بشار وإيران وأمل في صفقة مع واشنطن   
الأربعاء 1434/3/5 هـ - الموافق 16/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 8:49 (مكة المكرمة)، 5:49 (غرينتش)

لا شك أن محادثات دبلن بين الروس والأميركان بحضور الإبراهيمي قبل أسابيع، والتي تواصلت بعد ذلك في جنيف، قد منحت كلا من إيران والنظام السوري أملا في تغير موقف واشنطن لصالح بقاء النظام، لا سيما إثر وضعها لجبهة النصرة على لائحة الإرهاب، ومعها ذلك التركيز اليومي المفرط على حضور الجبهة في الصراع الدائر في سوريا.

منذ البداية عوّل نظام بشار على حساسية الولايات المتحدة حيال ملف الإرهاب ومصلحة الدولة العبرية، وحاول منذ الأسابيع الأولى للثورة استثارة هذا الهاجس، وقد رجحنا أن أول التفجيرات التي وقعت في سوريا كانت بتوقيع النظام عبر اختراقات في مجموعات جهادية خبر التعامل معها منذ أيام الصراع مع الاحتلال في العراق.

عوّل نظام بشار على حساسية الولايات المتحدة حيال ملف الإرهاب ومصلحة الدولة العبرية، لذا حاول منذ الأسابيع الأولى للثورة استثارة هذا الهاجس لدى الدولتين
 

لكن المارد ما لبث أن خرج من القمقم ولم يعد بالإمكان السيطرة عليه، حيث أخذت الثورة المسلحة تتطور على نحو أدخل البلاد في أتون معركة مسلحة ضارية أدت إلى دمار هائل، فضلا عن ضحايا زادوا على 60 ألفا، إلى جانب ملايين المشردين والمعتقلين والمصابين.

لم يكن تصاعد الفعل الجهادي هو الذي دفع النظام السوري وإيران إلى التعويل على تغير الموقف الأميركي والغربي بشكل عام، بل هناك الحساسيات الجديدة التي نشأت مع الأنظمة التي جاءت على خلفية الثورات العربية، والتي لم ترتح لها واشنطن وتل أبيب رغم محاولات الطمأنة التي سعت إليها تلك الأنظمة تجنبا لصدام سريع مع القوة الأكبر في العالم. ولا شك أن الهجوم على السفارة الأميركية في بنغازي قد شكل نقطة أخرى فارقة في حرف نمط التفكير الأميركي حيال الثورات العربية بشكل عام.

نذكّر هنا بحقيقة باتت واضحة للجميع تتمثل في أن الموقف الأميركي فيما يتصل بالملف الشرق أوسطي قد أصبح منذ سنوات رهينة بيد الهواجس والرغبات الإسرائيلية، بل إن التأثير الصهيوني في القرار السياسي الأميركي قد تجاوز هذا الملف، وحين يسعى أوباما إلى الحصول على تأييد نتنياهو لتعيين وزير الدفاع الجديد في منصبه خشية تأليب أعضاء الكونغرس عليه، فهذا يعكس المدى الذي بلغه التأثير الصهيوني في القرار الأميركي.

والحال أن عموم الموقف الأميركي من الملف السوري لم يغادر منذ اليوم الأول مربع الهواجس الإسرائيلية، حيث وجدت تل أبيب في الثورة المسلحة فرصة لتدمير البلد عبر إطالة أمد الصراع، وهو ما كان؛ ليس بعزوف واشنطن عن دعم الثوار، بل بإلقاء ثقلها من أجل الحيلولة دون دعمهم بسلاح يكفي للحسم، وإن سمحت بما يسمح بالصمود واستمرار المعركة لا أكثر. وقد لوحظ أن حصار الثوار تسليحيا قد تصاعد خلال الأسابيع الأخيرة بعد التقدم الذي أحرزوه في بعض المناطق.

وفي حين سيطرت المخاوف الخاصة بالسلاح الكيماوي على العقل الصهيوني لبعض الوقت، فقد عاد الموقف إلى الهدوء من جديد بعد تطمينات روسية، وإثر جاهزية قوات دولية للانقضاض عليها في حال سقوط النظام، فضلا عن قرار بناء جدار مكهرب على طول الحدود في الجولان يحمي الكيان الصهيوني من تداعيات سقوط النظام.

من هنا، عاد الموقف إلى تأييد استمرار المعركة، أو التوصل إلى حل سياسي يضمن طبيعة النظام القادم، بحيث لا يكون مزعجا للكيان الصهيوني، ولم يعد هناك أي فيتو على بقاء الأسد ونظامه، كونه سيبقى ضعيفا وغير قادر على الإزعاج كما كان يفعل من قبل عبر حزب الله ودعم المقاومة في فلسطين، وإن حمى جبهة الجولان بشكل متميز، كما يشهد بذلك الصهاينة أنفسهم.

في هذه الأجواء جميعا، يجد النظام -ومن ورائه إيران- أن إمكانية التوصل إلى صفقة مع واشنطن باتت واردة، ولذلك لا بأس من التشدد كما عكس ذلك خطاب بشار، لا سيما أن المعركة على الأرض لا تشير إلى حسم سريع للثوار، وإن عكست في المقابل عجز النظام عن الحسم أيضا.

والحال أن فكرة المساومة مع الولايات المتحدة في عقل النظام السوري لم تبدأ هذه الأيام، بل بدأت منذ عام الثورة الأول حين تحدث رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، لصحيفة نيويورك تايمز رابطا بين أمن سوريا "كنظام" وأمن الدولة العبرية، ثم خرج بشار ليتحدث عن "الفالق الزلزالي" مشيرا كذلك إلى أمن الكيان الصهيوني.

إيران بدورها تشعر بثقل العقوبات التي قد تثير الشارع ضدها، لا سيما إذا سقط نظام بشار، في ذات الوقت الذي بدأت تشعر فيه بثقل تداعيات سقوطه على منجزاتها في العراق، خاصة إثر انتفاضة العرب السنة، فضلا عن تأثيراته على وضع حزب الله الذي يستقوي بدوره بالمسيحيين الخائفين من تداعيات الملف السوري وعموم تحولات الربيع العربي.

إيران اليوم تملك قابلية عالية للتفاهم مع واشنطن، لكن الأخيرة لا تركز إلا على الملف النووي تبعا لهواجس نتنياهو، ويبدو أن طهران لا تمانع في وقف تطور المشروع مقابل مكاسب في سوريا

إيران اليوم تملك قابلية عالية للتفاهم مع واشنطن، لكن الأخيرة لا تركز إلا على الملف النووي تبعا لهواجس نتنياهو، ويبدو أن طهران لا تمانع في وقف تطور المشروع مقابل مكاسب في سوريا مع تثبيت وضعها في العراق إلى جانب رفع العقوبات.

هل نحن إذن بصدد صفقة إيرانية أميركية؟ من الصعب الجزم بذلك، ذلك لأن أولوية واشنطن الجديدة هي التركيز على مواجهة الصعود الصيني أكثر من أي شيء آخر، كما أن مصالحها في الخليج تجعل من الصعب عليها تمرير صفقة بالتفاصيل التي تريدها طهران، وأقصى ما يمكن أن تقدمه لها مقابل إرضاء نتنياهو بوقف المشروع النووي هو رفع العقوبات (إلى جانب تدجين حزب الله، وهو مدجن عمليا، مع وقف دعم قوى المقاومة وهو توقف بالنسبة لحماس)، مع القبول بتسويةٍ ما في سوريا قد تخلص إيران نسبيا من هاجس الانتفاضة الشعبية الداخلية، مع صعوبة التكهن بموقف الشارع الإيراني خلال المرحلة المقبلة.

كل ذلك لا يبدو في مصلحة الثورة السورية، بدليل تصاعد القيود على تسليح الثوار كما أشرنا من قبل، لكن واشنطن التي عجزت عن حماية حلفائها الأهم في مصر وتونس لن تكون بالضرورة قادرة على تنفيذ بنود صفقة من هذا النوع، اللهم إلا إذا حصلت المعارضة السورية على حل مقبول. 

وعموما لم تعد أميركا هي الحاكم بأمرها في العالم، في ذات الوقت الذي يحضر الموقف الروسي الذي قد يتحفظ على صفقة من هذا النوع، مع أن الخوف من تغيره (كما حصل في ليبيا) لا زالت تلقي بظلالها على العقل الإيراني، وتبعا له السوري ممثلا في بشار.

ما سيفشل هذه المساعي والمشاريع هو تمرد عربي تركي يسند الثورة ويحدث نقلة في فعلها وعملياتها، أكان بالوصول إلى حسم عسكري، أم بتطور على الأرض يفرض تسوية مقبولة، وإلا فإن الموقف سيبقى في إطار التدمير القائم، وعموما ليس من مصلحة الوضع العربي والتركي أن تخرج إيران من هذه المعركة كما دخلتها، لأن ذلك يعني مزيدا من الاستنزاف، بدل خروجها ضعيفة يمكن التفاهم معها على شروط جوار تصب في مصلحة الجميع.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة