التعاون العسكري مع أميركا فلن تجد واشنطن وقتها بداً من احترام القرار وإدارة المؤسسات الصادر عنها

وعليه فإن الحكومات الأجنبية تجد صعوبة في التعليق أو معارضة القرارات الصادرة عن البرلمانات المنتخبة وتعتبر وقع ذلك أشد من قرارات صادرة عن أي مصدر سياسي.

وكما أسلفت في مقالات سابقة فإن تاريخ تركيا الحديث يختلف عن تاريخ معظم الدول العربية، وذلك لأن تجربة تركيا مع الممارسة الديمقراطية ليست حديثة العهد كنتيجة جزئية للتأثيرات الغربية التي مورست عليها، ولم تساند تركيا يوما حلف الناتو عشقا لأميركا ولكن لكونها كانت دوماً تواجه تهديدا أمنيا حقيقيا من قبل ما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي الذي طالب في عهد ستالين ومباشرة بعد الحرب العالمية الثانية بجزء من الأراضي التركية.

إلى جانب ذلك كانت تركيا السباقة إلى منع السماح بميلاد أول حزب إسلامي منتخب يصل إلى السلطة في العالم الإسلامي رغم معارضة المؤسسة العسكرية لذلك، ولكن لم يتمكن الجيش -رغم قوته- ولا واشنطن من تجاهل رغبة الناخبين الأتراك. وهذا هو الدرس!.

أعتقد أن العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب قد تتطور متى وجدت في العالم الإسلامي مؤسسات أكثر ديمقراطية، ذلك أنه سيكون من الصعب على الغرب في هذا الإطار أن يوجه الانتقاد إلى الدول الإسلامية النابعة عن حكومات شرعية، أثناء ذلك ستتقلص المخاوف والهواجس في العالم الإسلامي، لكن كيف السبيل إلى النهوض بالديمقراطية في العالم العربي؟ وهل سيؤدي التغيير داخل العراق إلى إيجاد بديل؟ الجواب متروك للأيام القادمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة