ديمقراطية الكويت الهادئة   
السبت 25/3/1433 هـ - الموافق 18/2/2012 م (آخر تحديث) الساعة 10:29 (مكة المكرمة)، 7:29 (غرينتش)
 
- أولاً: مجلس بأغلبية عريضة
- ثانياً: لماذا غابت المرأة؟
- ثالثاً: مستقبل المجلس الجديد
 
أين تقف الكويت اليوم؟ كيف أعاد الكويتيون تشكيل خارطة مجلسهم النيابي الجديد؟وأين تكمن الخلاصات والعبر؟
في الثاني من فبراير/شباط 2011، اختار الكويتيون نواب مجلس الأمة الرابع عشر، بأعضائه الخمسين. وبلغ عدد النواب الجدد في المجلس 26 نائباً، بينهم 18 يصلون لأول مرة. وتكون المجلس الجديد من 27 نائباً من الحضر و23 نائباً من أبناء القبائل.
 
أولاً: مجلس بأغلبية عريضة
لقد انتجت انتخابات الثاني من فبراير/شباط مجلساً تسيطر المعارضة على غالبيته المطلقة. وعبر هذه الانتخابات، أضحت مفاتيح مجلس الأمة في أيدي الكتلة الإسلامية، بشقيها الحضري والقبلي.
 
وربما أفاد الإسلاميون، والمعارضة عموماً، من أجواء الربيع العربي ليحققوا انتصاراً هو الأكبر في تاريخ مجلس الأمة. بيد أن المناخ العربي لم يكن، بكل تأكيد، السبب الوحيد في ما حدث. بل هو على الأرجح لا يمثل سببه الرئيسي، فالحسابات الداخلية تبقى الأكثر تأثيراً في تحديد ميول الناخبين وخياراتهم.
 
استفاد الإسلاميون، والمعارضة عموماً، من أجواء الربيع العربي ليحققوا انتصاراً هو الأكبر في تاريخ مجلس الأمة, بيد أن المناخ العربي لم يكن، بكل تأكيد، السبب الوحيد في ما حدث
وهذه الحسابات ترتبط في الغالب بأداء النواب، ومواقفهم من الملفات الكبرى، والرغبة في التغيير والتطوير. كذلك، فإن القدرات التنظيمية والتعبوية للمعارضة، وتحديداً لدى الكتلة الإسلامية، قد لعبت دورها، دون ريب، في تشكيل خارطة المجلس الجديد.
 
لقد حصد الإسلاميون 27 مقعداً، وحصدت المعارضة مجتمعة 33 مقعداً. وقال البعض إن صورة مجلس الأمة الجديد قد اقتربت، على هذا الصعيد، من مجلس 2008، الذي فاق فيه عدد الإسلاميين العشرين نائباً.
 
وإضافة إلى طابعه الإسلامي والمعارض، ضم المجلس المنتخب عدداً لا بأس به من الشباب. إلا أن هؤلاء لا يشكلون كتلة قائمة بذاتها. بل هم جزء من الكتل القائمة، لاسيما الإسلامية.
 
وفي سياق تحديد اللون أيضاً، يُمكن الإشارة إلى أن انتخابات الثاني من فبراير/شباط قد أسفرت عن خسارة كبيرة للتيار الليبرالي.
 
وبالطبع، فإن قضية التيار الليبرالي في الوطن العربي تكاد تكون واحدة، مع بعض الاختلافات الطفيفة، فهذا التيار وجد نفسه أمام شارع يصبغه الاتجاه الإسلامي، أو لنقل الحس الديني العفوي، الذي يقوده لدعم كل من يتحدث باسم الدين.
 
على صعيد رابع، أوضحت نتائج الانتخابات الأخيرة (في الدائرتين الرابعة والخامسة بوجه خاص) أن الناخب الكويتي تخلى عن السير خلف ما يُعرف "بالفرعيات القبلية"، التي تعني انتخاب من سبق وانتخبته القبيلة لتمثيلها في مجلس الأمة.
 
وهذا التحوّل دليل على تطوّر الوعي الوطني لدى الناخبين، وارتباطهم بهويتهم الجامعة، بدلاً عن الهويات الرأسية والفرعية. وما يُعرف بالفرعيات القبلية هي في الأساس بدعة منافية لأصول العمل الديمقراطي، لأنها تنطوي على مصادرة صريحة لحرية الاختيار. وهذا بالطبع فضلاً عن كونها عملية منافية للدستور.
 
ثانياً: لماذا غابت المرأة؟
على صعيد آخر، غابت المرأة الكويتية تماماً عن المجلس الجديد، بعد أن تمثلت بأربع نائبات في مجلس 2009. ولم تخسر المرأة الكويتية مقاعدها فقط، بل تراجعت أيضاً مراتبها في قائمة الخاسرين.
 
وقد قال البعض إن بعض القوى المحافظة سعت عن قصد إلى إبعاد المرأة عن مجلس الأمة. وربما يكون هذا صحيحاً بالنسبة لبعض من يرى في وجود المرأة بالمجالس النيابية أمراً مخالفاً للدين ومقاصده. وبالطبع، هذا رأي لا تتبناه غالبية الأمة ولا غالبية الكويتيين، لكنه موجود على أي حال.

وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا الاتهام لا يصلح أن يساق كتبرير لعدم تمكن المرأة الكويتية من العودة إلى المجلس النيابي. وكحد أدنى احتفاظها بما كانت قد حققته عام 2009.
 
وهناك، من جهة أخرى، من رأى أن أداء المرأة في المجلس السابق لم يرقَ إلى المستوى المأمول منها. وأن النائبات الكويتيات لم يقدمن في المجمل ما كان مرجواً منهن، وخاصة لجهة تعزيز مكاسب المرأة السياسية والمدنية.
 
وهذا القول صحيح على نحو الإجمال، مع ضرورة إنصاف الجهود والمساعي التي بذلت من قبل النائبات الكويتيات.
 
وعلى الرغم من ذلك، فإن مستوى الأداء النيابي لا يُمثل هو الآخر سبباً مقنعاً لعدم نجاح امرأة واحدة في الفوز بمقعد في مجلس يضم خمسين نائباً.
 
في الحقيقة، إن الخلفيات الأكثر مركزية لغياب المرأة عن المجلس النيابي تكمن في البيئة الاجتماعية الكويتية، كما الخليجية عامة. وهي بيئة ما زالت نظرتها للمرأة تتسم بقدر من عدم الإنصاف.
في الكويت، كما عموم الخليج، شهد النصف الثاني من القرن العشرين ما يُمكن اعتباره أكبر عملية تحوّل اجتماعي في تاريخ المنطقة، وذلك على خلفية الثروة النفطية، التي تعاظمت مفاعيلها مع الطفرتين الأولى والثانية.

وقد انعكست هذه الانعطافة على منظومة القيم الاجتماعية السائدة في سياقها الكلي، إلا أن الأعراف ذات الصلة بالنظرة إلى المرأة، ودورها في الحياة العامة لم تتغيّر كثيراً، بل ظلت جامدة، أو قريباً من الجمود.
 
غابت الكويتية تماماً عن المجلس الجديد، بعد أن تمثلت بأربع نائبات في مجلس 2009, ولم تخسر مقاعدها فقط، بل تراجعت أيضاً مراتبها في قائمة الخاسرين
وكان لا بد للناس في هذه المنطقة من الدخول في مصالحة تاريخية بين ضرورات العصر ومقتضيات العرف، بحيث لا يُهيمن أحدهما على الآخر. بيد أن هذا لم يحدث. كما استمر الخلط العشوائي بين الدين والعرف، إلى درجة بات يصعب على البعض التمييز بينهما.
 
هذا هو جوهر المعضلة التي يجب الوقوف عندها حين البحث عن أسباب غياب المرأة عن مواقع الفعل السياسي المؤثر، وخاصة المجالس النيابية. وهذه معضلة يُمكن تلمسها في عموم البلاد العربية، لكنها أكثر تجلياً لدينا في الخليج.
 
فضلاً عن قضية المرأة، تشير القراءة العامة للانتخابات النيابية الأخيرة في الكويت، والنتائج التي أسفرت عنها، إلى مشكلة اجتماعية من نوع آخر، تمثلت في الاستقطاب الطائفي، الذي حدث في بعض الدوائر الانتخابية، حيث صوتت كل طائفة لمرشحيها دون سواهم. وبالطبع، هذه سابقة غير معهودة في الحياة السياسية الكويتية، التي ارتكزت تقليدياً على تعايش أهلي متين.
 
ولعل ما حدث في الكويت هو نقيض ما حدث في البحرين، في انتخابات أكتوبر /تشرين الأول 2010، حيث تبادلت القوى السنية والشيعية الأصوات في أكثر من دائرة.
 
لا ريب أن الكويتيين معنيون بدراسة ما حدث ببعض دوائرهم الانتخابية، واستخلاص عبره، فالمطلوب هو أن تكون الانتخابات سبيلاً لتطوير المجتمع، لا سبباً لفرزه طائفياً.
 
وبالنسبة للكويت، كما لأية دولة أخرى، فإن التعايش الأهلي يُعد جزءاً أصيلاً من مقومات الأمن القومي. وفي اللحظة التي تفقد فيها الدول تعايشها الأهلي، تكون قد أضاعت مبرر وجودها، لأن الوطن، أي وطن، وجد ليكون حاضنة لأبنائه، ووعاءً تتفاعل فيه طاقاتهم، فتنتج ازدهاراً مشتركاً، ونفعاً عاماً، هو ما يُعبر عنه بالمصلحة الوطنية.
 
وحتى بافتراض بقاء الأمن بمفهومه التقليدي الضيق، فإن غياب التعايش الأهلي يعني تشظياً للإرادة المشتركة، والذاكرة الجمعية. وهذا هو المعنى الرديف لضياع الهوية، وفقدان الوطن لدوره ورسالته.
 
علينا أن ندرك أن طائفة زائد طائفة لا تساوي شعبا، بل تساوي طائفتين. وأن الحياة الوطنية لا تبنى استناداً إلى منطق طائفي، وأن الطائفية هي النقيض التام والمكتمل للدولة المدنية.
 
ثالثاً: مستقبل المجلس الجديد
وعلى الرغم من كل ما سبق ذكره، فقد بات للكويت مجلس نيابي جديد، سوف يعكس نفسه على مجمل الحياة السياسية فيها. وربما تكون الكويت قادمة على فترة ساخنة سياسياً، على صعيد العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. إلا أن هذا لا يضيرها في شيء، ما دامت تستند إلى لعبة ديمقراطية يحترمها الجميع.
 
وكما يلحظ المرء، فهناك الكثير من النقاش بين الكويتيين حول مستقبل أداء المجلس الجديد، وما الذي يُمكن أن يقدمه على صعيد المطالب والتطلعات الأساسية للإنسان الكويتي.

هناك من يرى أن التركيبة الجديدة لمجلس الأمة حبلى بالتناقضات، وأن إمكانات التوافق بين أعضائه لا تبدو كبيرة، على الرغم من وحدة النسيج والهوى الثقافي الذي يجمعهم.
 
وبالطبع، إن مثل هذا القول يقدم تبريراً مسبقاً ومجانياً للفشل. وهو لا يبدو منطقياً بحال من الأحوال، إذ ليس المطلوب تماثل الآراء والتوجهات، بل إدراك متطلبات المرحلة، وأولويات الدولة والمجتمع. وهذه مسألة لا علاقة لها، في المجمل، بالتوجهات الفكرية والسياسية للنواب. وإن تأثرت بها بقدر أو بآخر.
 
بات للكويت مجلس نيابي جديد، سوف يعكس نفسه على مجمل الحياة السياسية فيها, وربما تكون الكويت قادمة على فترة ساخنة سياسياً، على صعيد العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية
فالنائب لابد أن يرى في نفسه شخصاً مكلفاً بمهمة، وضعها على عاتقه ناخبوه، وعليه إنجازها وفاءً لهم.

كذلك، لا يبدو من المنطقية في شيء رسم البعض لمعادلة تفاضلية بين خياري التقديمات الاجتماعية والتنمية الاقتصادية بعيدة المدى. فالمعادلة الحاكمة للعلاقة بين الأمرين هي معادلة تكاملية بالضرورة، لا تفاضلية.
 
إن حرص بعض النواب على حصول ناخبيهم على أفضل الخدمات والتقديمات الاجتماعية، يجب أن لا يكون سبباً لمعارضة المشاريع التنموية الطموحة، التي ترتقي بالكويت، وتعزز مكانتها في محيطها العربي والدولي.
إن دولة العدالة الاجتماعية لا تتناقض في شيء مع مبدأ الدولة القوية، ذات القاعدة الإنتاجية العريضة، ومصادر الدخل المتنوعة.
 
وما يُمكن قوله خلاصة، هو أن الكويتيين نجحوا في إنجاز استحقاق وطني، يقربهم خطوة جديدة على طريق التنمية الاجتماعية والسياسية، وصيانة سلمهم الأهلي، وحفظ عيشهم المشترك. إننا أمام ديمقراطية ربح فيها الجميع من حيث ربح الوطن، ولنا فيها عبرة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة