بربرية جديدة تعيد إسرائيل إلى مربع الفترة الحجرية   
الأحد 1427/6/26 هـ - الموافق 23/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 10:17 (مكة المكرمة)، 7:17 (غرينتش)


تركي علي الربيعو

في سياق العدوان الهمجي الإسرائيلي على لبنان الذي تجاوز كل المتوقع، وقطع مع "قواعد اللعبة" كما جاء على لسان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، يلحظ المتابع للشأن اللبناني وللجريمة التي ترتكب في حقه لتحقيق غايات بعيدة المدى بإجماع الكثير من السياسيين، أن هناك منطقين متجاورين ما يزالان يحكمان رؤية اللبنانيين للبنان ورؤية الآخرين للبنان.

الأول يرى ما جرى على أنه "مغامرة غير محسوبة" من حزب الله، وأن لبنان يكفيه ما فيه كما يقول المثل اللبناني الشائع، والمغامرة التي قادتها المقاومة الإسلامية دفعت إسرائيل إلى هدم البنية التحتية في لبنان.

"
الطرفان اللبناني والعربي اللذان أدانا "المغامرة غير المحسوبة" لحزب الله يحكمهما تصور للبنان يتقاطع بقوة ويلتقي مع التصور الإسرائيلي
"
ولا شك أن تلك البنية هي في جوهرها بنية سياحية تدر على لبنان في أشهر الصيف ما يعادل 4 أو 5 مليارات دولار، وهذا من شأنه أن ينعش الاقتصاد اللبناني الذي يمر بمرحلة مديونية لا مثيل لها في الشرق الأوسط تزيد على 40 مليار دولار بفوائد سنوية تزيد بدورها على 3 مليارات دولار.

أضف إلى ذلك العبء الكبير الذي يتحمله ما بات يعرف "بالديمقراطية التوافقية" في لبنان، أي ديمقراطية الطوائف التي نعتها الرئيس الأميركي بوش بالديمقراطية الهشة.

هذا المنطق الذي يقول به كثير من اللبنانيين، يلتقي كما أسلفت مع رؤية الآخر العربي الذي راح يصف ما جرى بأنه "مغامرة غير محسوبة" وأن "المواجهات غير المحسوبة" بحسب أطراف عربية اجتمعت في القاهرة، من شأنها أن تقود إلى ما لا تحمد عقباه، وهذا ما حصل.

مع أن واقع ما حصل يشير صراحة إلى مرامي إسرائيل البعيدة التي تريد أن تجعل من قضية الجنديين الأسيرين القشة التي تقصم ظهر بعير حزب الله ومن ورائه أطراف أخرى.

لم تنفع الأخ العربي أو الآخر العربي استدراكاته في التمييز بين "المقاومة" و"المغامرات غير المحسوبة" وهو يرى هول الرد الإسرائيلي البافلوفي على حد تعبير الوزير الإسرائيلي السابق يوسي بيلين الذي أدان التدمير المنهجي الإسرائيلي للبنية التحتية اللبنانية الذي من شأنه أن يوحد اللبنانيين ضد إسرائيل (معاريف، 1372006).

الطرفان اللبناني والعربي اللذان أدانا "المغامرة غير المحسوبة" لحزب الله، يحكمهما تصور للبنان يتقاطع بقوة ويلتقي مع التصور الإسرائيلي للبنان الذي عبر عنه جيدا السفير الإسرائيلي في مجلس الأمن في جلسته بتاريخ 14-7-2006، حين أصر في خطابه أمام مجلس الأمن على العودة إلى التاريخ القريب للبنان في محاولة منه لتنشيط الذاكرة السياحية عن لبنان.

وبالضبط عاد إلى العام 1975 عندما كان لبنان منارة سياحية وكازينو كبيرا ومحجا لكل القاصدين للسياحة، باختصار وصف لبنان بأنه كان "سويسرا الشرق الأوسط" التي هدمها فيما بعد الإرهابيون الجدد من السوريين والفلسطينيين واللبنانيين الذين تنكبوا لواء المقاومة ضد إسرائيل.

من هنا أهمية ما تقوم به إسرائيل من حرب على الإرهاب وتدمير للبنية التحتية في محاولة منها إلى إعادة لبنان إلى سابق عهده.

المنطق الثاني الذي يجاور المنطق السابق في عقر داره ويتحداه لا يرى في تصديه للعدوان الإسرائيلي "مغامرة غير محسوبة"، لأن إسرائيل هي التي غيرت قواعد اللعبة، وذهبت تحت تأثيرات وتحريضات أميركية وحتى عربية كما يهمس البعض قياسا على ما يجري في فلسطين من تحريض على حماس، ونوازع شرق أوسطية جديدة إلى تصفية حساباتها مع المقاومة الإسلامية.

وهي إذا كانت شرعت الأبواب للحرب المفتوحة، فنحن -والقول لحسن نصر الله- ذاهبون إلى الحرب المفتوحة.

"
ليس غريبا أن يلقى حزب الله كل هذا التأييد من الشارع العربي الذي عيل صبره من الأنظمة العربية العاجزة والمتهالكة أمام إسرائيل خاصة أنها تتبنى المنطق الإسرائيلي
"
هذا المنطق يقطع مع الرؤية السابقة التي ترى لبنان ماخورا سياحيا وموضوعا للتدويل، لأن واقع اليوم أي بداية الألفية الجديدة، يقطع مع زمن الحرب الأهلية التي بدأت في العام 1975، ويقطع مع الرؤية السياحية التي تستجدي الآخرين، فلبنان قوي بأبنائه ومقاومته، وها هو يقرن الأقوال بالأفعال.

فما يقوم به العدو من ردود فعل بافلوفية -نسبة إلى بافلوف صاحب تجربة المنعكس الشرطي- ما هو إلا التعبير الحي عن الخوف الذي يستبطن سلوك إسبارطة إسرائيلية فقدت رؤيتها السياسية كما نعتها السيد حسن نصر الله، وغابت عنها المستجدات الحديثة على الساحة اللبنانية، خاصة قدرة حزب الله على التصدي لها ومفاجأتها في عقر دارها، من صفد إلى حيفا وإلى ما بعد ما بعد حيفا كما هدد الأمين العام للحزب.

المنطق الثاني الذي يجسده واقع المقاومة على الأرض، وواقع التصرف الإسرائيلي الأرعن في ضربه للبنية التحتية في لبنان، ظنا منه أن من شأن ذلك أن يحرض الأطراف اللبنانية الأخرى، خاصة جماعة 14 آذار على حزب الله، لم يؤد إلى انقسام الساحة اللبنانية، بين مؤيد للمقاومة وما هو ضدها.

فلا شعار يعلو على صوت المعركة، وهذا ما يفسر هذا التأييد للمقاومة عند زعامات قوى 14 آذار، عند رئيس كتلة المستقبل الشيخ سعد الحريري، الذي وجد نفسه منخرطا في الإرث السياسي الذي تركه والده الراحل رفيق الحريري.

والمعروف عن الراحل أنه رغم تحفظاته على بعض "المغامرات غير المحسوبة" كان مدافعا جيدا عن المقاومة في الوسط الدولي، وكذلك رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة وكذلك النائب وليد جنبلاط الذي أدان بشدة السلوك الإسرائيلي، داعيا إلى رص الصفوف لمواجهة الاعتداء الإسرائيلي وصولا إلى موقف التيار الوطني الحر بزعامة ميشيل عون.

في الحوار المشترك حول الإسلام الذي ضم كلا من طارق رمضان وآلان غريش، يروي المدير العام لصحيفة لوموند ديبلوماتيك الحكاية التالية في إطار نقده للذاكرة الانتقائية التي تحكم سلوك الغرب عموما تجاه العالم الإسلامي.

يقول"في الغرب غالبا ما تكون الذاكرة انتقائية، فقد طوينا صفحة الاستعمار وجرائمه باستخفاف يزعجني"، والحادثة التي يرويها هي حادثة دنشواي عام 1906.

ذلك أن عددا من الضباط البريطانيين كانوا قد خرجوا إلى الصيد، وقد أطلقوا رشاش بنادقهم على حمام يربيه الناس، والحال أن فلاحين ساخطين قذفوهم بحجرين أو ثلاثة واحترق أحد البيوت وسارع أحد الضباط إلى طلب النجدة لكنه مات من جراء أزمة قلبية.

ثم وصلت التعزيزات وجرى تنظيم محاكمة، فحكم على أربعة من الفلاحين بالإعدام وشنقوا أمام عائلاتهم وجميع أفراد القرية، وحكم على آخرين بالسجن لمدة 15 سنة، بينما جرى جلد آخرين بلا رحمة.

من وجهة نظر غريش أن هذا شاهد حقا على بربرية مفروضة باسم الحضارة، بربرية دفعت بالفيلسوف البريطاني برنارد شو إلى التساؤل "لنتخيل للحظة أن خمسة جنود صينيين قد قاموا في الريف البريطاني بإطلاق الرشاش على الدجاج الرومي بحجة الصيد فكيف ستكون ردة فعلنا؟"

من وجهة نظر العديد من المحللين أن نهج التاريخ وطاعون الحضارة ما زال يستبطن ويوجه الذاكرة الانتقائية لإسبرطة إسرائيلية، وكذلك الإدارة الأميركية في رؤيتها المنحازة كليا لإسرائيل.

"
ليس غريبا أن ينتصر المنطق الثاني الذي يرفض أن تكون لبنان مجرد سوق سياحية تلهو من فوقه الطائرات الإسرائيلية على المنطق الأول الذي ما زال محكوما بالرؤية الإسرائيلية السياحية للبنان
"
وهذا ما يدفعهما دائما إلى الهروب للأمام في معالجتهما للمشاكل التي تواجههما، لأن الذاكرة الانتقائية للرئيس بوش لا تدعو إلى وقف إطلاق النار بل إلى محاسبة سوريا وإيران، والذاكرة الانتقائية لإسبرطة إسرائيلية يحكمها الحنين إلى ما سماه يوسي ييلين بالرد التلقائي البافلوفي أن "اضربوهم بقوة" هي التي ترفض بقوة أن تساوي بين جنديين إسرائيليين جرى أسرهما في عملية عسكرية بطولية مع عشرة آلاف أسير وأكثر في سجون العدو الإسرائيلي.

الآخر الفلسطيني أو اللبناني أو العراقي هو موضوع للذبح والاغتصاب والانتهاك، إذ لا يمكن من زاوية رؤية هولوكوستية لا تزال تحكم سلوك "إمبراطورية الخوف" الإسرائيلية أن تساوي بين الهولوكوست الإسرائيلي والهولوكوست الذي تقيمه إسرائيل على الفلسطينيين واللبنانيين كما جاء في حديث الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز الذي وصف سلوك إسرائيل في لبنان بأنه هولوكوست جديد تقيمه إسرائيل على الأرض اللبنانية.

من وجهة نظر يوسي بيلين أن الغضب الإسرائيلي على العملية البطولية التي قامت بها المقاومة الإسلامية مفهوم، لكن شرط ألا يتحول إلى سياسة، وألا يعيد الإسرائيليين إلى ما يسميها بالفترة الحرجة التي سبقت خروج الإسرائيليين من لبنان واقترنت بالدموع والآلام والخوف والهلع ومئات الجنود الذين قضوا حتفهم.

واقع الحال يقول إن الغضب الإسرائيلي قد تحول إلى سياسة، والشاهد على ذلك ليس ما يجري في لبنان بل ما جرى ويجري في فلسطين، وأن صوت يوسي بيلين وغيره إن وجد يبدو نشازا في ضوء الغضب والرد التلقائي البافلوفي.

فلا مسيرات في إسرائيل تدين السلوك العسكري الإسرائيلي أو الذاكرة الانتقائية لإسرائيل كما حدث أثناء الاحتلال الإسرائيلي للبنان لعام 1982 عندما توجه أكثر من 400 ألف إسرائيلي إلى وزارة الدفاع الإسرائيلية احتجاجا على غزو لبنان.

الغضب الإسرائيلي بات نهجا للتاريخ وسياسة وقوة تدميرية تمثلها خيارات شمشون (حوالي 400 رأس نووي) كما نعتها سيمور هيرش التي يراد لها أن تكون حكرا على إسرائيل دون غيرها.

لذلك ليس غريبا أن يلقى حزب الله كل هذا التأييد من الشارع العربي الذي عيل صبره من الأنظمة العربية العاجزة والمتهالكة أمام إسرائيل التي باتت عن حق بمثابة الدولة ضد الأمة حسب أطروحة برهان غليون، خاصة أنها تتبنى المنطق الإسرائيلي في رؤيتها لكل أشكال الممانعة والمقاومة لهذا المشروع، وذلك على طول الخط الممتد من حماس إلى المقاومة الإسلامية في لبنان إلى المقاومة العراقية في العراق.

لذلك ليس غريبا أن ينتصر المنطق الثاني الذي يرفض أن تكون لبنان مجرد سوق سياحية تلهو من فوقه الطائرات الإسرائيلية على المنطق الأول الذي ما زال محكوما بالرؤية الإسرائيلية السياحية للبنان؟
__________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة