مؤتمر السلام و"مبدأ" الانسحاب من العراق.. أمجرد مصادفة؟   
الأحد 23/10/1428 هـ - الموافق 4/11/2007 م (آخر تحديث) الساعة 9:58 (مكة المكرمة)، 6:58 (غرينتش)


أكثر ما يثير الانتباه حقا، وفي إطار الشكوك والأسئلة الحائرة بشأن الدعوة إلى عقد المؤتمر الدولي للسلام هذا الخريف، أن الدعوة تزامنت مع موافقة الإدارة الأميركية على مبدأ "سحب القوات" من العراق، وهو مبدأ كثيرا ما عارضته حتى وقت قريب.

"
التزامن بين اضطرار واشنطن إلى سحب أو خفض قواتها في العراق و"اضطرارها" إلى قبول فكرة مؤتمر دولي للسلام بعد عقود من الرفض أكثر بكثير من مجرد مصادفة عابرة أو غير ذات معنى
"
ومصدر الإثارة في هذا التزامن يكمن في حقيقة أن الإدارة الأميركية ظلت طوال عقود من الصراع العربي الإسرائيلي، تعارض من حيث المبدأ فكرة عقد مؤتمر دولي للسلام، كما أنها ظلت طوال السنوات الأربع المنصرمة من الاحتلال تعارض مبدأ سحب القوات كليا.

ولذلك جاءت الدعوة، بالتزامن مع هذا التطور المثير في إستراتيجية القوات الأميركية، لتدعم حقيقة أن واشنطن انتقلت عمليا، وفي وقت واحد تقريبا من "رفض فكرة الانسحاب" من العراق إلى القبول بمبدأ الانسحاب منه، ومن رفض فكرة المؤتمر الدولي إلى القبول به.

ولذلك عند تحليل مغزى الدعوة إلى المؤتمر بالتزامن مع الانسحاب المتوقع من العراق لا بد من ملاحظة ما يأتي:

أن التزامن بين قبول مبدأ "الانسحاب من العراق" حتى في أدنى صوره (مثلا إعادة نشر أو خفض القوات المقاتلة) مع الدعوة إلى عقد مؤتمر للسلام لمناقشة قضايا الصراع العربي الإسرائيلي، يضفي بعدا جديدا ونادرا على فكرة المؤتمر الدولي نفسه، وهي فكرة قديمة بدا حتى وقت قريب أنها مرفوضة كليا من الجانبين الأميركي والإسرائيلي، بل وغير قابلة للتحقق نتيجة لهذا الرفض.

وهذا التزامن -منظورا إليه من زاوية وجود مأزق عسكري أميركي- ينبئ ببزوغ لحظة نادرة، سوف يصبح فيها الترابط بين الموضوعين العراقي والفلسطيني ترابطا وثيقا بصورة يستحيل تجاهلها.

وفي هذا السياق يجدر التنويه بأن فكرة الربط بين الموضوعين العراقي والفلسطيني كانت مرفوضة كليا من الجانب الأميركي، فحين كان العراقيون في الكويت، أصرت واشنطن على رفض أي محاولة للربط بين "احتلال العراق للكويت" و"احتلال إسرائيل للأراضي العربية".

اليوم، يبدو أن "وجود ترابط" بين الموضوعين العراقي والفلسطيني أصبح مقبولا من الطرف نفسه الذي يرفض الاعتراف به.

لقد رأت واشنطن في دعوة بغداد آنذاك إلى "انسحاب عراقي من الكويت" مقابل "انسحاب إسرائيلي" مماثل من الأرض العربية أنه يتضمن ربطا تعسفيا بين حالتين مختلفتين، لأن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية ليس شبيها "بالاحتلال العراقي للكويت" بحسب ما قالته واشنطن آنذاك.

وبصرف النظر عمّا إذا كانت دعوة بغداد أثناء احتلال الكويت مناورة سياسية فاشلة لتفادي نتائج المأزق الخطير الذي بلغته المغامرة العسكرية، أم أنها كانت محاولة يائسة لإرغام واشنطن على أن لا تكيل بمكيالين، فإن مجرد مسارعة واشنطن إلى رفض فكرة الترابط بين الموضوعين العراقي والفلسطيني، تدل على أن أكثر ما كانت تخشاه، إنما هو اقتراب موعد اللحظة التاريخية التي يصبح فيها هذا الترابط حقيقة يصعب نكرانه.

وبهذا المعنى وحده يصبح التزامن بين اضطرار واشنطن إلى سحب أو خفض قواتها في العراق، مع "اضطرارها" إلى قبول فكرة مؤتمر دولي للسلام بعد عقود من الرفض أكثر بكثير من مجرد مصادفة عابرة أو غير ذات معنى.

وبقطع النظر عن البواعث والدوافع وحتى "الغموض" في الأهداف فإن مجرد إطلاق الدعوة إلى عقد "مؤتمر دولي للسلام" من جانب الأميركيين سوف يعني الآن وفي المستقبل المنظور أيضا، أن الفكرة غير ممكنة التحقق إلا في أجواء تراجع عسكري أميركي.

لقد بينت تجربة مجابهة الغزو الأميركي للعراق بواسطة "إستراتيجية المقاومة الشعبية المنظمة" وبجلاء، أنها نموذج ناجح لإمكانيات امتصاص زخم الهجوم الطويل والمتواصل على المنطقة، وأن مقاومة السياسة الأميركية وعرقلة تقدم أهدافها هو التطور الوحيد الذي يمكن أن يفرض –في النهاية- أشكال وأهداف التسوية وحدودها وحتى مضمونها.

ظاهريا، سيبدو أن المؤتمر يهدف إلى دفع العرب جماعيا إلى التكيّف مع "فكرة التطبيع"، بيد أن هذا الهدف في المقابل سيبدو قليل الأهمية مقارنة بالأهداف الأخرى.

"
من المرجح أن تقوم واشنطن بخلط الأوراق في ساحة الجماعات الإسلامية المقاومة للاحتلال عبر اتباع إستراتيجية "صنع العدو" أي خلق بعض "المجموعات المسلحة" السنية ثم الشيعية تاليا ودعمها وتزويدها بالسلاح والمال، لمجابهة "القاعدة" والصدام المكشوف معها
"
وعلى الأرجح فإن "التطبيع الجماعي" أي دفع النظام العربي الرسمي إلى الدخول في شراكة سياسية، يتشكل في إطارها "معسكر المعتدلين" لمواجهة "معسكر المتطرفين" هدف تكتيكي عرضي، لأن المطلوب في نهاية المطاف هو دمج المنطقة داخل نظام "التكامل الأمني الإقليمي" بحيث لا يبقى أمن إسرائيل جزءا من الأمن القومي الأميركي، وإنما جزء من الأمن القومي العربي.

إن تأجيج روح "الحرب" على إيران في العالم العربي من أجل استبدال الصراع العربي الإسرائيلي أو تجميده، يرتكز إلى معطيات ووقائع على الأرض ساهم الإيرانيون في خلقها.

لقد خلقت السياسية الإيرانية في العراق كل المواد الضرورية لتأجيج هذه الحرب ضدها في العالم العربي، فإيران ومن خلال تعاظم نفوذها وتدخلها السافر، أضحت شريكا في الاحتلال المدمر للعراق، وهي تتحمل نتائجه الأخلاقية، وذلك واضح كل الوضوح من خلال إصرارها على التفاوض مع الأميركيين بشكل مباشر، حول "مستقبل النموذج الأميركي" في العراق، بل واستعدادها -كما أعلن رئيسها أحمدي نجاد- لـ"ملء الفراغ " في حال قرار الأميركيين سحب قواتهم.

هذه التصريحات التي لم تؤجج المخاوف من تزايد النفوذ الإيراني في هذا البلد التعيس فحسب، بل أعادت طرح مسألة تحوّل إيران إلى شريك في الاحتلال لا يتوانى ولا يتحرج من تقديم خدماته للشريك المهزوم، هي واحدة من هذه المواد القابلة للاستغلال أميركيا لتصعيد الحرب العربية ضدها.

إن من شأن استمرار إيران في سياسة استغلال ظروف العراق المأساوية لحسابات ومصالح أنانية ضيقة، أن يفاقم من مخاطر تأجيج مشاعر الغضب ضد إيران في العالم العربي، وهذا بالضبط ما ترغب واشنطن في رؤيته.

فكلما تصاعد الغضب من سياسة إيران، وزاد انزلاقها نحو تأييد أهداف الجماعات الطائفية في العراق بشكل مكشوف، وتشجيعها المبطن لمشروع التقسيم (الذي يتولى المجلس الأعلى بقيادة الحكيم الترويج له تحت غطاء فدرالية الأقاليم)، فإن مادة الحرب العربية الفارسية سوف تصبح أكثر قابلية للاختمار السريع في حاضنة النموذج العراقي.

ولذلك من المحتمل أن واشنطن -داخل أروقة المؤتمر- سوف تستغل "رفض" العرب لفكرة الفدرالية في العراق، وربما رغبة بعض الأطراف في مقاومة مشروع التقسيم، وذلك من أجل تصعيد روح الحرب ضد إيران بوصفها الطرف الإقليمي الوحيد الذي يشجع على "تقسيم العراق" من خلال دعم مشروع الأقاليم الذي يقوده الحكيم.

إن تصوير السياسة الإيرانية في العراق على أنها نتاج "عقيدة مذهبية" ممزوجة بأطماع قومية، هو الوجه الآخر للصراع العربي الفارسي المطلوب أميركيا وإسرائيليا، بل مادته العضوية التي سوف يتشكل منها بوصفه صراعا مركبا، فهو من جهة صراع مذهبي (شيعي سني) ومن جهة أخرى هو صراع قومي (عربي فارسي).

وهذان هما العنصران الرئيسان في صراع بديل يمكن إحلاله محل الصراع العربي الإسرائيلي لوقت طويل، وقد يكون العراق نفسه ساحته الكبرى.

ولذلك، فمن المرجح أن تقوم واشنطن بخلط الأوراق في ساحة الجماعات الإسلامية المقاومة للاحتلال الأميركي، وذلك من خلال اتباع إستراتيجية "صنع العدو" أي خلق بعض "المجموعات المسلحة" السنية (ثم الشيعية تاليا) ودعمها وتزويدها بالسلاح والمال، ومن ثم الدفع بها لمجابهة "القاعدة" والصدام المكشوف معها.

إن خلق "جماعات إسلامية" تقاتل "جماعات إسلامية أخرى" وتشجيع ونشر وتعميم أفكار "مجابهة الإرهاب" يترافق اليوم مع بناء شبكة أو منظومة من المفاهيم الغامضة والملتبسة التي لا تسمح بأي محاولة للتمييز بين المفاهيم، بل وتحويل هذه الأفكار والتصورات إلى سياسة شعبية جذابة.

"
خلق جماعات إسلامية تقاتل جماعات إسلامية أخرى وتشجيع وتعميم أفكار مجابهة الإرهاب يترافق اليوم مع بناء شبكة من المفاهيم الغامضة والملتبسة التي لا تسمح بأي تمييز بين المفاهيم، بل وتحويل هذه الأفكار والتصورات إلى سياسة شعبية جذابة
"
ويمكن التنبؤ في هذا النطاق بإمكانية بروز معطيات ووقائع جديدة ناجمة عن الاستمرار في هذه الإستراتيجية، قد تؤدي إلى توليد ظروف أخرى تجعل "ترتيبات" ما قبل الانسحاب أكثر فاعلية وديناميكية، لأن تشجيع ظهور بعض الجماعات الإسلامية في الساحة السياسية العراقية والعربية، وتركيز الأضواء عليها، قد يكون في صلب "صناعة العدو".

والهدف البعيد من هذه الصناعة هو بكل تأكيد خلق ظروف داخلية في كل بلد عربي شبيهة ومماثلة للنموذج العراقي، وهكذا سوف يكون النموذج العراقي حاضرا بقوة في أروقة المؤتمر.

ليس دون معنى أن المشروع المشترك للنائب الديمقراطي عن ولاية ديلاوير جوزيف بايدن Joseph Biden والرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية في الكونغرس لزلي جيب Leslie Gelb المعروف باسم "حالة التقطيع الناعم للعراق The Case Of Soft Partiton In Iraq" يرتكز في الأساس على تسويق فكرة الفدرالية كحل وحيد لتفادي "الحرب الأهلية".

وهذا بدوره نوع من التحول المثير في "الإستراتيجية العراقية" لقوات الاحتلال، سوف يتمثل كليا من الآن فصاعدا في الانتقال من "صدام الطوائف" إلى الصدام "داخل الطوائف".

وبالفعل، فقد بدأت في غرب العراق اليوم وحتى في جنوبه علامات انتقال قوات الاحتلال من سياسة "دعم طائفة" ضد "طائفة أخرى" -كما كان الحال في أبريل/نيسان 2003- إلى سياسة دعم "القبيلة ضد الطائفة".

ولعل ما يجري في مناطق غرب العراق (الرمادي والفلوجة) حيث تشتبك القبائل "السنية" مع "جماعات سنية" أخرى، تحت ستار مكافحة الإرهاب، أو مواجهة نفوذ القاعدة وطردها من المناطق التي تسيطر عليها، يكاد يكون مجرد مقدمة لحرب مشابهة يراد لها أن تندلع في المناطق الشيعية جنوب ووسط العراق.

في المرحلة التالية من "تسويق مشروع الفدرالية" أو مشروع الحكيم بايدن سوف نشهد اتساعا في رقعة الصدامات المحلية، وتزايدا في احتمالات انتقال الصراع الراهن بين جيش المهدي وقوات الشرطة والجيش إلى صراع تنخرط فيه "عشائر شيعية مسلحة" لتصبح طرفا فاعلا.

إن ما يسمى "برنامج تسليح العشائر" الذي أقرته قوات الاحتلال وباشرت بتنفيذه يتخطى نطاق العشائر والقبائل في غرب العراق ليشمل سائر المناطق الأخرى، وهذا يعني أن كل طائفة سوف تجد نفسها وهي تقاتل "قبيلتها" أو العكس (القبيلة تقاتل الطائفة).

هذا النمط من التقاتل الداخلي من شأنه –حسب واضعي خطة التقسيم الناعم- تسهيل عملية تفكيك العراق وإعادة توزيعه على "الطوائف والقبائل".

وهذا هو بامتياز النموذج (الذي سوف يشع في المنطقة) حسب التعبير الأثير للرئيس بوش، أي النموذج الذي سوف يكون المؤتمر الدولي مجرد "غطاء" لفحصه والتأمل في أخطائه أو عيوبه لا أكثر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة