العراق ورجاله المرضى   
الثلاثاء 1428/6/4 هـ - الموافق 19/6/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:17 (مكة المكرمة)، 12:17 (غرينتش)


سيبدو العراق الجديد ذات يوم -في مرآة التاريخ وحدها- شبيهاً بمريض سقيم يرقد في مستشفى حربي متنقل بعد أن يئس الأطباء تقريباً من شفائه، في حين أن من حول سريره تدور رحى حرب كأن لا نهاية لها.

وبينما تتعفّن جراح المريض، ويصبح الأمل في شفائه شبيهاً إلى حدٍ بعيد بالأمل في معجزة، تتواصل الحرب بضراوة من حول المريض، ويغدو الموت شبحاً رهيباً يتجول في كل مكان حيث مزيج الدم والبارود.

"
أهم المؤشرات على نفاد الوقت بالنسبة للنظام السياسي الراهن في العراق حصول توافق بين طهران وواشنطن على استبدال ثلاثة من أركانه بثلاثة آخرين يمكن أن يتقبلوا ويلبوا احتياجات ومقتضيات المرحلة القادمة بديناميكية وسرعة أكبر
"
ليس العراق الجديد وحده مَنْ يرقد في سريره عليلاً سقيماً. إن رجال السياسة فيه يرقدون هم أيضاً في أسرتهم بينما تتواصل من حولهم حرب من نوع آخر. إنها حرب "مناورات سياسية" يديرها دبلوماسيون وجنرالات في واشنطن وطهران، وفي مسرح بلد ثالث اختاروه بعناية.

آخر هذه المناورات كانت علنية ومكشوفة إلى أبعد مدى، وقد حددت الأطراف هدفها بقدر من الدقة والوضوح: التخلص من بعض "السياسيين المرضى" وإخلاء أسرتهم لاستقبال نزلاء جدد.

ولهذا الغرض وحده قام الرئيس جورج بوش مؤخرا، وفي سياق سلسلة تدابير أمنية وعسكرية و "طبية" بإجراء لقاء سياسي عبر دائرة تلفزيونية مغلقة مع قطبين بارزين من أقطاب العراق المريض هما طارق الهاشمي وعادل عبد المهدي. فما الذي يعنيه هذا اللقاء مع هذين الرجلين على وجه التحديد، وبعد أيام فقط من انتهاء المحادثات الإيرانية الأميركية حول العراق؟

قبل هذا اللقاء بأيام قليلة وبينما كان الحوار الإيراني الأميركي يدور في أجواء من السرية التامة داخل منطقة محصنة في العاصمة العراقية، كان رئيس الوزراء نوري المالكي يتلقى آخر تهديد أميركي باقتراب فترة حكمه من نهايتها "لأن الوقت بدأ ينفد بسرعة ولأن صبر الأميركيين ليس دون حدود" كما قال أكثر من مسؤول أميركي.

في اليوم السابق لبدء الحوار كان قطبان آخران بارزان من أقطاب الحكم هما رئيس الجمهورية جلال الطالباني ورئيس قائمة الائتلاف الشيعي عبد العزيز الحكيم، يغادران إلى واشنطن -كل على انفراد ومن دون مراسيم توديع- من أجل مزيد من الفحوص الطبية.

الأول يشكو من زيادة "غير طبيعية في وزنه" أثارت قلق الأطباء، وحملتهم على نقله بسرعة لمزيد من الفحوص في مستشفى "مايو كلينيك". أما الثاني فإنه يشتكي بخلاف زميله من النحول والهزال بسبب "أورام سرطانية في الرئة" قال عنها نجله عمار الحكيم إنها "قابلة للعلاج" في طهران، وأن الحكيم (الأب) يفضل أن يرقد في مستشفى بالعاصمة الإيرانية على البقاء في واشنطن ما دامت الفحوص الطبية تتطلب وقتاً أطول.

الأقطاب الثلاثة الطالباني والحكيم والمالكي -منظورا إليهم من هذه الزاوية وفي سياق الوقائع المتتابعة لحالتهم الصحية والسياسية وحسب- هم مرضى يواجهون جميعاً أو كلاً على انفراد مما يبدو نوعاً من "نفاد الوقت".

بيد أن نفاد الوقت هذا –منظورا إليه من زاوية محض سياسية تخص مستقبل النظام الراهن- سيبدو كما لو أنه ربع الساعة الأخير، قبل أن يتلقى بقية أقطاب وأركان الحكم إنذارا أخيراً بالرحيل. وثمة مؤشرات كثيرة على ذلك سبقت ورافقت الحوار الأميركي الإيراني في بغداد.

من بين أهم المؤشرات على نفاد الوقت بالنسبة للنظام السياسي الراهن في العراق، حصول توافق بين طهران وواشنطن على استبدال ثلاثة من أركانه بثلاثة آخرين يمكن أن يتقبلوا ويلبوا احتياجات ومقتضيات المرحلة القادمة بديناميكية وسرعة أكبر، لأن الوقت نفسه بدأ بالنفاد بالنسبة لإدارة بوش بعد أن بلغ الصراع مع الكونغرس حول التمويل المرتبط بجدولة الانسحاب نقطة حرجة للغاية.

في هذا النطاق من مشكلة الوقت، تدور في كواليس بعض العواصم العربية والأوروبية معلومات عن توافق إيراني أميركي على ملامح مرحلة ما بعد المالكي والطالباني والحكيم. وربما التوافق على ملامح مرحلة "ما قبل إياد علاوي" الذي لوح الأميركيون باستخدامه كورقة ضغط على طهران.

لقد كشفت سلسلة مترابطة من الوقائع كيف أن الإيرانيين في شرم الشيخ ثم بغداد تشبثوا بمطلب استبعاد إياد علاوي نهائيا من قائمة المرشحين لمرحلة ما بعد المالكي، وهم يفضلون استبدال رئيس الوزراء الحالي بعد شهرين من الآن برئيس وزراء جديد هو عادل عبد المهدي العضو القيادي في المجلس الإسلامي.

"
واشنطن اليائسة من رجال العراق المرضى تشعر بيأس أكبر من شفاء العراق نفسه على يدها، وهي تفضل مرغمة في هذه المرحلة مشاركة الطبيب الإيراني الذي تطوع لتقديم الترياق الشافي
"
الأميركيون من جانبهم في شرم الشيخ ثم بغداد ردوا بأنهم يفضلون هم أيضاَ عبد المهدي، ولكن شرط انسحاب حزبه الصغير المسمى "الديمقراطية والتنمية" من قائمة الائتلاف الشيعي الحاكم، وبشرط تأليفه حكومة قادرة على تقديم مقاربة جديدة على ثلاثة أسس يمكن أن ترسم ملامح العراق سياسياً واقتصادياً وحقوقياً في المستقبل.

هذه الأسس التي يعتبرها الأميركيون مفتاحاً سحرياً لتوافق الطبقة السياسية العراقية، ووقف تناحر أطرافها هي:
أولا: تعديل قانون "اجتثاث البعث" بما يتيح عودة "بعثيين معتدلين" إلى واجهة الحياة السياسية تحت يافطة حزب البعث العربي الاشتراكي.

فيما يتصل بهذه النقطة الحسّاسة توصل الأميركيون والإيرانيون -عبر مختلف القنوات- إلى تفاهم على "عودة بعثيين غير صداميين" ومشاركتهم في عملية سياسية جديدة.

ويبدو أن هذا الفريق من البعثيين الذي يفتقد شرعية تمثيل البعث عبر عن استعداده للانخراط في الحياة السياسية العلنية، وأدار بعض ممثليه في عمان مؤخرا سلسلة لقاءات سرية مع مبعوثين أميركيين وحكوميين، تمحورت كليا حول اشتراكهم وربما تسليمهم حقيبة الداخلية لتولي مهام حفظ الأمن بصورة مباشرة.

الثاني: تمرير قانون استثمار النفط والغاز بأسرع وقت، وتخطي سلسلة العراقيل التي وضعها الأكراد أمام إقرار القانون في صورته الحالية.

وكما بينت الكثير من الوقائع، فقد لعبت مطالبات التحالف الكردستاني (المبُالغ فيها من وجهة نظر الأميركيين) سواء ما تعلق منها بنفط كركوك، أو بحق إدارة وإبرام اتفاقات استكشاف النفط بعيدا عن رقابة بغداد؛ دورا أساسيا في تعطيل عملية تمرير القانون داخل مجلس النواب.

ولأن تبعات ومسؤولية تعطيل القانون، تُلقى -حتى هذه اللحظة- على التحالف الكردستاني، فإن الأميركيين اتجهوا بقوة إلى تطوير تفاهم ضمني مع الإيرانيين على الحد من طموحات الأكراد النفطية وذلك بتعديل القانون شكليا بحيث يسمح للشركات الأميركية مستقبلا ومن دون أي عوائق قانونية بوضع اليد فعليا ولعقود طويلة تالية على كامل صناعة النفط العراقي استكشافا وإنتاجا وتصديرا.

الأكراد من جانبهم استشعروا مبكرا احتمال "خيانة الحلفاء الأميركيين" لهم، وباتوا الآن أكثر هلعا جراء المخاوف الشعبية المنتشرة في أوساطهم من اقتراب اللحظة المأسوية لنهاية الحلم الكردي خصوصا وأن هذه النهاية تلوح في الأفق بينما يرقد الطالباني في المستشفى.

الثالث: تعديل الدستور الدائم، ولكن من دون المساس بالفقرات الأصلية "المركزية" الواردة في مسودة نوح فيلدمان اليهودي الأميركي، وشرط أن تساهم التعديلات المطلوبة في إبقاء العراق داخل وحدة جغرافية وسياسية هشة و شكلية بحيث يُترك الباب مفتوحاً أمام تمرير فكرة "الفيدرالية" مستقبلا.

وبكل تأكيد فقد دار الحوار الإيراني الأميركي برمته حول حلول شكلية ممكنة، ولكن على أساس أنها حلول مطلوبة بإلحاح في هذه المرحلة من أزمة النظام الراهن. فالأميركيون -مثلهم مثل الإيرانيين- يشعرون بخيبة الأمل والحرج وربما السخط على الفريق الحاكم، لسوء أدائه وفساده وتدني كفاءته الإدارية والسياسية، وبطبيعة الحال بسبب عجزه عن تقديم أي حل لأي مشكلة من مشاكل العراق العويصة.

وهم يفضلون -على الأقل في هذه المرحلة من التفاهم بين طهران وواشنطن- أن يشاهدوا رئيس وزراء جديدا يكون قادرا على تطوير هذا التفاهم ورعايته.

ويبدو أن ثمن موافقة واشنطن على مطلب طهران بتسمية عادل عبد المهدي رئيسا للوزراء بدلا من المالكي، كان حصولها على موافقة إيرانية صريحة بتسمية طارق الهاشمي رئيسا للجمهورية بدلا من الطالباني الراقد في "مايو كلينيك".

قاد هذا التفاهم إلى تفاهم آخر شديد الخطورة والحساسية: استبدال دور المجلس الأعلى بدور جديد للتيار الصدري، وإعادة "تأهيل" مقتدى الصدر للعب دور بديل عن عبد العزيز الحكيم المريض في مستشفيات طهران.

ذلك ما يفسر الإعلان عن ظهور الصدر فجأة في مسجد الكوفة، وقبل يوم واحد فقط من بدء الحوار الإيراني الأميركي.

"
الأميركان والإيرانيون سوف يفشلون في التوصل إلى علاج حقيقي لمعضلة العراق، وسيكتشفون عاجلا أو آجلا أن المريض العراقي يمكن أن يشفى بل ويتعافى حين تترك له حرية اختيار الطبيب والمستشفى ونوع الدواء
"
ولذلك يرسم الحوار الإيراني الأميركي ملامح عراق جديد آخر سوف يمسك به ثلاثة أقطاب:
1- تحالف إسلامي (سني) بقيادة طارق الهاشمي مدعوم بشكل خفي من جماعات "إسلامية مسلحة" سهر الأميركيون أصلا على دعمها وتصويرها كقوى مقاومة يمكن التفاوض معها بديلا عن المقاومة الوطنية الحقيقية.

وفي هذا النطاق هناك معلومات مثيرة عن تلقي جماعات "إسلامية مسلحة" دعماً بالسلاح والمال من الولايات المتحدة الأميركية عبر "وسطاء عرب" وذلك من أجل خلق عدو يمكن التفاوض معه بديلا عن العدو الحقيقي.

2- تحالف (شيعي) جديد بقيادة مقتدى الصدر، بديلا عن عبد العزيز الحكيم الذي تقلصت شعبيته في الوسط الشيعي إلى أبعد حد، قوامه وركيزته الأساسية جيش المهدي، ولكن بعد إعادة تأهيله كقوة قابلة للانخراط الإيجابي في الحرب على الإرهاب. أي الشروع في مهام قتالية مباشرة ضد المقاومة الوطنية.

وهذا يعني تحول تيار الصدر إلى حزب سياسي في المرحلة المقبلة، بينما يصبح جيش المهدي جزءا من بنية النظام الأمنية.

3- تحالف ليبرالي جديد يقوده رئيس الوزراء المقبل عادل عبد المهدي الذي سوف يفك تحالفه مع الائتلاف الشيعي لينتقل إلى ائتلاف عريض مع جماعات ليبرالية وعلمانية أخرى وقد يضم إياد علاوي نفسه.

واشنطن اليائسة من رجال العراق المرضى، تشعر بيأس أكبر من شفاء العراق نفسه على يدها، وهي تفضل -مرغمة في هذه المرحلة- مشاركة الطبيب الإيراني الذي تطوع لتقديم الترياق الشافي.

بيد أن الأحداث والظروف كذلك بينت من قبل كما تبين اليوم، أن مشكلة المريض العراقي لا تكمن في نوع الدواء ومقدار فاعليته؛ بل في وجود طبيبين متنافسين أميركي وإيراني لا يقدمان إلا ما يشبه العلاج، بينما المريض يواجه ما يشبه الموت.

كلاهما الطبيب الأميركي والإيراني يبدوان قادرين على التفاهم الآن وفي المستقبل، لا على تقديم علاج حقيقي يشفي المريض؛ بل على إبقائه راقدا في سريره أطول وقت ممكن، والإيحاء للعالم كله بأنهما منشغلان بعلاجه.

بالطبع يستطيع الأميركيون في مايو كلينيك تقديم علاج فعال ينْقصُ من وزن الرئيس ليعود إلى كردستان رشيقاً كما لو كان في الثلاثين من عمره. كما يستطيع الإيرانيون أن يقدموا عقاقير مهدئة لآلام السرطان للمريض "الشيعي" في طهران، تجعل صراخه الليلي أقل ضجيجاً.

لكن الأميركيين والإيرانيين نهاية المطاف سوف يفشلون في التوصل إلى علاج حقيقي لمعضلة العراق، وسيكتشفون عاجلا أو آجلا أن المريض العراقي يمكن أن يشفى بل ويتعافى حين تترك له حرية اختيار الطبيب والمستشفى ونوع الدواء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة