متاعب أميركا مع الصين   
الأربعاء 7/1/1434 هـ - الموافق 21/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:14 (مكة المكرمة)، 11:14 (غرينتش)

 

قام الرئيس الصيني الجديد تشي جين بينغ بزيارته الأولى للولايات المتحدة الأميركية في مايو/أيار 1980 ولقد كان في ذلك الوقت موظفا صغيرا يبلغ من العمر 27 عاما يرافق جينج بياو نائب رئيس الوزراء وأحد كبار المسؤولين العسكريين الصينين في تلك الفترة. لقد استضافني جينج في يناير/كانون الثاني من السنة التي سبقتها عندما كنت أول وزير دفاع أميركي يزور الصين حيث عملت كمحاور لإدارة الرئيس جيمي كارتر.

لم يكن لدى الأميركيين أي سبب في تلك الحقبة لملاحظة تشي جين بينغ ولكن رؤساءه في العمل لاحظوا إمكانياته وخلال فترة الاثنين والثلاثين سنة لاحقا لذلك ارتفعت أسهم شي مع ازدياد القوة الاقتصادية والعسكرية للصين. إن صعوده لقمة هرم السلطة يعني تقاعد الجيل السابق من القادة والذين تم تسميتهم من قبل دينج شياوبينج (بالرغم من احتفاظهم بالنفوذ).

بالرغم من وزن الصين الكبير في الشؤون الدولية فإن تشي يواجه ضغوطات داخلية والتي تجعل الصين أكثر هشاشة من ما هو متعارف عليه

بالرغم من وزن الصين الكبير في الشؤون الدولية فإن تشي يواجه ضغوطات داخلية والتي تجعل الصين أكثر هشاشة من ما هو متعارف عليه. إن النموذج الاقتصادي الصيني الذي يعتمد على التصدير قد بلغ منتهاه والانتقال إلى نمو يعتمد على الداخل الصيني يزيد من الخلافات الداخلية. إن إدارة الاضطرابات من خلال القمع أصبحت أكثر صعوبة مقارنة بالماضي حيث إن التمدن السريع والإصلاحات الاقتصادية والتغير الاجتماعي قد عكر صفو بلد يبلغ عدد سكانه 1.3 مليار نسمه.

إن الصراعات العرقية في المناطق النائية سوف تكون بمثابة اختبار لسيطرة تشي السياسية وتحكمه بمقاليد الأمور.

إن سياسة الصين الخارجية تبعث على القلق كذلك وخاصة بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية. إن التاريخ يعلمنا أن القوى الصاعدة تتنافس في نهاية المطاف مع القوى العظمى الموجودة على أرض الواقع وأن هذا الصراع عادة ما يؤدي للحرب.

في الوقت الراهن فإن الخلل في ميزان التجارة البينية قد زاد من التوترات بين الولايات المتحدة الأميركية والصين ويمكن تخفيض تلك التوترات بشكل آمن فقط في حالة حصول تغييرات في التصرفات من الجانبين أو بشكل غير آمن وذلك من خلال تصحيح تحركه الأزمات.

إن من الأمور الأكثر إلحاحا هي مطالبات الصين الإقليمية وخاصة في بحر الصين الجنوبي ولكن أيضا فيما يتعلق بحدودها مع الهند وجهودها من أجل توسيع نفوذها ليشمل الدول المجاورة وهذا سوف يجبر الولايات المتحدة الأميركية على التفكير في مخاطرتين كبيرتين. إن المخاطرة الأولى هي المواجهة والتي يمكن أن تحدث بشكل مباشر أو كنتيجة لانجرار الولايات المتحدة الأميركية للصراعات بين الصين وجاراتها.

أما المخاطرة الأخرى فهي أن اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام والفلبين وتايلند وميانمار يمكن أن يدوروا في الفلك الإستراتيجي للصين. إن العديد من تلك البلدان يتطلع إلى الولايات المتحدة الأميركية كثقل متوازن إذا حاولت الصين فرض هيمنتها محليا ولكن بعض تلك الدول سوف تخلص إلى نتيجة مفادها أن من السلامة التقرب من الصين بدلا من الابتعاد عنها نظرا لأن اقتصادات تلك الدول تعتمد بشكل كبير على التجارة مع الصين.

لقد أظهرت الأحداث الأخيرة في بحر الصين الجنوبي والشرقي أن الصين تحاول أحيانا أن تلوي ذراع جاراتها. سوف تحتاج الولايات المتحدة الأميركية أن تدافع عن حلفائها ومصالحها وذلك من خلال المقاومة وهذا يتطلب تعديل تلك الأفعال وذلك حتى تخفف من المخاوف الصينية.

إن أحد الطرق لعمل ذلك هو فهم الدوافع الصينية, فاندفاع الصين لتولي القيادة الاقتصادية والسياسية في شرق آسيا وزيادة قدراتها العسكرية هناك هو أمر حتمي ولكن بإمكان العالم أن يشعر بالثقة بأن أميركا سوف تبقى أقوى وأغنى وأكثر نفوذا في الشؤون الدولية من الصين حتى سنة 2030.

وهذا يتطلب عدم انخراط أميركا في ردات فعل مبالغ بها والتي يمكن أن تشعل تدهورا في العلاقات الثنائية مثل ما حدث بين بريطانيا العظمى وألمانيا قبل الحروب التي حصلت في النصف الأول من القرن العشرين.

أفضل طريقة لتجنب المواجهة بين واشنطن وبكين هي التعاون فيما يتعلق بالتهديدات الخارجية المشتركة وخاصة الانتشار النووي والتغير المناخي الدولي والتطرف الإسلامي

ربما أفضل طريقة لتجنب المواجهة هو التعاون فيما يتعلق بالتهديدات الخارجية المشتركة وخاصة الانتشار النووي والتغير المناخي الدولي والتطرف الإسلامي ولكن عدم حدوث صراع رئيسي حتى عام 2030 سوف يكون إنجازا عظيما وبينما من المحتمل أن تحتفظ الولايات المتحدة الأميركية باليد الطولى فيما يتعلق بالقدرة العسكرية لمدة 15-20 سنة على الأقل فإن وقوع حرب غير تقليدية وغير متماثلة يمكن أن تؤثر سلبا على أفضلية أميركا وخاصة إذا قررت الصين الانخراط في هجمات إلكترونية على الأنظمة الإلكترونية وأنظمة الأقمار الصناعية الأميركية مع هجمات على البنية التحتية.

إن الرد على قدرة الصين على عرض قوتها في أماكن تبعد مئات الأميال عن حدودها يستوجب أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية (وكما اقترحت في السنوات الخمس والعشرين المنصرمة) بتطوير قاذفات طويلة المدى قادرة على اختراق الدفاعات المعقدة وتتمتع بقوة كبيرة وبينما تتحول المصالح الأمنية الأميركية إلى منطقة المحيط الهادي فإن الأميركيين يعتمدون الآن على قواعد برية متقدمة أصبحت أكثر عرضة للهجوم وأساطيل حاملات طائرات مع طائرات تكتيكية بإمكانها الانخراط في القتال ضمن قطر يبلغ 300-500 ميل (482 -805 كلم). لكن وجود قاذفة بعيدة المدى هي أكثر فعالية من حيث الكلفة مقارنة بقاذفات المواجهة وصواريخ كروز وبخلاف القاذفات التكتيكية القصيرة المدى فإن قواعدها لن تكون معرضة للهجوم.

بالرغم من ذلك فإن التحدي الأكثر خطورة الأن هو ترتيب أمور الاقتصاد الأميركي وكيفية إدارة ذلك الاقتصاد وأنا اعتقد أن بإمكان أميركا عمل ذلك وهذا سوف يعطي الرئيس باراك أوباما أساسا قويا من أجل التحاور مع الرئيس الصيني تشي فيما يتعلق بالقضايا التي تتطلب قيادة عالمية ولكن بدون تمكن أميركا من تحقيق ذلك فإن احتمالية وقوع متاعب بين الولايات المتحدة الأميركية والصين سوف تستمر في الزيادة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة