في المسألة الطائفية   
الأحد 3/12/1427 هـ - الموافق 24/12/2006 م (آخر تحديث) الساعة 18:37 (مكة المكرمة)، 15:37 (غرينتش)


بشير موسى نافع

يتصاعد التوتر الطائفي في كل أنحاء المشرق العربي تقريبا. في لبنان ثمة تدافع محتدم منذ أكثر من عامين يعكس في الكثير من جوانبه أزمة مشروع السيطرة الأميركية في المنطقة. ولكن هذا التدافع يأخذ الآن طابعا طائفيا، فما هو في أصله تدافع سياسي بامتياز أصبح وكأنه صراع سني شيعي.

في البحرين التي هي واحدة من أول بلدان الخليج تسييسا، يصوت السكان الشيعة في الانتخابات ليس كاتجاهات سياسية وتيارات فكرية، بل كطائفة.

في اليمن، حيث يتعايش اليمنيون سنة وزيديين منذ قرون بدون أي مظهر للاحتكاك الطائفي، تواجه الدولة تمردا مسلحا ذا توجه شيعي طائفي في منطقة صعدة طوال عامين.

"
تضيف حركة تبشير شيعي نشطة في مناطق أغلبية سنية تاريخية من العالم الإسلامي ظلالا ثقيلة على المناخ الطائفي الراهن، بيد أن البؤرة الرئيسية لهذا التوتر ومصدر توالده الأكثر مأساوية هي العراق
"
وتضيف حركة تبشير شيعي نشطة في مناطق أغلبية سنية تاريخية من العالم الإسلامي ظلالا ثقيلة على هذا المناخ الطائفي، سيما وأن هذا النشاط التبشيري يذكر بنشاطات تبشيرية مسيحية ارتبطت بالهيمنة الإمبريالية على بلاد العرب والمسلمين.

بيد أن البؤرة الرئيسية لهذا التوتر ومصدر توالده الأكثر مأساوية هو العراق. ففي بلاد الرافدين ولد التسنن والتشيع في القرنين الثالث والرابع الهجريين على التوالي، حيث تجاور المذهبان مئات السنين اجتماعا وعلما ورموزا وتجارة وسياسة.

وفي العراق يقف أتباع المذهبين اليوم، وبعد أكثر من ثمانين عاما على ولادة الدولة العراقية الحديثة، وبينهما قدر متسع من الشك والاتهامات والمخاوف المتبادلة والدماء. وبعد الكارثة التي تعرض لها العراق في ربيع 2003 انتشر التوتر والصدام الطائفي إلى كافة الجوار العربي الإسلامي.

الذين تورطوا في التحالف مع المشروع الأميركي لغزو واحتلال العراق كانوا سنة وشيعة. ولكن العناصر السنية في أوساط المعارضين العراقيين الذين وفروا للاحتلال غطاء الشرعية كانت هامشية إلى حد كبير.

وإذا وضعنا في الاعتبار أن القوى الكردية تنظر إلى نفسها من المنظار الإثني القومي، فإن الطابع الشيعي لمعسكر حلفاء الاحتلال كان طاغيا.

ليس ذلك وحسب، بل إن القوى السياسية الشيعية المتحالفة مع الاحتلال قدمت نفسها دائما كقوى شيعية، قوى تقاطعت في برامجها وخطابها وتوجهاتها السياسية بالتوجهات الطائفية. وكان هذا التحالف -هذه السمات- هو أولى مولدات التوتر الطائفي.

بيد أن هذا لم يكن كل شيء. فقد شهد العراق منذ شهور الاحتلال الأولى تطورين بارزين: الأول، كان حملة الاغتيالات الواسعة التي طالت علماء ووجهاء ورجال حكم وجيش سابقين من العراقيين السنة، بحيث بدا وكأن هناك مخططا طائفيا لتقويض الوجود السني في البلاد.

أما التطور الثاني فتعلق بالضغوط التي مارستها القوى السياسية الشيعية من أجل بناء مؤسسات الدولة الجديدة على أساس الحصص الطائفية والإثنية، في توجه للتوكيد أن العراقيين الشيعة يمثلون أغلبية سكان العراق وأن للقوى التي تمثلهم كطائفة الحق في السيطرة على جهاز الحكم والدولة.

ولما كان أصحاب القرار من الأميركيين يخططون أصلا لفتح الملف الطائفي في المنطقة العربية، لم تكن هناك حاجة لكبير ضغط عليهم للقبول بنظام الحصص. هكذا أقيم مجلس الحكم على قاعدة المحاصصة الطائفية والإثنية، وهكذا شكلت الحكومات المؤقتة، وهكذا كتب الدستور العراقي برعاية أميركية.

وقد أحيطت هذه الإجراءات الكبرى بمناخ طائفي مسموم. في مناطق واسعة من العراق، كما في معظم العالمين العربي والإسلامي، شكل غزو العراق واحتلاله إهانة بالغة.

"
في حين أصبحت المناطق العراقية ذات الأغلبية السنية حاضنة المقاومة وسندها، كانت القوى الشيعية تكرس تحالفها مع الاحتلال بهجوم بشع على قوى المقاومة، هجوم استدعيت فيه لغة محملة بالدلالات الطائفية
"
فربما لا توجد منطقة بعد الحجاز والقدس ترتبط بالذاكرة الجمعية للمسلمين كما العراق. هنا كتبت تواريخ العرب والمسلمين، هنا دون فقههم ومجاميع حديثهم، هنا تطورت لغتهم وأبدع أدبهم وشعرهم، هنا برزت خلافتهم في أزهى أطوارها، وهنا يحتضن التراب عظام كبار الأئمة والصالحين ورجالات آل البيت.

ولم يكن غريبا بالتالي أن يحفر الغزو غير المبرر عميقا في وعي العرب والمسلمين وضميرهم. ولذا، كان انطلاق المقاومة العراقية للاحتلال طوق نجاة ومصدر اعتزاز كبيرين.

وفي حين أصبحت المناطق العراقية ذات الأغلبية السنية حاضنة المقاومة وسندها، كانت القوى الشيعية تكرس تحالفها مع الاحتلال بهجوم بشع على قوى المقاومة، هجوم استدعيت فيه لغة محملة بالدلالات الطائفية.

كانت القوى العسكرية والأمنية العراقية الجديدة قد شكلت هي الأخرى على أساس طائفي. وعندما اصطفت قوات الحرس الوطني العراقي إلى جانب القوات الأميركية تستعد لمعركة الفلوجة الأولى، وجنودها يرفعون صور آية الله السيستاني، كان الفصل الطائفي في العراق المحتل يصل ذروته الأولى، ليس بالنسبة للعراقيين وحسب ولكن بالنسبة لعموم المنطقة العربية الإسلامية.

خلال الشهور القليلة التالية من 2004، أخذ مشروع الاحتلال في التصدع، وبدا واضحا أن المقاومة العراقية ليست ظاهرة عابرة. القوى السياسية الشيعية التي تصورت أصلا أن بإمكانها السيطرة على الدولة العراقية الجديدة وحكم العراق ككل، أدركت استحالة تحقيق هذا التصور.

وهكذا ولد مشروع الفدرالية، الذي هو في جوهره مشروع تقسيم طائفي للعراق. بهذا، عززت القوى السياسية الشيعية من صورتها الطائفية ولم يعد ثمة حاجة للبحث عن أدلة اتهامها.

ولم تكن القوى الشيعية هي المسؤولة وحدها عن صناعة هذا الفصام الطائفي؛ فبالرغم من أن الوعي السني بالذات هو في تجربته التاريخية وتصوره للإسلام غير طائفي أصلا، فقد ولد في دائرة المقاومة تيار لم يخف رد فعله الطائفي على كارثة الاحتلال، سواء بالتوجه نحو اغتيال قيادات شيعية أو بالانتقام للضحايا السنة بإيقاع المزيد من الضحايا في أوساط الشيعة.

وسرعان ما تصاعد الفعل ورد الفعل ليتحول إلى صدام طائفي واسع النطاق، لعبت فيه مؤسسات الحكم الجديد، وأجهزته الأمنية على وجه الخصوص والتي تسيطر عليها عناصر سياسية شيعية طائفية، دورا ملموسا.

"
يعتبر أغلب القوى السياسية الشيعية حليفا تقليديا لإيران. وللتاريخ الثقيل للعلاقات العراقية الإيرانية، فقد ارتبط صعود القوى السياسية الشيعية بالخوف العراقي التقليدي من النفوذ الإيراني والحراك الإيراني السياسي الإقليمي النشط
"
يعتبر أغلب القوى السياسية الشيعية حليفا تقليديا لإيران. وللتاريخ الثقيل للعلاقات العراقية الإيرانية، فقد ارتبط صعود القوى السياسية الشيعية، كما مشروع الفدرالية، بالخوف العراقي التقليدي من النفوذ الإيراني والحراك الإيراني السياسي الإقليمي النشط.

وقد أخذت ظاهرة الانقسام الطائفي العراقي تبسط ظلها في كل المنطقة: مرة للتعاطف العربي الإسلامي الواسع مع المقاومة العراقية، مرة لإدانة الوعي العربي الإسلامي لتحالف القوى السياسية الشيعية مع الاحتلال، مرة للخوف من التقسيم الطائفي للعراق، مرة للخشية من النفوذ الإيراني المتزايد في العراق والمنطقة، ومرة من رعب انتقال الانفجار العراقي الداخلي إلى الجوار العربي والإسلامي.

ثمة إشكالية طائفية متفاقمة في العراق، ولكن من الصعب القول بأن هذه الإشكالية التي تتطور إلى تدافع دموي ومأساوي، ذات جذور طائفية.

بمعنى أن الإطار الذي ولدت فيه هذه الإشكالية، والظروف والدوافع التي أدت إلى تصعيدها، هي سياسية في جوهرها لا طائفية. الاجتماع العراقي هو بالتأكيد أكثر تداخلا من الأساطير التي ولدت قبل وبعد الاحتلال حول ماهية العراق.

لا الوسط سني خالص، ولا الجنوب شيعي خالص، لا على مستوى الميراث التاريخي ولا على مستوى الواقع الديمغرافي. وبغداد، التي تضم زهاء خمس الشعب العراقي، يتداخل في أحيائها السنة والشيعة، الأكراد والتركمان، والمسلمون والمسيحيون، كما لا يتجاورون في أي بلد آخر من المنطقة والعالم.

هناك إشكالية وتدافع طائفي في العراق، صحيح، ولكن هذه الإشكالية وهذا التدافع ليسا وليدي توجه سني أو شيعي جمعي للقضاء على الطائفة الأخرى أو دفعها خارج البلاد. مثل هذا التوجه لم يوجد من قبل، وإلا لما اكتسب الاجتماع العراقي هذه التعددية الطائفية والمذهبية والإثنية.

والسياسة الإيرانية في العراق تثير بالتأكيد الكثير من الأسئلة، ليس فقط في أوساط المقاومة والسياسيين السنة العرب، ولكن أيضا في أوساط سياسيين وعلماء عراقيين شيعة عرب.

ولكن سياسة إيران في العراق لا تتطابق مع سياسة إيران في لبنان أو في فلسطين. وإن كانت إيران تنظر إلى العراق من منظار إمبراطوري صفوي، فسياساتها تجاه فلسطين ولبنان أقرب إلى السياسة العثمانية.

كما أن حزب الله في لبنان، وبالرغم من الحرج الكبير الذي يجده في إدانة مواقف وتوجهات القوى العراقية الشيعية، لا يعتبر أن هناك مشروعا واحدا يجمعه وهذه القوى.

"
يقع العراق اليوم في قلب حالة التأزم الطائفي التي تجتاح المجال العربي الإسلامي. ولتحرير المنطقة من حالة التأزم هذه لابد من تحرير العراق من المشروع الطائفي ودعاته
"
الملاحظ بالطبع أن حزب الله يمثل القوة الرئيسية في المعارضة اللبنانية، كما أن تيار المستقبل (الذي بات يتحدث باسم كثير من اللبنانيين السنة) يمثل القوة الرئيسية في الحكومة.

ولكن ذلك لا يمثل اصطفافا طائفيا بالضرورة. ففي حين أن الكتلة الحاكمة تضم طيفا واسعا من القوى والطوائف، فإن المعارضة تتشكل هي الأخرى من طيف لا يقل تنوعا.

المؤكد أن منطقة القلب من العالمين العربي والإسلامي تشهد حراكا سياسيا هائلاً وغير مسبوق، حراكا تلعب فيه المصالح الأجنبية والتحالفات الإقليمية الداخلية والإقليمية الأجنبية دورا كبيرا.

وقد بات البعد الطائفي أداة ذرائعية سهلة التناول في هذا الحراك، يستدعيها هذا الجانب أو الآخر، حتى في شكل دموي، لخدمة أغراضه وأهدافه.

وليس ثمة مثال أكثر وضوحا من العراق على استدعاء الطائفي لخدمة السياسي. فقد دخلت القوى السياسية الشيعية طرفا في مشروع الغزو والاحتلال وهي تحمل مشروعا طائفيا للسيطرة.

وعندما أدركت استحالة إحراز السيطرة الطائفية على كل العراق لجأت إلى مشروع التقسيم الطائفي. ومن أجل زراعة هذا المشروع في أرض البلاد الموحدة أصلا كان لا بد من عنف طائفي أهوج، يقوض آلاف الأسر، يرحل مئات الآلاف من الأسر الأخرى، ويؤسس لأيديولوجية التقسيم.

مسالة التبشير الشيعي تتطلب معالجة خاصة، وهي ليست مدعاة للتفجير على أية حال. ولكن العراق يقع اليوم في قلب حالة التأزم الطائفي التي تجتاح المجال العربي الإسلامي. ولتحرير المنطقة من حالة التأزم هذه لا بد من تحرير العراق من المشروع الطائفي ودعاته.
ـــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة