الوضع الفلسطيني والوضع من حوله   
الخميس 1428/7/25 هـ - الموافق 9/8/2007 م (آخر تحديث) الساعة 1:57 (مكة المكرمة)، 22:57 (غرينتش)


منير شفيق

لعل أخطر أو أسوأ ما يمكن أن يواجه الوضع الفلسطيني الراهن هو تكريس الانقسام القائم على مستوى السلطة والقيادة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك بالرغم من أن القيادتين والسلطتين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة تؤكدان الوحدة وعدم تكريس هذا الانقسام السياسي والواقعي مع ما يكتنفه من تدافع وصراع واتهامات عدائية متبادلة.

هذا يعني أن ثمة مسافة واسعة بين ما يعلن من موقف وحدوي وما يمارس على الأرض، بقصد أو من دون قصد، من تكريس للانقسام القائم.

"
أخطر أو أسوأ ما يمكن أن يواجه الوضع الفلسطيني الراهن هو تكريس الانقسام القائم على مستوى السلطة والقيادة في كل من الضفة وغزة
"
وقد أغلق من جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس باب الحوار واضعا شروطا مسبقة ترفضها حماس، قبل الدخول في أي حوار.

وهذا ما لم توافقه عليه الأطراف العربية، وأساسا مصر والسعودية، الداعية إلى الحوار، وكذلك روسيا التي عرضت وساطتها في أثناء زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لها مؤخرا.

لم يسبق في أغلب التجارب، ولاسيما في كل التجارب الفلسطينية، أن حدث انقسام داخلي، ثم بدأ حوار بعد أن رضخ أحد الطرفين للشروط الكاملة المسبقة التي وضعها الطرف الآخر حتى يقبل بمحاورته.

فكل حوار يبدأ بلا شروط مسبقة، وإنما بتفاهم مبدئي مسبق -يتم عبر حوار مباشر أو غير مباشر أو من خلال وسطاء- يمهد للحوار.

أما أن يطلب من الطرف الآخر الرضوخ لشروط مسبقة رضوخا كاملا ومعلنا، فهذا يعني أن يأتي إلى طاولة الحوار مستسلما رافعا يديه ومن ثم ما الحاجة إلى الحوار؟ إذ الأمر يعني أن لا حوار مطلقا وليواصل كل طريقته في المواجهة.

وترجمة ذلك في الواقع الفلسطيني الراهن هو تكريس الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية، وما سيترتب على ذلك من مكاسرة وتداعيات ونتائج تتناقض مع ما يُبدى من حرص على الوحدة وعدم الاعتراف بحالة الانقسام.

ومن هنا فإن الضغوط الفلسطينية والعربية والإسلامية، على المستويين الشعبي والرسمي يجب أن تتصاعد وتتضاعف من أجل الحوار غير المشروط الذي يؤمّن الندية وكرامة كل طرف, وهذان هما اللذان يسمحان بالمساومة والتنازل والتفاهم والتسويات من أجل تحقيق الوحدة والخروج من الانقسام.

إن من يراجع ما يقوله الطرفان المتواجهان في السياسة والممارسة راهنا، وفي تفاصيل ما حدث في قطاع غزة، يجد أن الانقسام الراهن قابل للتفاقم، ولأمد طويل ولا مجال للحسم.

ومن ثم لا جدوى من الدخول في التفاصيل التي لا يمكن ضبطها أو التحقق منها بدقة، فضلا عن أن الخلاف السياسي مع الانقسام الراهن آخذ في الاتساع خصوصا مع السياسات الأميركية الإسرائيلية التي عبرت عنها مبادرة بوش لعقد مؤتمر دولي يتناول الموضوع الفلسطيني، أو التي تكشّفت عنها زيارة وزير الدفاع ووزيرة الخارجية الأميركيين لكل من مصر والسعودية، وزيارة كوندوليزا رايس للكيان الصهيوني لإعادة إطلاق المفاوضات بين أولمرت وعباس.

هذه السياسات الأميركية الإسرائيلية جاءت من جهة لإنقاذ موقفي إدارة بوش وحكومة أولمرت بعد فشل إستراتيجية السنوات الست الماضية لاسيما في فلسطين ولبنان والعراق.

وجاءت من جهة أخرى لتصب الزيت على نار الانقسام الفلسطيني من خلال إعطاء محمود عباس وحكومة سلام فياض ما يشجعهما على إدارة الظهر للمطلب العربي الذي دعا إلى الحوار (مصر والسعودية أساسا) كما يدفعهما إلى الحرب ضد حماس حتى النهاية.

إنه الطريق الانتحاري الذي سوف يفرض على عباس التراجع عن إدارة الظهر للعرب والحرب على حماس مهما عاند في رفض الحوار.

وبهذا لم تعد المشكلة معالجة ذيول ما حدث في قطاع غزة، وإنما أصبحت الموقف من السياسات الأميركية الإسرائيلية "الجديدة" المشار إليها.

وهذه تتعدى الموضوع الفلسطيني (وإن راحت تستخدمه طعما) إلى لبنان والعراق والصومال والسودان وإلى العلاقات الأميركية العربية والإسرائيلية العربية، وصولا إلى التحضير للحرب ضد إيران إذا لم تسلم برنامجها النووي بالكامل حتى لو تأكد يقينا أنه للأغراض السلمية حصرا.

"
لم تعد المشكلة معالجة ذيول ما حدث في قطاع غزة، وإنما أصبحت الموقف من السياسات الأميركية الإسرائيلية "الجديدة" التي تصب الزيت على نار الانقسام الفلسطيني عبر إعطاء محمود عباس وحكومة سلام فياض ما يشجعهما على إدارة الظهر للمطلب العربي الداعي إلى الحوار
"
الإستراتيجية الأميركية الإسرائيلية التي صاغها المحافظون الجدد بعد 11/9/2001 جعلت أولويتها تغيير ما أسمته الشرق الأوسط الكبير وفقا للمشروع الإسرائيلي، واعتمدت في ذلك على استخدام القوة العسكرية المباشرة فشنت عدوانا على أفغانستان واحتلتها،
وأتبعته بعدوان شارون في فلسطين، ثم عدوان احتلال العراق، فحرب العدوان الإسرائيلية الأميركية على لبنان يوليو/تموز 2006 وعلى قطاع غزة من قبل ومن بعد.

وذلك إلى جانب ابتزاز الدول العربية بشعار "الإصلاح والديمقراطية" لانتزاع التنازلات منها في مجالي التطبيع مع الدولة العبرية، وطعن المقاومات الفلسطينية واللبنانية والعراقية في الظهر.

هذه الإستراتيجية -فرض الوقائع من خلال العضلات العسكرية المباشرة- فشلت فشلا ذريعا، ولم ينته عام 2006 حتى كانت كل من حكومتي بوش وأولمرت تعانيان سكرات الموت المعنوي أو السقوط، لاسيما أولمرت وحكومته بعد هزيمة الجيش الإسرائيلي ميدانيا أمام المقاومة بقيادة حزب الله في حرب يوليو/تموز 2006 على لبنان.

كان يراد من الحروب التي شنت تحت هذه الإستراتيجية، إلى جانب الضغوط الابتزازية حول "الإصلاح والديمقراطية" أن تصفي قوى المقاومة والممانعة في الأمة وتفتت بعض دولها تحقيقا لإستراتيجية شرق أوسط الدويلات الإثنية والطائفية والجهوية. وكانت إيران هدفا في هذا المشروع وحتى تركيا وباكستان كذلك.

أما نزع البرنامج النووي الإيراني فقد كان على رأس الأجندة بانتظار إنجاز الحروب على أفغانستان وفلسطين والعراق ولبنان وما سمي بـ"تغيير سلوك سوريا" حصارا وضغطا.

ولكن فشل تلك الحروب (العدوانات) لم ينزع البرنامج النووي الإيراني من رأس الأجندة في الإستراتيجية الأميركية الجديدة التي عبرت عنها دعوة بوش إلى المؤتمر الدولي وزيارة روبرت غيتس وكوندوليزا رايس الأخيرة وعروض صفقات الأسلحة وإحياء مسار التسوية.

السمات الأولية التي ظهرت من هذه الإستراتيجية التي جاءت إثر فشل إستراتيجية 2001-2006 هي:
1- الإعداد العسكري والسياسي للحرب على إيران إن لم تقبل بنزع برنامجها النووي بالكامل.
2- تأجيج الانقسامات الداخلية في فلسطين ولبنان والعراق والسودان والصومال والانقسامات العربية العربية، والعربية الإيرانية.

هذا التأجيج يراد من ورائه الوصول إلى اعتبار أن عدو الدول العربية "المعتدلة" هو إيران ودمشق وحزب الله وحماس والمقاومة العراقية وقوى الممانعة الشعبية العربية.

وتكون النتيجة من ثم إسقاط اعتبار أن من يغتصب فلسطين ويهوِّدها هو العدو، بل إنه يصبح الحليف بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

أما ما يعرض من صفقات أسلحة لدول "الاعتدال العربية" والدولة العبرية فهدفه خليجيا نهب عشرين مليار دولار عاجلا من جهة وتعزيز القدرات العسكرية الإسرائيلية من جهة أخرى، بما يوازي 60 مليار دولار (هبات ومساعدات) تسهم في رفع معنويات الجيش الإسرائيلي بعد هزيمته في حرب لبنان، كما تزيد من تفوقه العسكري على جيوش المنطقة مجتمعة.

هذه الإستراتيجية الأميركية الإسرائيلية الجديدة مصيرها الفشل لأسباب عدة:

أولها طبيعة هذه الإستراتيجية وأهدافها، حيث تتراوح بين الخداع فيما يتعلق بالموضوع الفلسطيني، وإلحاق أشد الأضرار بالأطراف الفلسطينية واللبنانية والعراقية والعربية التي تقبل بها لأنها تدفع البلاد العربية عموما إلى الحرائق الداخلية والانقسامات المدمرة التي ترتد على القابلين بها قبل غيرهم. هذا بالإضافة إلى أن حكومتي بوش وأولمرت في أضعف حالاتهما، فهما في وضع المحتاج إلى من يجيره وليس الذي يمكنه أن ينصر سواه.

"
الحكمة وبعد النظر يقضيان بعودة الأطراف المعنية فلسطينيا ولبنانيا وعراقيا وعربيا إلى الحوار والتفاهم، لأن نار الانقسامات إذا اشتعلت واستفحلت فلن ينجو منها أحد أبدا
"
أما السبب الثاني فهو أن المنازلة التي تدفع إليها الإستراتيجية الأميركية تتم في ظروف خرجت فيها المقاومات والممانعات الفلسطينية واللبنانية والعراقية أقوى في ميزان القوى مما كانت عليه من قبل إضافة إلى سوريا وإيران.

ثم أضف سببا ثالثا وهو الخلل الذي أخذ يضرب الهيمنة الأميركية عالميا، وأبرزه ما راحت روسيا تعبر عنه سياسيا والصين والهند والبرازيل اقتصاديا.

وبالمناسبة حتى الممانعة في السودان والصومال أصبحت في ظروف أفضل اليوم مما كانت عليه بالأمس، الأمر الذي يعني أن مسار تأجيج الانقسامات الداخلية والعربية العربية والعربية الإيرانية لن يحقق ما ترجوه أميركا والدولة العبرية.

يساهم في ذلك أن إمكانات تلافي التدهور في المواجهات الداخلية وفقا للإستراتيجية الأميركية الجديدة يشكل احتمالا قويا إن لم يكن الأقوى بسبب إدراك القوى المحلية والعربية المدعوة إلى التورط في الصراعات الحامية الجانبية بأن مصلحتها العليا هي عدم الانجرار إلى هذا المسار، فضلا عن التجربة المريرة السابقة في الرهان على الحصان الخاسر في حرب يوليو/تموز على لبنان أو في احتلال العراق.

هذه المعادلة العامة تنطبق على الحالات الخاصة فلسطينيا ولبنانيا وعراقيا، ويجب أن نضيف صوماليا وسودانيا وكذلك عربيا، بما فيه حالة شن حرب عدوان أميركية إسرائيلية على إيران.

صحيح أن لكل حالة خصوصياتها وتعقيداتها، ولكنها جميعا مزنرة بسمات المعادلة العامة المذكورة بشكل أو بآخر، فلكم أثبت التاريخ أنه ما من خصوصية حالة من تلك الحالات إلا وهي متأثرة، لا محالة بالمعادلة العامة، لأنه ما من حالة تتصارع قواها المحلية كأنها في جزيرة منعزلة، أو يتحكم فيها القانون الذي يتحكم في ملاكمين على حلبة محصورة، فهي دائما جزء من كل ومعادلتها الداخلية تتأثر وتؤثر في ما حولها إقليميا وعالميا.

ولهذا فإن الحكمة وبعد النظر يقضيان باستبعاد التدخلات الأميركية في الصراعات الداخلية، أو في الإطارين العربي أو الإسلامي.

ثم إنه ما ينبغي لأحد أن يتغافل عن الحقيقة التي سطعت، خصوصا خلال السنوات الست الماضية، وهي أن السياسات الأميركية مسمومة وفاشلة، وتكفي نظرة سريعة إلى ما حل بالعراق وما أكده وضع الاحتلال للتأكد من هذه الحقيقة.

وقد وصل الأمر بوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إلى أن حددت للسياسة الأميركية "الفوضى الخلاقة" والفوضى في التعريف: "لا سيطرة لأحد عليها"، ومن ثم إذا ضربت أطنابها كان الخراب والدمار وعشرات أو مئات الآلاف من الضحايا وكانت الحروب الأهلية وسقوط الأنظمة. ثم هيهات هيهات الخروج منها.

من هنا فإن الحكمة وبعد النظر يقضيان بعودة الأطراف المعنية فلسطينيا ولبنانيا وعراقيا وعربيا إلى الحوار والتفاهم، لأن نار الانقسامات إذا اشتعلت واستفحلت فلن ينجو منها أحد أبدا. وعندئذ يكون الندم ولات ساعة مندم.
__________________

كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة