"ويكيليكس" وجدل الهوية في الأردن   
الجمعة 18/10/1432 هـ - الموافق 16/9/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:00 (مكة المكرمة)، 12:00 (غرينتش)


 
تعيدنا وثائق ويكيليكس رغما عنا إلى جدل الهوية في الأردن، وما يترافق معه من جدل يتعلق بالتوطين والوطن البديل، وكذلك ما يطلق عليه البعض الحقوق المنقوصة للأردنيين من أصل فلسطيني. ويتبدى ذلك من خلال إصرار رسائل السفارة الأميركية في الأردن على تصنيف الأردنيين إلى شرق أردنيين وأردنيين من أصول فلسطينية، وحديثها الدائم في هذا شأن الهوية والانقسام الإقليمي وحقوق الأردنيين من أصل فلسطيني، فضلا عن تبني بعض النخب الفلسطينية في الوثائق لفكرة الحقوق المتساوية (سياسيا)، بل ذهاب بعضها أبعد من ذلك عبر المطالبة بضغوط على النظام من أجل تحقيق ذلك.
 
منذ ظهور تيار الحقوق المنقوصة -إذا جاز التعبير بالطبع- في الساحة الأردنية (يسميه البعض تيار المحاصّة)، ووضع الأردنيين من أصل فلسطيني يتأثر سلبيا، ليس على صعيد التمثيل السياسي وحسب، بل على الكثير من الأصعدة الأخرى أيضا.
"
منذ ظهور تيار الحقوق المنقوصة في الساحة الأردنية ووضع الأردنيين من أصل فلسطيني يتأثر سلبيا، ليس على صعيد التمثيل السياسي وحسب، بل على الكثير من الأصعدة
"
والحال أننا إزاء أمر طبيعي، فعندما تتعايش فئتان دون أن تشعر إحداهما بتهديد الأخرى لوجودها يبقى التنافس في الحدود الدنيا التي يعرفها الاجتماع الإنساني، حتى عندما يتنافس شقيقان على موقع من المواقع أو مكسب من المكاسب.
 
لكن الوضع يغدو مختلفا ما إن تشعر إحدى الفئتين بتهديد الأخرى لمصالحها، فضلا عن وجودها، وقد يغدو مختلفا أيضا عندما يضيق الحال وتقل الموارد، وهنا في الحالة الأردنية الراهنة حضر البعدان معا، إذ تراجعت الأوضاع الاقتصادية، وصار من كانوا يكتفون بالعمل في القطاع الخاص يبحثون عن الوظيفة الحكومية بعد تراجع الفرص في القطاع الخاص، فيما دخل الطرف الآخر ميدان المنافسة في القطاع الخاص إثر تراجع الفرص الحكومية ومستوى دخلها، وصار ينافس بشكل جيد بعد توفر الكفاءات اللازمة إثر الاهتمام الكبير بالتعليم العالي خلال العقود الثلاثة الماضية.
 
أما في البعد الآخر، فكان طبيعيا أن يشعر الشرق أردنيين بالتهديد في ضوء حديث الطرف الآخر عن الحقوق المنقوصة، مع استعداد البعض للاستقواء بالأجنبي من أجل تغيير الوضع، وهو ما أفضى إلى ردة فعل سلبية تبدو مفهومة بلغة الاجتماع الإنساني والسياسي.
 
اللافت بالطبع أن كثيرا من المتحدثين عن الحقوق المنقوصة كانوا من رموز الدولة السابقين، وهو ما زاد عمليا في التأثير السلبي للظاهرة، ومنح مناهضيها ذخيرة للهجوم عليها وعلى رموزها.
ما زاد في التأثير السلبي للظاهرة هو مجيؤها إثر انسداد سياسي في المسألة الفلسطينية، ويقين الجميع بأن حق العودة لن يكون واردا في أية تسوية مهما كانت، فيما تبدو ملامح تلك التسوية سيئة على نحو لا يفضي إلا إلى التوطين، وتبعا له الوطن البديل إذا كانت "الديمغرافيا" هي الأساس في اللعبة الديمقراطية.

هناك أيضا ذلك البعد المتعلق بظهور تيار سياسي في أوساط الشرق أردنيين يبالغ -أحيانا بشكل مقصود ونتاج دوافع مختلفة- في ترويج الهواجس المشار إليها، وهو ما زاد في مخاوف تلك الفئة، وعزز لديها الشعور بالمؤامرة القادمة.
 
من هنا فإن النتيجة التي يمكن الحديث عنها بالنسبة للأردنيين من أصل فلسطيني كانت عكس ما أراد دعاة الحقوق المنقوصة، ليس على صعيد التمثيل السياسي الذي يمكن ملاحظة تراجعه المضطرد في البرلمان منذ العام 89 يوم كان يقترب من الربع، وحتى الآن إذ يقل عن 15%، وتبعا لذلك وإن بقدر أقل في السلطة التنفيذية؛ بل على أصعدة تتعلق بالحقوق المدنية أيضا، وبالطبع بسبب شمول الحشد الإقليمي لقطاعات أخرى من الناس لهم مواقعهم في المؤسسات الرسمية على سائر المستويات.

والحق أن الغالبية الساحقة من الأردنيين من أصل فلسطيني لم تكن منشغلة في يوم من الأيام بمسألة التمثيل في البرلمان أو حتى الحكومات، لا سيما أنها لم تشعر يوما بأن مستوى ذلك التمثيل قد أثر على حياتها بشكل جوهري، دون أن ينفي ذلك اهتمامها ببعض القضايا التي تطال الشرائح الفقيرة ومحدودة الدخل منها، وربما بعض الطبقة المتوسطة، مثل التعيين في المؤسسات الحكومية والقبول في الجامعات، إلى جانب المساواة العملية أمام القانون (يشكو الشرق أردنيين بدورهم من التمييز ضدهم في القطاع الخاص، أو الشق الفلسطيني منه).

الأهم من ذلك هو أن قضية فلسطين بتحولاتها المختلفة لا تزال الأكثر حضورا في وعي الأردنيين من أصل فلسطيني (لا يقلل ذلك من مستوى اهتمام أشقائهم الشرق أردنيين بها أيضا)، ونتذكر أن الفصائل الفلسطينية حتى العام 89 -تاريخ عودة البرلمان- كانت تنشط -بقدر من السرية بالطبع- بمسماها الفلسطيني التقليدي وباهتمامها الفلسطيني أيضا، ولو حضرت حماس بقوة قبل ذلك التاريخ (انطلقت نهاية العام 87)، لما اختلف حالها عن الفصائل الأخرى، بالرغم من وجود الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمون).
 
"
أسوأ ما يمكن أن يترتب على جدل الهوية الجديد، وما كشفته وثائق ويكيليكس، هو تعزيزه للموقف السلبي من طرف فئة بحق الفئة الأخرى، بعد الحصول على أدلة تؤكد الهواجس الموجودة أصلا
"
لعل أسوأ ما يمكن أن يترتب على هذا الجدل الجديد وما كشفته وثائق ويكيليكس هو تعزيزه للموقف السلبي من طرف فئة بحق الفئة الأخرى بعد الحصول على أدلة تؤكد الهواجس الموجودة أصلا، أما الذي لا يقل أهمية فيتمثل في تأثيرها السلبي على مسيرة الإصلاح ومطالب الفئات التي تشعر بأن ما أنجز أو ما وُعد بإنجازه إلى الآن لا يلبي الطموحات الشعبية، وهي فئات تنتمي إلى سائر الشرائح الشعبية والأصول والمنابت.

والحق الذي لا يماري فيه العقلاء هو أن أحدا لن يكون بوسعه أن يفرض على الشرق أردنيين تنازلات يرفضونها، وحتى لو توفرت الضغوط الخارجية فإن ترجمتها على الأرض لن تكون ممكنة من دون هزات سياسية لا يحتملها الوضع.
 
نقول ذلك لأن هذه الفئة لم تعد كما كانت قبل عقود، إذ إن تصاعد الاهتمام بالتعليم العالي -ومن ثم بالقطاع الخاص- في أوساطها قد أفرز نخبة سياسية واقتصادية واجتماعية على درجة عالية من الوعي، باتت في بعض القطاعات تتفوق على النخبة ذات الأصول الفلسطينية، وهذه النخبة -ومن ورائها شارع مسيّس- ليست هشة إلى درجة أن يُفرَض عليها ما لا تريد وما لا يلبي طموحاتها ويحافظ على مكاسبها.
هذا البعد ينبغي أن ينزع جزءا من المخاوف بين صفوفهم، ويعزز إمكانية التفاهم على مقاربة من لون آخر تمنح الأردنيين من أصل فلسطينيي سائر حقوقهم المدنية دون تمييز، لا في القانون ولا في الممارسة، مقابل الإبقاء على معادلة الحقوق السياسية ضمن نسبة معقولة تمنح الطمأنينة للطرف الأول بخصوص الهوية السياسية للدولة.
يتطلب ذلك بالضرورة قدرا من حق التعبير عن الهوية الفلسطينية في مواجهة الصهيوني الذي يريد إلغاءها، وما يستتبع ذلك من نشاطات تؤكد هذا البعد -في مقدمتها نشاطات حق العودة- ودعم المقاومة في الأراضي المحتلة بوصفها المسار الوحيد القادر على تحرير الأرض التي ستستقبل أهلها القادمين من الخارج، الذين لا يعودون إلى صحراء قاحلة، بل إلى بقعة مقدسة ورائعة بكل المقاييس، اقتتلت الإمبراطوريات عليها طوال القرون.
 
نقول ذلك أولا لأن هناك من يروج لأن الأردنيين من أصل فلسطيني لا يريدون العودة إلى ديارهم، وهو أمر صحيح في حال تواصل الاحتلال، لكنه غير ذلك في حال تحررت الأرض الفلسطينية، وهو حلم لم يعد بعيد المنال بعد الربيع العربي، وفلسطين مرة أخرى ليست صحراء قاحلة، وإنما بلد يمكنه العيش من السياحة وحدها، فكيف وسواحله مدججة بالثروات، لا سيما الغاز.
 
ولا حاجة للتذكير هنا بإمكانية الوحدة بين الأهل على ضفتي النهر كمطلب شعبي سيكون أكثر قابلية للتحقق بعد التحرير وليس قبله، وهو تحرير سيشارك فيه أبناء الأمة جميعا وفي مقدمتهم الأردنيين.

في السياق ذاته، أثبتت وثائق ويكيليكس الجديدة أن الحركة الإسلامية لم تتورط في هذا الجدل، بل هي متهمة بحسب الوثائق بتعزيز ثقافة حق العودة في أوساط اللاجئين الفلسطينيين، وهو ما يؤهلها أكثر من سواها لطرح رؤية سياسية يجتمع عليها الناس، وتكون ضربة للمخطط الصهيوني ذي الأهداف المعروفة.

"
لن يكون صعبا على العقلاء في الأردن أن يؤكدوا على إصلاح سياسي حقيقي يأخذ هواجس التوطين والوطن البديل بنظر الاعتبار، مع الحفاظ على أسس التعايش بين جميع الأطياف
"
أما الإصلاح السياسي، فهو المسار الذي يصبّ في مصلحة الشعب الأردني بكل فئاته، ويفيد قضية فلسطين أيضا، وهو كذلك في سائر أنحاء العالم العربي، إذ إننا نؤمن إيمانا راسخا بأن فلسطين تسكن قلب كل أردني، أيا يكن أصله أو منبته، كما تجد موقعها في صدارة اهتمام كل عربي ومسلم.
 
ولن يكون صعبا على العقلاء في الأردن أن يؤكدوا على إصلاح سياسي حقيقي يأخذ هواجس التوطين والوطن البديل بنظر الاعتبار، مع الحفاظ على أسس التعايش بين جميع الأطياف، في الوقت ذاته الذي يرشد بوصلة السياسة نحو وجهتها الأهم ممثلة في التحدي الصهيوني الذي يستهدف الأردن كما استهدف فلسطين.
 
إن جدل الهوية بصيغته التي نتابعها لا يخدم غير العدو الصهيوني، وربما أعداء الإصلاح أيضا، وعلى العقلاء في الأردن أن يعملوا على توحيد الصف بكل ما أوتوا من قوة، ففي زمن الربيع العربي لا مكان لغير برنامج الحرية والإصلاح الذي يعيد السيادة للشعوب، وتبعا له لغة الكرامة التي لن تتحقق لهذه الأمة دون اقتلاع المشروع الصهيوني من جذوره.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة