من يخشى الديمقراطية في مصر؟   
الاثنين 1432/8/10 هـ - الموافق 11/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:21 (مكة المكرمة)، 13:21 (غرينتش)


"ما هو أنا لو عملت انتخابات دلوقت النحاس هيكسب، يبقى إحنا عملنا إيه؟!" نُقِلتْ هذه العبارة عن البكباشي (المقدم) جمال عبد الناصر في اجتماع عقد في 29 ديسمبر/كانون الأول 1952. كان ذلك الاجتماع يضم عددا من أعضاء مجلس قيادة الثورة وكبار قيادات الإخوان المسلمين، وكانت طبيعة التحول السياسي في مصر بعد انقلاب يوليو هي محل النقاش.

"
بعد ثورة 1952حل البرلمان، ومنعت الأحزاب السياسية، وجمدت الحريات العامة، وسيطر العسكر على السياسة وما دون السياسة
"
وبقية القصة معروفة، حل البرلمان، ومنعت الأحزاب السياسية، وجمدت الحريات العامة، وسيطر العسكر على السياسة وما دون السياسة. وخلاصة الموقف: خسرت مصر حريتها لمدة 57 عاما حتى ثورة 25 يناير.

ومصطفى النحاس المشار إليه كان زعيما لحزب الوفد الليبرالي، وكان الوفد في الماضي أكثر الأحزاب السياسية شعبية ونفوذا. وخوفا من انتصار ليبرالي في الانتخابات أيدت قيادة الإخوان قرار حل الأحزاب السياسية الذي أصدره مجلس قيادة الثورة في 1953.

كان موقف الإخوان براجماتيا، ولم يكن أيديولوجيا أو مبدئيا. فقد ظنت القيادة حينئذ أن ذلك الحل سيضمن فراغ الساحة السياسية من فاعلين أقوياء، ونسوا أن أقوى الفاعلين على الإطلاق هو عبد الناصر وجماعته، أي عسكريو مجلس قيادة الثورة.

وبحلول العام 1954 استطاع عبد الناصر السيطرة التامة على الجيش، وإقصاء من مال نحو الديمقراطية من ضباطه، وأشهرهم الرائد خالد محيي الدين، والعقيد يوسف صديق، والعقيد أحمد شوقي، وآخرون أهمل التاريخ مواقفهم النبيلة.

وتزامن ذلك مع تهميش الليبراليين، ثم جاء الدور على حلفاء الأمس، فكان قمع الإخوان شديدا. وأدى ذلك القمع إلى إضعاف نفوذ الإخوان لمدة 20 عاما (بين 1954 و1974)، ولكنه لم يقض عليهم، ولا اقترب من ذلك.

ولنعد الآن ليوليو 2011، لا يوجد اليوم مجلس لقيادة الثورة، ولكن يوجد مجلس أعلى للقوات المسلحة لم يقم أساسا بأية ثورة. ولا يوجد الآن مقدم من الطبقة الكادحة في السادسة والثلاثين من عمره يصرخ في الجماهير "فلتسقط الثورة العرجاء، أريدها ثورة حمراء"، ليبرر إجراءات القمع، وإنما يوجد مشير من الطبقة المتوسطة في السادسة والسبعين من عمره يتكلم عن التحول الديمقراطي (مع الإشارات المتكررة للمكانة الخاصة للجيش).

أما الذي بقي على حاله فهو سلوك أغلبية النخبة السياسية فيما يخص الديمقراطية: يقبلون قواعدها إن كانت نتائجها في مصلحتهم، ويرفضونها إن كانت غير ذلك، ولكن الأدوار تبدلت هذه المرة.

ففي 19 مارس/آذار 2011 أجرى المجلس العسكري أول استفتاء ديمقراطي حر في تاريخ مصر، وكانت النتيجة هي موافقة 77.24% من الناخبين المشاركين على تعديلات دستورية، تضمنت إجراء انتخابات برلمانية، يليها انتخاب 100 عضو من البرلمان ليكونوا جمعية تأسيسية لصياغة دستور جديد لمصر خلال ستة أشهر بعد انتخابهم. وكان التصويت بـ"نعم" إذن تصويتا على مواد دستورية وعلى آليات الخروج من مرحلة رمادية استثنائية.

أيد الإخوان –وأغلبية الإسلاميين- التعديلات وما ترتب عليها من إجراءات، ووافقوا على إجراء انتخابات في سبتمبر/أيلول المقبل، وهو الوعد الذي قطعه المجلس العسكري على نفسه لتسليم السلطة لمدنيين منتخبين خلال ستة أشهر من اعتلائه سدة الحكم.

أما العلمانيون -سواء الليبراليون منهم واليساريون– فقد صوت أغلبيتهم بـ"لا"، إذ إنهم يخشون خوض الانتخابات أمام الإخوان الأكثر تنظيما ونشاطا وخبرة. كما أن حالة عدم الثقة بين العلمانيين وجميع التيارات الإسلامية الأخرى متجذرة، مما يضع عقبات أمام التحالف أو التآلف أو التوافق.

فلو فاز الإخوان في انتخابات سبتمبر/أيلول البرلمانية، فسيكون لهم حضور ونفوذ كبير على الجمعية التأسيسية للدستور، وهو ما ترفضه التيارات العلمانية. لكن بدائلهم ليست خالية من المعضلات، فهي تشتمل على رفض نتيجة أول تجربة ديمقراطية تخوضها مصر ما بعد مبارك (الاستفتاء الذي صوت لصالحه 77% من الناخبين المشاركين)، واستمرار الجيش في الحكم لفترة أطول، وعدة آليات -في معظمها متضارب أحيانا وغامض أحيانا أخرى- لوضع دستور قبل الانتخابات (ما يشار إليه بحملة "الدستور أولا").

"
بعكس الموقف في 1952 صار الإسلاميون اليوم يلعبون دور الديمقراطيين، والليبراليون يطالبون الجيش بالبقاء في السلطة
"
والخلاصة -بعكس الموقف في 1952- صار الإسلاميون اليوم يلعبون دور الديمقراطيين، والليبراليون يطالبون الجيش بالبقاء في السلطة.

وتوجد أسباب وجيهة للموقف الحالي، فشعبية الإخوان لم تأت من فراغ، فقد منح الرئيس الراحل محمد أنور السادات مساحة ضيقة للحريات السياسية لتيارات متعددة في سبعينيات القرن المنصرم، فاستفاد الإخوان من تلك المساحة، ونشطوا في الجامعات والنقابات والاتحادات بطول مصر وعرضها، مع تركيزهم على استقطاب الشباب، وتفاعلوا مع خطاب "الآخر"، وتفاوضوا مع المخالف، وبنوا عدة تحالفات مؤقتة، وكذلك شبكة معقدة للخدمات اجتماعية وإغاثية وطبية وتعليمية للمحتاجين أساسها تطوعي، وهم كانوا قد تخلوا عن العنف السياسي منذ السبعينيات، وكذلك عدلوا من سلوكياتهم.

فالذي أدى إلى صعود شعبية الإخوان لم تكن ثقافة مصر الإسلامية، وإلا لكان شيخ الأزهر أكثر شعبية منهم، ولم يكن الفقر وتدني مستوى المعيشة، وإلا لفاز اليساريون في الانتخابات القادمة بوعود إعادة توزيع الثروة، ولم تكن الديماغوغية والخطاب الشعبوي، وإلا لكان القوميون في مقدمة أي استطلاع للرأي.

لم يكن السبب سوى خليط من التنظيم الجيد والإرادة الصلبة، وتضمن ذلك إستراتيجية واضحة للانتشار، وهياكل إدارية فعالة، وعملا تنظيميا شاقا و"خطرا"، مع إعداد جيد والتزام صارم للكوادر، أي كما سينصح أي مرجع مختص بالحملات السياسية للأحزاب في ظروف عصيبة، غير ديمقراطية، وهم طبقوا النصائح بحذافيرها.

وينسى الكثير من الساسة المصريين أن أيا من كان سيحكم مصر في الفترة القادمة سيخرج منها أقل شعبية مما كان عليه قبلها، فالسقف العالي لتوقعات ما بعد الثورة، مع الحالة الاقتصادية المرهقة من ثلاثين عاما من الفساد، مع معدلات البطالة، مع الحالة الأمنية المتقلبة، مع التغيرات السريعة في الجوار الإقليمي تمثل جملة تحديات صعبة لأي حكومة بغض النظر عن أيديولوجيتها.

فلو حكم الإسلاميون وفشلوا في تحسين الأوضاع السابق ذكرها فإن إعادة انتخابهم ستكون في غاية الصعوبة، ولن يقبل أحد في مصر ديكتاتورية جديدة، بأية لباس خاصة الجيش. وتنطبق تلك القاعدة على أي تيار سياسي علماني يفوز في الانتخابات، فديكتاتوريات مصر السابقة -وكلها من النوع العلماني- لم تتخل عن وعودها البراقة فحسب، ولكنها لم تترك الحكم أيضا إلا على أشلاء آلاف الشهداء والجرحى.

"
ديكتاتوريات مصر السابقة، وكلها من النوع العلماني، لم تتخل عن وعودها البراقة فحسب، ولكنها لم تترك الحكم أيضا إلا على أشلاء آلاف الشهداء والجرحى
"
فبدلا من محاولات التحايل على قواعد الديمقراطية يفضل لعلمانيي مصر التركيز على بناء التحالفات والائتلافات، وتوصيل رسالاتهم إلى المناطق المهمشة والنائية خارج المدن، وبناء شبكات خدمات اجتماعية تطوعية، وتطوير هياكلهم التنظيمية، وتفنيد الدعاية المضادة لتشويه القيم الليبرالية، والتغيير من الخطاب والسلوك النخبوي، والاستماع أكثر إلى الطبقة الكادحة.

ويجب أن تبقى تلك الحقيقة أمام أعينهم دائما: 44% من البالغين المصريين أميون ويمكنهم التصويت.

لم يستوعب إخوان 1952 وعلمانيو 2011 مدى خطورة السلطوية القمعية، فعندما يرفض العلمانيون نتائج استفتاء حر يمثل إرادة الأكثرية الساحقة، وعندما يجزئ الإسلاميون مبادئ وحقوق المواطنة، فيقبلون بعضها ويرفضون بعضها، فالفائزون حينئذ سيكونون القمع والفساد ومن يمارسهما.

وإن فاز هؤلاء مرة أخرى فالخاسرة ستكون مصر. ولعل العودة إلى شعار "الثورة أولا"، وما يشير إليه من التركيز على مطالب الثورة الأساسية في المظاهرات القادمة، تمثل خطوة هامة على الطريق الصحيح.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة