تقييم معاهدة السلام في سنتها الثلاثين   
الاثنين 1430/4/4 هـ - الموافق 30/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 17:47 (مكة المكرمة)، 14:47 (غرينتش)


إبراهيم يسري

مع حلول الذكري الثلاثين لتوقيع اتفاقية السلام المثيرة للجدل مع إسرائيل، كثر الحديث في الأوساط المصرية مؤخرا خاصة في أعقاب الجريمة الإسرائيلية في غزة، ومع فوز المتطرفين اليهود بزعامة نتنياهو، عن ضرورة إعادة النظر في علاقات مصر بالدولة العبرية الصهيونية التوسعية.

"
جاءت المطالبة بإلغاء اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية وتوابعها لهشاشة السلام الذي أسسته ولفقدان المصداقية في التزام إسرائيل بما توقع عليه من تعهدات وتنكرها لكل التزاماتها في أوسلو ومدريد
"
وجرت المطالبة بإلغاء اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية وتوابعها وذلك لهشاشة السلام الذي أسسته ولفقدان المصداقية في التزام إسرائيل بما توقع عليه من تعهدات وتنكرها لكل التزاماتها في أوسلو ومدريد.

ونعرض هنا إلى طبيعة الاتفاقية من الناحية القانونية وإمكانيات إلغائها وتوابع هذا الإلغاء.

تخلع الأنظمة العربية وكتابها على الاتفاقية صفة قدسية لا تمس، وتعطيها خلودا لا يصل بها إلى نهاية، وفي هذا السياق تستخدم بعض الأوساط المصرية اتفاقية السلام بين إسرائيل ومصر كفزاعة ترهب بها كل من يطالب بإلغائها. وتتراوح أسباب الفزع والهلع بين أن اتفاقية السلام معاهدة دولية ملزمة ولا يمكن التهرب من التزاماتها، وبين التهديد بأن إلغاء الاتفاقية يعني العودة إلى حالة الحرب وقيام إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية لمصر تستعيد بها سيناء على الأقل.

وحقيقة الأمر أنه لا موجب في القانون الدولي ولا في ميثاق الأمم المتحدة لعقد اتفاقيات سلام بين الدول التي تشتبك في منازعات مسلحة، لأن استخدام القوة يحرمه الميثاق، وبالتالي فالحالة الطبيعية للعلاقات الدولية هي حالة السلم، وتعتبر المنازعات المسلحة بين الدول خروجا على قواعد ميثاق الأمم المتحدة الذي حرم استخدام القوة في تسوية الخلافات بين الدول.

فالمنازعات المسلحة لا تنشئ ولا تقيم ما كانت تسمي في القانون الدولي التقليدي بحالة الحرب وبالتالي لا حاجة لتوقيع اتفاقية سلام لأنها كانت تستخدم عندما كان على الدول أن تعلن حالة الحرب ومن ثم يتطلب الأمر اتفاقية صلح أو سلام لإنهاء حالة الحرب.

وتفصيل ذلك أنه في ظل القانون الدولي التقليدي وقبل دخول ميثاق الأمم المتحدة حيز النفاذ كانت الحرب جائزة وكانت لها قواعد لإعلانها وإنهائها، واستلزم القانون الدولي ثلاث وسائل لإنهاء حالة الحرب وإقامة علاقات سلمية بموجب اتفاقية سلام خاصة يتم توقيعها بين الدولتين.

غير أن هذه الأحكام قد تغيرت في ظل أحكام ميثاق الأمم المتحدة، فقد حرم الميثاق استخدام القوة لحل المنازعات الدولية ولم يعد هناك في ظل الميثاق ما تسمى بحالة الحرب، ولذلك يصبح أساس الالتزام بالسلم هو ميثاق الأمم المتحدة وليس اتفاقيات الصلح أو السلام أو حتى معاهدات عدم الاعتداء، ومن هنا تفقد اتفاقية السلام فاعليتها ووجودها القانوني إذ إن نص الميثاق باعتباره معاهدة شارعة (Law making treaty) يسمو ويجب كل معاهدات السلام أو الصلح.

وفضلا عن عدم وجود توصيف قانوني لهذه الاتفاقية وعدم الحاجة إليها لإرساء السلام بين مصر وإسرائيل، فقد تضمنت الاتفاقية نصوصا تتعارض تعارضا واضحا مع أحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

"
الدعوة إلى أنه قد آن الأوان لقيام مصر بإلغاء اتفاقية السلام هي إجراء سليم من الناحية القانونية أولا إعمالا لحق السيادة، وثانيا لأن إسرائيل خرقت الكثير من المبادئ التي تضمنها إطار السلام في كامب ديفد واتفاق أوسلو وما تم بعدها
"
فعلى سبيل المثال تعد المادة السادسة بمجملها باطلة بطلانا مطلقا لتعارضها مع مبادئ قانون المعاهدات وتجاهلها القواعد المستقرة في القانون الدولي العام، ومن ذلك ما تضمنته في فقراتها الثانية والرابعة والخامسة من نصوص نعرضها فيما يلي:

تنص الفقرة "2" من المادة "6" على أنه يتعهد الطرفان بأن ينفذا بحسن نية التزاماتهما الناشئة عن هذه المعاهدة، بصرف النظر عن أي فعل، أو امتناع عن فعل من جانب طرف آخر، وبشكل مستقل عن أي وثيقة خارج هذه المعاهدة.

وأتت الفقرة "5" بحكم مماثل حيث نصت على أنه يقر الطرفان بأنه في حالة وجود تناقض بين التزامات الأطراف بموجب هذه المعاهدة، وأي من التزاماتها الأخرى، فإن الالتزامات الناشئة عن هذه المعاهدة تكون ملزمة ونافذة. وهذا النص يتضمن تلقائيا إلغاء أي حكم مخالف في أي معاهدة أو اتفاقية أخرى (المقصود هنا اتفاقية الدفاع المشترك بين الدول العربية) وهو أمر لا سند له وفقا لأحكام اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات. بل تمضي الفقرة "5" فتمنح أحكام اتفاقية السلام وضعا يسمو على أحكام ميثاق الأمم المتحدة وغيرها من المعاهدات الدولية الشارعة المتعددة الأطراف.

وكذلك فإن ما جاء بها عن التزام مصر بإقامة علاقات دبلوماسية معها (إسرائيل) هو شرط لاغ ولا قيمة له في القانون الدولي. وفي المجتمع الدولي الحديث أصبح من الأحكام النافذة والمتفق عليها في القانون الدولي أن لكل دولة مستقلة ذات سيادة الحق في إقامة علاقات دبلوماسية مع الدول الأخرى المستقلة ذات السيادة.

والحق في التمثيل (right of legation) يتفرع من حقوق الدولة السيادية، ولقد استقر هذا الحق في القانون الدولي، وفي الماضي كان يؤكد النص صراحة على حق التمثيل في معاهدات خاصة (السويد/هولندا 1614).

فطبقا للعرف الذي استقر في القانون الدولي، فمن المسلم به هو أن وجود سفارة دائمة لإحدى الدول لدى دولة أخرى هو أمر من أمور المواءمة ولا يرقى إلى مرتبة الحق الثابت الذي يلزم الحصول عليه قانونا. ويوجد في المجتمع الدولي ما تسمى بحالة عدم تمثيل دبلوماسي (non-relationship).

وعلى هذه الخلفية فإن ما يسمى باتفاقية سلام يفتقد أسانيده القانونية في المجتمع الدولي ولذلك فإن الدعوة إلى أنه قد آن الأوان لقيام مصر بإلغاء اتفاقية السلام هي إجراء سليم من الناحية القانونية أولا إعمالا لحق السيادة، وثانيا لأن إسرائيل خرقت الكثير من المبادئ التي تضمنها إطار السلام في كامب ديفد واتفاق أوسلو وما تم بعدها من وثائق وتعهدات في خارطة الطريق وتفاهمات تينيت وغيرها انتهاء بأنابوليس، وأقامت السور العازل الذي جرمته محكمة العدل الدولية، وتوسعت في بناء المستوطنات والاستيلاء على الراضي العربية، كذلك داومت إسرائيل على انتهاك أحكام الاتفاقية لمرات عديدة وعلى مدى سنوات طويلة.

"
قبول منطق التخوف من قيام إسرائيل بشن هجماتها على مصر إذا ألغت الاتفاقية معناه الوحيد هو رضوخ القرار السياسي المصري للإرادة الإسرائيلية، وهو أمر لا تقبله دولة مستقلة ذات سيادة ولا يجيزه القانون الدولي
"
ولهذا يتضح أن الاتفاقية ليست اتفاقية سلام وإنما هي اتفاقية غرضها الأساسي هو وضع قيود على ممارسة مصر لحقوق السيادة على إقليمها وفي علاقاتها الدولية، ولا معنى ولا محل لما تضمنته من تقييد الإرادة السياسية المصرية في الدخول في اتفاقيات دولية، واشتراطها إلغاء مصر لالتزاماتها الواردة في اتفاقيات دولية (اتفاقية الدفاع المشترك) فهي إذن غير لازمة لإرساء السلام، ولكن الغرض منها هو وضع قيود لا معنى لها على ممارسة مصر لحق السيادة على كامل ترابها في سيناء بعد أن مرت عقود على توقيع الاتفاقية.

أما استخدام الاتفاقية كفزاعة تخوف بها معارضيها بالتلويح بخطر قيام حرب إسرائيلية عند إلغاء الاتفاقية، فهو لا يؤثر في ضرورة ووجوبية هذا الإجراء كحق مصري سيادي والتزام عربي لمصر على أساس عدم لزوم الاتفاقية من جهة ولأن بقاءها سارية لن يقي مصر من حرب عدوانية لاستعادة سيناء.

والخلاصة إن قبول منطق التخوف من قيام إسرائيل بشن هجماتها على مصر إذا ألغينا الاتفاقية معناه الوحيد هو رضوخ القرار السياسي المصري للإرادة الإسرائيلية، وهو أمر لا تقبله دولة مستقلة ذات سيادة ولا يجيزه القانون الدولي.
ــــــــــ
سفير مصري سابق

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة