سوريا وروسيا.. مبدأ ضرورة الاختيار ونوستالجيا المستقبل!   
الأربعاء 9/12/1425 هـ - الموافق 19/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 11:43 (مكة المكرمة)، 8:43 (غرينتش)






















عماد فوزي شُعيبي

فيما سيبدأ الرئيس السوري بشار الأسد زيارته إلى موسكو، لا تبدو أن هذه الزيارة تمر كغيرها من الزيارات التي انتهجها الأسد وسيلة لتجسيد القاعدة الذهبية في السياسة وهي "ضرورة الاختيار" والتي بلغت أعلى تجلياتها في زياراته إلى كلّ من لندن محسناً العلاقة مع بريطانيا لأول مرة منذ عقود، ومدريد التي تكاد أن تكون طيّاً تاريخياً لذكريات العرب مع سقوط غرناطة! وروما وبكين، ولن ننسى العلاقة مع باريس رغم كل ما يشوبها اليوم، والأهم تلك العلاقة مع أنقرة التي نقلتها من عدو احتمالي بالأمس إلى صديق يرقى إلى مستوى الحليف، مع عدم التضحية بالخيارات الأخرى مع إيران والدول العربية، وأخيراً التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية الشراكة السورية الأوروبية مما يجعل سوريا عصية على مغامرة أميركية ويجعلها في العرف السياسي (المشاغب) وليس (المجرم) وعادة ما تحيل العقلانية السياسية المشاغب إلى دائرة الذي يجب التفاهم معه وليس إلى ذلك الذي يجب تحطيمه.

فموسكو في الذاكرة العالمية كانت الداعم الرئيس للرئيس الراحل حافظ الأسد، ومن خلال العلاقة المتوازنة معها أي تلك التي لم تصل إلى حد الدوران في فلكها، أمكن له أن يتسلل لينال موقعاً إقليمياً له استقلاليته النسبية.

"
الحملة الإسرائيلية ومن ثم الأميركية بخصوص زعم حول صفقة يراد إعدادها في زيارة الرئيس السوري لموسكو، هي بمثابة محاولة لاستحداث "ضربة استباقية" لمنع إمكانية طرح هذا الموضوع على صعيد التنفيذ
"
هذه الذكرى قد تكون بشكل أو بآخر وراء تلك الحملة التي ظهرت قبل قدوم الأسد إلى موسكو. وحيث تأكد أنه ليس ثمة من صفقة فعلية لشراء أسلحة روسية لصالح سوريا، فإن الحملة الإسرائيلية ومن ثم الأميركية بخصوص زعم حول صفقة يراد إعدادها في زيارة الرئيس السوري لموسكو، ستكون بمثابة محاولة لاستحداث "ضربة استباقية" لمنع إمكانية طرح هذا الموضوع على صعيد التنفيذ أثناء زيارة الأسد الأولى لروسيا.

وما يعزز هذا الموقف فعلياً هو كون وزارة الخارجية الإسرائيلية قد قامت بالتحذير عبر البحوث السياسية التابعة لها من إعادة نشوء محور روسي سوري كوزن مضاد للتفوق الأميركي (حسب تعبيرها في العالم) وكمؤثر سلباً على الوضع الإسرائيلي؛ على اعتبار أن مثل هذا المحور -حسب المركز نفسه- من شأنه أن يفتح ثغرة في الجبهة المتبلورة ضد إيران النووية.

والواقع أن الإسرائيليين يرون أن موسكو مرشحة للتحرر من تحرزاتها تجاه الخطوط الحمر الأميركية على اعتبار أن بوتين غاضب على جورج بوش لأنه يبقي عدداً من القواعد العسكرية في دول وسط آسيا التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي سابقاً.

في هذا الوقت، لا يتحمس الروس لتوسيع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي نحو نطاق حدودهم، فضلاً عن انتصار المؤيدين للغرب على المؤيدين للروس في أوكرانيا بتواطؤ أميركي يشعل غضباً واضحاً في الكرملين، ما يضع في جبهة واحدة نادرة إدارة بوش وأوروبا الغربية في مواجهة روسيا، وهو ما يقلق بوتين والمؤسسة الأمنية حوله أو التي جاء منها هو حسب تعبير الإسرائيليين أنفسهم.

فبوتين يبحث عن سبيل لخدمة ما يراه مصلحة روسية؛ بزيادة نفوذ روسيا دون جر العالم إلى حرب باردة. وفي الطريق أيضاً السماح لصناعات السلاح الروسية بالربح.

"
تخشى إسرائيل من التقارب السوري الروسي الذي يذكَّر بميزان القوى المعتدل الذي أدارت من خلاله سوريا الصراع عبر سنوات طويلة في السبعينيات والثمانينيات في ظل اتحاد سوفياتي قوي
"
ويبالغ الإسرائيليون في اعتبار أن زيارة الرئيس السوري لموسكو ستكون فرصة لتعديل إستراتيجي روسي سوري لميزان القوى المختل كلياً لصالح الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. إلا أن أبرز مبالغاتهم تتجلى من خلال القول إنهم كانوا يعرفون عن تلك الصفقة الشيء الكثير، وإن شارون الذي يدعي أنه على علاقة متميزة ببوتين، كان يفضل أن تبقى هذه المسألة في حدود الاتصالات المخفية للانقلاب عليها بعيداً عن تأثيرات الصحافة ومستتبعاتها.

لكن المؤكد أن كشف صحيفة كومر سانت الروسية لما زعم عن صفقة للسلاح بين سوريا وروسيا، قد جاء لتحرير الصحافة الإسرائيلية من تناول هذا الأمر علناً، ما يعني -بصورة أو بأخرى- أن هنالك تواطؤاً قد حدث مع تلك الصحيفة التي يملكها -عملياً - يهودي روسي على خلاف مع بوتين؛ وهو من أقرب الناس إلى إسرائيل.

اللافت أن تلك الصحيفة قد تحدثت عن صواريخ بالتفاصيل المملة مما لا يمكن أن يتوفر فعلياً لصحيفة، فهي تحدثت عن صواريخ يصل مداها إلى 280 كلم ويمكنها بلوغ أهداف في إسرائيل، وأن سوريا طلبت 18 صاروخاً من هذا النوع، في وقت تؤكد فيه إسرائيل بنفسها أن سوريا تمتلك اليوم صواريخ يمكنها إصابة كل نقطة داخل إسرائيل تقريباً.

ولا بأس من أن تثير من الجرعة الإعلانية كي تؤكد أنها صواريخ قديمة مزودة اليوم بأسلحة كيميائية! بهدف جعل الضرر كبيراً؛ لأن الصواريخ قديمة وهذا ما يعني أن اللعبة تتأتى بصورة واضحة على أساس أن هنالك إمكانية واضحة بأن تطلب سوريا بديلاً من تلك الصواريخ القديمة وهو ما يعكس فعلياً كيف أن تلك "الصفقة" قد صيغت بلعبة واضحة، خصوصاً أنها تربط تلك الصواريخ بإمكانية نقلها إلى حزب الله، الأمر الذي يعني خلطة (إرهابية على الطريقة الأميركية) طالما أن هنالك من يسعّر ربط حزب الله بالإرهاب.

كما أن الإسرائيليين يرون كما كتب عمير رابابورت في معاريف الإسرائيلية بأنه "في الحقيقة أنه ليس لسوريا ما تعول عليه في صفقة السلاح الجديدة، بحيث يمكن فهم حقيقة أن إسرائيل تبذل كل ما في وسعها كي تحبطها، وبإعطاء الأمور وزنها الحقيقي فإنه: حتى عندما يصل السلاح -إذا ما وصل- فليس في ذلك ما يؤثر حقا على التفوق العسكري المطلق لإسرائيل".

"
الثلاثي القادم إلى وزارة الخارجية الأميركية (رايس،  زليك, بيرنز) غير الثلاثي المنصرف(باول، أرميتاج, غروسمان) فهو الأكثر حزما تجاه إيران، والأكثر شكا تجاه روسيا والأكثر عداوة تجاه سوريا
"
الهدف كما قلنا من قبل إسرائيل في هذا المجال هو احترازي، ومن أجل التشويش على أي تحول روسي تجاه سوريا أو تجاه دور روسي في المنطقة ومحاولة إظهار وكأن أزمة إسرائيل الأخيرة مع الاتحاد الروسي سببها سوريا وليس أمراً آخر، خصوصاً وأن إسرائيل باتت تتحدث عن صفقة من صاروخي (كورنيت وميتس) اللذين يحملان على الكتف ويشكلان عنصراً مضاداً للدبابات بصورة ناجعة، إضافة إلى صواريخ 18- إيغلا المضادة للطائرات، والتي تطلق من الكتف في محاولة لتسعير الموقف إزاء سوريا-حزب الله.

على الرغم من أن الخلاف الروسي الإسرائيلي، يرتبط بالانتخابات الأوكرانية، كما يؤكد الإسرائيليون على لسان سيفر بلوتسكر بأن ردود الفعل العصبية للكرملين على عصيان الانتخابات في أوكرانيا، تسلسلت إلى حد إطلاق شتائم بشأن "مؤامرة صهيونية" في كييف وموقف بوتين من الرأسماليين اليهود في روسيا وعلى رأسهم صاحب جريدة كومار سانت، إلا أن محاولة ربط سوريا بهذ الموضوع تعني إلى حد كبير أن إسرائيل تخشى فعلياً من التقارب السوري الروسي الذي طال انتظاره، والذي يذكَّر بميزان القوى المعتدل الذي أدارت من خلاله سوريا الصراع عبر سنوات طويلة في السبعينيات والثمانينيات في ظل اتحاد سوفياتي قوي.

صحيح أن العالم غير العالم، وروسيا ليست الاتحاد السوفياتي لكن عودة روسيا إلى المنطقة تشكل ذكريات (نوستالجيا) سيئة للغاية لدى كل من تل أبيب وواشنطن، رغم عدم توافر وضع إستراتيجي حقيقي.

وعلى الرغم من كل ذلك، تقر إسرائيل أن القيادة التالية في وزارة الخارجية الأميركية - كونداليزا رايس، مساعد الوزير المرشح روبرت زليك ونائب الوزير للشؤون السياسية، السفير في ناتو نيكولاس بيرنز، تعد ودودة لإسرائيل أكثر من الثلاثي المنصرف (كولن باول، ريتشارد أرميتاج ومارك غروسمان) وهي الأكثر حزما تجاه إيران، والأكثر شكا تجاه روسيا والأكثر عداوة تجاه سوريا التي تجمد التوتر معها، للأسابيع القريبة القادمة.

فهم يعرفون أن كل هذا لا يزال بعيدا عن استعادة الحرب الباردة بين الكتلتين، ويجعل التقارب السوري الروسي ضرباً من تعددية في الخيارات السورية.



ــــــــــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة