جنيف وأخواتها.. بينما سوريا تحترق   
الاثنين 26/8/1433 هـ - الموافق 16/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 9:08 (مكة المكرمة)، 6:08 (غرينتش)

كأن العالم يتسلى، أو هو يبحث عن نوافذ للترفيه عن نفسه جراء الإحباطات الكثيرة التي يعيشها على أكثر من صعيد، ويهرب بالتالي من أزماته الاقتصادية وإفرازاتها الاجتماعية، ولا يجد سبيلاً إلى ذلك سوى في الأزمة السورية.

وصل الأمر في سوريا إلى حد اجتراح أساليب جديدة في القتل والامتهان، في فترة سماح متاحة من المجتمع الدولي، وفي انتظار أن يُسقط القتلة أنفسهم أو يقضي الله أمراً كان مفعولاً!

تلك الأزمة التي تطحن البشر والحجر في مأساة تجري على أعنتها، تأخذ الوقت الكافي والتخطيط المريح والفعل السهل وغير الممتنع في قتل البشر وامتهان كرامتهم، وتجريب كل الطرق الممكنة وغير الممكنة وتلك المجربة، بل ويصل الأمر إلى حد اجتراح أساليب جديدة في القتل والامتهان، في فترة سماح متاحة من المجتمع الدولي، وفي انتظار أن يُسقط القتلة أنفسهم أو يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

ليس القصد من وراء ذلك إنتاج نص تجريبي، لكن هل يحتاج الوضع في سوريا إلى لغة دبلوماسية غامضة وخجولة تفتقر إلى حس المسؤولية الدولية وروح المبادرة من أطراف المسؤولية الدولية، في حين أن البلد بمجمله مقيم في غرفة العناية المشددة، ويَجرّ إلى المجهول منطقةً هي بالتوصيف الدولي ذات صفات حيوية وصبغات معقدة؟

وما الداعي إلى هذا الكم من التناقض الذي أظهرته التفسيرات المختلفة لأطراف مجموعة العمل الدولية لنص اتفاق جنيف، فيما بدا وكأنه صبيانية دبلوماسية غير مضحكة، وكأن سوريا في بداية أزمتها أو حتى ما زالت في مرحلة التهيؤ للأزمة، أو كأن دبلوماسية حل النزاعات ما زالت بلا خبرة ولا أدوات أو أطر قانونية تؤطرها، ولم تعبر فوق ركامات الجثث في رواندا وسيراليون وكوسوفو وليبيا؟!

كأن العالم يتسلى، وإلا فماذا يعني قول المبعوث الدولي والعربي المشترك كوفي أنان إن الأزمة قد يحتاج حلها إلى عام آخر، وإن بدا أن هذا الدبلوماسي العتيد يكشف حقيقة حركة واستعداد المجتمع الدولي تجاه الأزمة السورية. لا بأس، فربما تكون مدة العام كفيلة بالترفيه عن هذا الدبلوماسي المتقاعد، لكن المؤكد أنه قبل نهاية هذه المدة سيكون الجرح السوري قد نزف بما يكفي لموت سوريا أو تعطيلها وإخراجها من دائرة الحياة.

في الوقت الذي يدرك فيه أنان أن مهمته قد ماتت منذ اليوم الأول الذي أطلقت فيه عصابات السلطة السورية النار على السوريين تحت ذقن ممثله روبرت مود الذي ينتقد اجتماعات الفنادق الفخمة، في حين أنه هو نفسه وبعثته يقيمون في أفخم الفنادق الدمشقية، ويأنفون النزول للشوارع الملتهبة ورؤية الضحايا ومعرفة أعدادهم، وهو أضعف الإيمان، كما يرفضون -وبإصرار عجيب- إنهاء مهمتهم كشهود زور، ولا يخرج مود للإعلام إلا من أجل التصريح بأن الحكومة السورية أكدت له التزامها بتطبيق الخطة السداسية!

وفي الواقع، وإذا أردنا أن ننصف الحراك الدولي تجاه سوريا ومحاولة تقريبه إلى الفهم السياسي، يمكننا القول إن هذا الحراك ينطوي على نمط إستراتيجي معين لمعالجة الأزمة، وذلك عبر مقاربتها وكأنها حدث ساكن وغير متحرك يمكن تزخيمه بأطروحات دبلوماسية تعمل على إيجاد ديناميات سياسية تشكل مسارات لحلول مرجوة، بينما الوقائع على الأرض تشكل ديناميتها الخاصة، وتبتدع مسارات جديدة للأزمة يصبح معها الفعل الدولي بتفاهماته وقضاياه الخلافية وكأنه بات يخص قضايا منتهية بفعل التقادم.

مبادرات المجتمع الدولي تتقدم على الورق في إطار عملية جدلية، بمعنى أن كل مبادرة تستولد مبادرة متقدمة بعض الشيء عن سابقتها، ولكن كل مبادرة تموت بسبب أعطاب في داخلها

ونتيجة ذلك تمكن ملاحظة أن مبادرات المجتمع الدولي تتقدم على الورق في إطار عملية جدلية، بمعنى أن كل مبادرة تستولد مبادرة متقدمة بعض الشيء عن سابقتها، ولكن كل مبادرة تموت بسبب أعطاب في داخلها غالباً ما تنتجها الخلافات الدولية رؤيوياً ومصلحياً، ونتيجة الإهمال القصدي لتثبيت آليات محددة وواضحة لإنفاذ تلك المبادرات على أرض الواقع وتحويلها إلى فعل منتج لمسارات حلول حقيقية.

ماذا يعني ذلك؟ لم يعد خافياً أن الأزمة السورية باتت تشكل بيئة ومختبراً للسياسات الدولية، حيث تمارس روسيا تمرينات في السياسة الدولية وفي إستراتيجيات التفاوض، وتستثمر في ذلك هامش الرخاوة في البيئة الدولية، ويتضح هذا المعنى بوضوح في التفاهمات التي تجريها موسكو مع بعض الأطراف الغربية والتي كثيراً ما يتم الاستعجال في إعلانها، ثم ما تلبث الدبلوماسية الروسية أن تنفض يديها من هذه التفاهمات، في محاولة لتجريب طرق تفاوض جديدة، واستكشاف مدى استعداد الغرب لتقديم المزيد من التنازلات في طريق مساعي الكرملين للعودة بروسيا كقوة عظمى، وعلى الجانب الآخر يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية بدورها تحاول تجريب تعديل النمط التدخلي الذي اتبعته في السنوات الأخيرة، عبر دفع شركائها الغربيين إلى قيادة عمليات التدخل والاكتفاء بدور المشرف والمعاين، تماما كما فعلت في ليبيا.

وهو ما يبدو أنه سيكون عنوان التوجهات الأميركية المقبلة في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً في ظل الإستراتيجية العسكرية الأميركية التي أعلنها الرئيس باراك أوباما في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، والتي تقضي بتحويل تركيز قوة الولايات المتحدة إلى منطقة آسيا/الهادئ، حيث تعمل الإدارة الأميركية على تحويل نحو 60% من سفنها الحربية وغواصاتها ومدمراتها وسفنها القتالية الساحلية إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ بحلول عام 2020، والانتشار بقوة في المنطقة التي تتزايد أهميتها الاقتصادية والجيوإستراتيجية، حيث تمثّل دول آسيا المطلة على المحيط الهادئ مركز الثقل الاقتصادي العالمي بإسهامها بأكثر من نصف الناتج الاقتصادي العالمي.

لكن في مقابل ذلك تشهد الأزمة السورية تطورات متسارعة، إن على مستوى زيادة عسكرة الثورة أو على مستوى تآكل البناء الوطني السوري وزيادة تهشيمه، وهو ما يشكل دينامية داخلية مشتعلة تعمل على تغذية الأزمة السورية في مقابل التطور البطيء في الحراك الدولي.

وتؤكد المعلومات الميدانية أن الحركة المناهضة لحكم الأسد -والتي تأخذ الطابع العسكري- تشهد تطورات مهمة في طريقة عملها وتنظيمها، بحيث يجري تحويلها من حركة عسكرية طوعية إلى هيئة فعلية لها بنية عسكرية أكثر تنظيماً.

الأمر الذي انعكس بشكل واضح في زيادة فعاليتها الميدانية، فضلاً عن زيادة الخبرة التي امتلكتها هذه المجموعات وتحسن إمدادات الأسلحة إليها، غير أن هذا التطور الميداني بقدر ما يشكل عاملاً ضاغطاً على القوات التابعة للأسد ويضعف من قدرتها على السيطرة على الأرض، فإنه لا يملك القدرة عن منع هذه القوات من ارتكاب المجازر بحق السوريين، حيث يدفعها شعورها بالضعف المتزايد إلى اتباع وسائل أكثر وحشية، وهو ما عكسته الأسابيع الأخيرة بوضوح تام.

بات الخطر يرتسم بشكل واضح في مناطق الاحتكاك أو الانقسام الطائفي الواقعة على أضلع المربع الممتد بين نهر العاصي ومدن الساحل السوري، وهذا هو نطاق الحرب الأهلية

وعلى صعيد البناء الوطني، لم يعد خافياً أن طول الأزمة وتصاعد حدة وتيرة العنف قد عملا بدرجة كبيرة على إعادة صنع مقاربات وطنية جديدة عن الوحدة الوطنية والموقف من مؤسسات الدولة وحتى طبيعة الدولة ذاتها، صحيح أن الوضع لم يصل بعد إلى حد الاحتراب الوطني الكامل والواضح، غير أن الانقسام بات متأسساً حول كل القضايا التي تشكل مجالاً مشتركاً للعيش الواحد ولإمكانية بناء دولة عصرية واحدة تحت حكم الأسد أو من دونه.

وقد بات الخطر يرتسم بشكل واضح في مناطق الاحتكاك أو الانقسام الطائفي الواقعة على أضلع المربع الممتد بين نهر العاصي ومدن الساحل السوري، وهذا هو نطاق الحرب الأهلية. هناك أيضاً من يحاول تجريب إقامة كيان دولة ويهيئ لها النطاق الجغرافي الضروري والمكون الديمغرافي المنسجم.

كلهم يجربون، بمن فيهم المعارضة السورية نفسها التي ما زالت تجرب العمل السياسي وتظن أنها لا تزال أمام فترة سماح مديدة، بينما الشعب السوري يعيش تجربة الموت والتشرد، ويرتهن مئات الآلاف من أبنائه في أقبية السجون ليسجلوا بعد ذلك في قوائم المفقودين، وعصابات السلطة بدورها تجرب حرق البلد وقتل الولد علّ ذلك يساعد في بقاء سلطة الأسد!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة