الوضع السوري.. أي مسار وأي مصير؟!   
الخميس 1432/6/2 هـ - الموافق 5/5/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:02 (مكة المكرمة)، 14:02 (غرينتش)

للمرة الأولى ومنذ أكثر من ثلاثة عقود أصبحت المظاهرات الشعبية وشعارات الحرية والتغيير أهم ما يميز المشهد السياسي السوري، وللمرة الأولى اهتزت قواعد الضبط الأمني وكسر الناس حاجز الرتابة والخوف واندفعوا في الشوارع يطالبون بحقوقهم المشروعة، دون أن يعبؤوا بالعصا الأمنية الغليظة والرصاص الحي!!

وإذ يتفق الجميع على أن لا أحد سوف ينجو من أثار وتداعيات هذه الأحداث النوعية الدامية، وأن البلاد تمر بظروف عصيبة تضعها أمام منعطف حساس وخطير من تاريخها، وتفتح الأبواب على احتمالات شتى، يتمنى لها المتفائلون أن تنتظم في مسار سلمي للتغيير الديمقراطي يقوم على توافق وطني عريض، في حين يجد المتشائمون فيها مزيدا من التوغل في الخيار الأمني وطغيان لغة العنف في إدارة الصراع، مما قد يفضي إلى الانزلاق نحو مخاطر نوعية تهدد حاضر المجتمع ومستقبله.
 
"
يرى المتشائمون أن ما سوف تشهده سوريا في مواجهة الاحتجاجات المتصاعدة هو الإصرار على الخيار الأمني وعلى الظفر بانتصار جديد لسياسة القبضة الحديدية في الدفاع عن الوضع القائم
"
والسبب عند هؤلاء المتشائمين يعود إلى البنية التكوينية لهذا النوع من الأنظمة التي تتحسب كثيراً من الانفتاح على الناس وتتردد في القيام بأية مبادرة إصلاحية جدية لتخفيف حدة الاحتقانات، إما عن ضعف وعجز مزمن في قدرتها على تعديل طرائق الهيمنة القديمة، وإما ربما لأنها اعتادت ذلك ولديها وفرة من التجارب التي تعزز ثقتها بأن العمل المجدي لدوام السيطرة ليس الاستجابة لمطالب الناس بل الاستمرار في إرهابهم وشل دورهم.
 
وإما ربما بسبب قوة لوبي الفساد وتشبث واعٍ بمصالح وامتيازات لا يريد أصحابها التنازل عنها أو عن بعضها حتى لو كان الطوفان، أو لعل الأمر سوء تقدير وتضخيم للذات والاعتقاد بأنها تشكل مدماكاً راسخاً لا يمكن بأي حال زعزعته، وأن ما راكمته من قوى وخبرات أمنية في ضبط المجتمع وتطويعه يمنحها ثقة مفرطة بجدوى هذه الطريق.
 
وأيضاً ما يعزز هذا الخيار عند المتشائمين إهمال النخبة الحاكمة للمستجدات الحاصلة واستهتارها بما يجري من متغيرات في المنطقة، وإصرارها على العيش بقواعد الماضي وحساباته، الأمر الذي يفقد الجميع القدرة على التشارك في رسم رؤية مستقبلية واضحة يمكن على أساسها صياغة خطة متكاملة لبناء مجتمع قادر على معالجة الأزمات المزمنة والخروج من مسار التدهور الراهن بأقل الخسائر والآلام.
 
هذا فضلاً عن شيوع ثقافة في إدارة الخلافات والصراعات فرضها مدعو الوصاية على الناس والأوطان، وجوهرها ليس التنافس الصحي لاختيار الأفضل في قيادة المجتمع والأكثر كفاية للتعبير عن مصالح فئاته وتكويناته المتعددة، بل مبدأ القوة والجبروت ووسائل القمع والإرهاب، وصارت المعادلة الشائعة مع كل أزمة تعصف بالبلاد هي اللجوء إلى الردع الأمني والمسارعة إلى تعطيل دور أي اختلاف أو تعارض بالتزوير والتشهير أو بالقمع والسجون وحتى بالإقصاء والإلغاء.
 
ويخلص هؤلاء إلى نتيجة مفادها أن ما سوف تشهده البلاد في مواجهة الاحتجاجات المتصاعدة هو الإصرار على الخيار الأمني وعلى الظفر بانتصار جديد لسياسة القبضة الحديدية في الدفاع عن الوضع القائم، بما يعني التحايل على الوعود والاستحقاقات الواجبة التنفيذ بالممانعة والمماطلة، جنباً إلى جنب مع توظيف كل أدوات القهر والعنف لمواجهة الحراك الشعبي واستنزاف طاقته وتأجيل نتائجه إلى أبعد مدى ممكن بغرض ربح الوقت وانتظار مستجدات قد تأتي في صالح تثبيت سلطانهم، وكل ذلك على أمل التمكن من كسر هذه الموجة من الاحتجاجات التي تعتبر برأيهم طارئة وعابرة، وإعادة الأمور إلى سابق عهدها.

"لا أمل" يتنهد أحدهم كمن يحاول تفريغ شحنة من اليأس مشوبة بالغضب تعتمل في نفسه، أو كأنه يكثف مواقف أعداد متزايدة من البشر تصل، يوماً بعد يوم، إلى التسليم بأن من العبث الرهان على تغيير العقلية الأمنية السائدة أو نجاح مبادرة سياسية سلمية لاحتواء الأزمة.
 
فما نشهده هو خيار لا رجعة عنه ونابع من تصميم السلطة أو بعضها على التصعيد القمعي أكثر فأكثر، من أجل تثبيت مناخ الخوف والرعب من جديد بين الناس بعد أن بدأت غيومه تنحسر، ولإعادة فرض هيبتها على المجتمع بمظاهر القوة والقمع، دون أن تعير انتباهاً لتطلعات الشباب وحقهم في المشاركة لبناء مجتمعهم صحياً ومعافى، أو للتكلفة المادية والبشرية لمثل هذا الخيار، وللتأثيرات السلبية العميقة التي سوف يخلفها في النسيج الاجتماعي السوري.
 
"
يجد المتفائلون بأن ثمة فرصة أو نافذة أمل لا تزال مفتوحة أمام الحكم السوري لتجاوز الأزمة، تقوم على تعاط سياسي وليس أمنياً مع الجديد الحاصل تحسباً من الوصول إلى حافة الهاوية
"
ويضيف هؤلاء أن الدعايات التي تبث لتغليب الأمن والاستقرار على ما عداهما، أو الروايات التي تشاع عن محاربة إرهابيين ومخربين ينفذون أجندة خارجية، ما هي إلا وسائل غايتها تسويغ الخيار الأمني وامتصاص ردود الأفعال المحتملة، بالتوازي مع العزف على وتر التحذير من خطورة تغيير الأوضاع والتهويل بأنه الخيار الأسوأ أمام احتمال نشوء فوضى أو حرب أهلية قد لا تبق ولا تذر أو احتمال حضور تيار سلفي أو إسلامي متشدد يتحين الفرصة للانقضاض على السلطة والمجتمع!

هو أمر منطقي أن تشكل الأحداث الراهنة نقطة تحول تشجع السلطات على تنشيط مسار الإصلاح السياسي والاهتمام جدياً بحاجات الناس وحقوقهم، خاصة وأن ثمة أنظمة عربية بادرت للتعاطي الاستباقي مع رياح التغيير، فاستجابت لاستحقاقات الانفتاح الديمقراطي وسارعت لتأهيل نفسها لعلاقة جديدة مع المجتمع، وتربية النفس على المشاركة وعلى قبول مبدأ التعددية واحترام الرأي الآخر، كما بادرت إلى إجراء تعديلات خففت إلى حد كبير من القوانين الظالمة لحرية العمل الصحفي وحق تكوين الأحزاب السياسية.
 
لكن الأمور في بلادنا، وعلى الرغم من تنامي رياح التغيير واتساع رقعة تمددها وتأثيراتها، لا تزال تسير بخلاف المنطق، وتشكل على العكس من المتوقع مرتكزاً لتشديد الأساليب الأمنية في إدارة المجتمع وضبط أنشطته، ولاستخدام العصا الغليظة ضد جماعات مسالمة لم تكن تطالب سوى ببعض حقوقها المشروعة.

في المقابل يجد المتفائلون بأن ثمة فرصة أو نافذة أمل لا تزال مفتوحة أمام الحكم السوري لتجاوز الأزمة، تقوم على تعاط سياسي وليس أمنياً مع الجديد الحاصل تحسباً من تفجر الأزمات المتراكمة ودفع الأمور إلى حافة الهاوية، بما يعني توظيف اللحظة الراهنة للتواصل مع القوى الناهضة والتفاعل الإيجابي مع مطالبها.
 
لكن ليس فقط بقرارات تخفف حدة معاناة الناس الاجتماعية والاقتصادية، كزيادة الأجور وتوفير بعض فرص العمل وتخفيض أسعار سلع أساسية ومحاربة بعض وجوه الفساد، بل بإعلان انفتاح ديمقراطي على الناس والتقدم خطوات جريئة على صعيد حقوق المواطنة والحريات والعدالة وسيادة القانون، كمقدمة لا غنى عنها لصياغة عقد اجتماعي متوازن يضمن للجميع حقوقهم على قدم المساواة في المشاركة السياسية وإدارة الشؤون العامة.
ويستند المتفائلون في تعزيز تفاؤلهم إلى وجهة نظر تقول إن الخيار الأمني سوف يلقى الفشل ولن ينجح اليوم كما نجح في الماضي في ترويع الناس وتخويفهم وتثبيط همتهم ومثابرتهم على التظاهر والاحتجاج، والدليل عندهم أن العنف على عشوائيته ودمويته لم يتمكن بعد عدة أسابيع من إخافة المحتجين وردعهم، بل بدا لكل ذي عين أن التوغل أكثر في القمع استجر مزيداً من المظاهرات وارتفاع سقف مطالبها.
 
"
بين التشاؤم والتفاؤل يصح القول إن الأزمة، إن لم تعالج أسبابها السياسية، لن تنتهي مهما كانت قدرة الخيار الأمني على الحسم
"
ويخلصون إلى أن عصا القمع إذ تمكنت في مرات سابقة من الرد على حراك البشر وأجهضت مبادراتهم لنيل حريتهم وحقوقهم، فهي عاجزة اليوم عن إنجاز هذه المهمة، فقد ولت -برأيهم- إلى غير رجعة سياسة تجميد المجتمع بترويعه، ليس فقط لأن حاجز الخوف قد كسر وصار من الصعب ترميمه في شروط الحراك القائمة واتساع مدى الاحتجاجات، وليس للتكلفة الكبيرة التي سوف يتكبدها الجميع لقاء غلبة الأساليب الأمنية، وليس أيضاً بسبب الدور الكبير الذي يلعبه الإعلام في كشف جوف المجتمعات وفضح ما يجري من أساليب اضطهاد ومحاصرتها، بل لأن النخب الحاكمة باتت تعرف أكثر من غيرها بأنه لم يعد من دولة أو رأي عام يمكن أن يساند سلطات محصنة بالاستبداد وتستقوي على شعبها بوسائل العنف، وتالياً لتفادي الآثار المترتبة على ردود الأفعال العالمية والإقليمية التي ثبت أنها تزداد حدة مع ازدياد التوغل في العنف، وأساسا وهو الأهم لأن ثمة ثقافة جديدة فرضت نفسها بقوة اليوم في صياغة المجتمعات، وعنوانها تبدل مصادر الشرعية بانهيار الوصاية السياسية والأيديولوجية، وما يسندها من أدوات قهر وترويع، وحلول الشرعية المستمدة من نيل رضا المواطنين وقبولهم بمن يضمن عيشهم الكريم ويصون حقوقهم وحرياتهم.
فيما مضى تم التهرب تحت الرايات الوطنية والقومية من الاستحقاقات الفعلية للناس، وتمكنت النخب السياسية بدعوى مواجهة المطامع الإمبريالية والصهيونية ومعالجة الوضع الممزق للأمة العربية، من تسويغ مختلف أشكال الاستئثار وتشديد القبضة القمعية على المجتمعات والتحكم بثرواتها، لكنها اليوم بعد النتائج المحبطة التي وصلنا إليها، وبعد الثورات التي حصلت في تونس ومصر واليمن وغيرها، لم تعد تستطيع إعادة إنتاج شرعيتها السياسية كما كانت تفعل سابقاً لتسويغ استمرارها في سدة الحكم وتبرير ما تقوم به، وباتت أشبه بمسألة حيوية ضرورة القطع مع الإرث القديم والتأسيس لمشروعية جديدة تستمد مقوماتها من ضمان حقوق الناس وحاجاتهم ومن تعزيز الشفافية والمكاشفة ومحاسبة كل مسؤول على أخطائه كطريق وحيدة وقادرة على نقل المجتمعات إلى حيز الآمان وإلى مستقبل يكون محط ثقة الشباب والأجيال القادمة.

وهنا لا يترك المتفائلون نافذتهم مشرعة على الفراغ، بل يشترطون لنجاح الفرصة وضع مشروع الانتقال إلى الديمقراطية على نار حامية، ويطالبون لإنجازه بصورة آمنة الارتقاء في الوعي والمسؤولية والقدرة على المبادرة والشجاعة للقيام بما يشبه الثورة في المفاهيم وطرائق التفكير وأشكال إدارة الصراع، والأهم عندهم هو العمل الحثيث من قبل مختلف النخب على نزع صواعق التفجير الداخلي وإفشال المحاولات المغرضة لنقل الصراع السياسي إلى مستويات متخلفة ومدمرة، وأولاً إعادة بناء عتبة من الثقة المفقودة تبدأ بالوقف الفوري لكل أشكال القمع والعنف، وبإطلاق سراح كافة المعتقلين والاعتراف بحرية وحق الجميع في المشاركة السياسية، كخطوة لا يمكن دونها التقدم خطوات حيوية وملموسة أخرى نحو إرساء قواعد الحياة الديمقراطية في المجتمع.

"
لن تهدأ أرواح الشهداء الذين سقطوا أو تستكين إذا لم تتحقق مطالب الحرية والكرامة التي ضحوا من أجلها!
"
وبين التشاؤم والتفاؤل يصح القول إن الأزمة، إن لم تعالج أسبابها السياسية، لن تنتهي مهما كانت قدرة الخيار الأمني على الحسم، بل هي مع كل يوم يمر تبدو أكثر قابلية للاستمرار والتطور، مما يرجح تكرار المظاهرات وتواتر الاحتجاجات ربما بصورة أكثر حدة والنتيجة واحدة هي حلقة جديدة من المعاناة والآلام والضحايا، خاصة إذا ما استمر أهل الحكم في تجاهل مطالب الناس ورفضوا حراكهم وراهنوا على هزمه، وأحجموا بالتالي عن البدء بإصلاحات سياسية جدية تنقل المجتمع إلى عالم الديمقراطية، ولا يستبعد عندها أن يفضي تأجيل هذا الاستحقاق وتأخير خطوات التغيير طلباً للحسم الأمني إلى اندفاعات وتداعيات على المجتمع والدولة لا تحمد عقباها!!
 
والحال أن أفضل وصف للأحداث الراهنة التي تمر سوريا بها هو القول إنها أشبه بمخاض أو لنقل مرحلة انتقالية يقف على مسار وطرق معالجتها الكثير في رسم مصير هذا البلد ومستقبله، لكن مع كل قطرة دم ذكية تراق ومع استمرار أنين المقهورين وعذابات المعتقلين، يتعمق الشرخ وتضيع الفرص، وبلا شك لن تهدأ أرواح الشهداء الذين سقطوا أو تستكين إذا لم تتحقق مطالب الحرية والكرامة التي ضحوا من أجلها!
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة