التقسيم الزماني والمكاني للأقصى.. القنبلة الموقوتة   
الأربعاء 1436/12/17 هـ - الموافق 30/9/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:00 (مكة المكرمة)، 13:00 (غرينتش)

فكرة طرحها اليمين الإسرائيلي بقيادة حزب الليكود تمهيدا لتهويد المسجد الأقصى، من خلال تكريس سياسة اقتحام المسجد والاعتداء على المرابطين داخله، وفرض تقسيم ساحاته زمانيا بين الفلسطينيين والمحتلين الإسرائيليين في غير أوقات الصلاة كمرحلة أولية يتبعها تقسيم مكاني، ثم السيطرة الكاملة عليه لاحقا، وتغيير هويته ببناء ما يسميه الاحتلال الإسرائيلي "الهيكل الثالث" مكان قبة الصخرة.

السياق التاريخي
بدأت إجراءات الاحتلال الفعلية لتقسيم المسجد الأقصى عام 1967 مع احتلال مدينة القدس وما تبقى من أراضي فلسطين بعد النكبة؛ فقد اقتحم آنذاك الجنرال الإسرائيلي مردخاي جور المسجد مع جنوده، ورفع العلم الإسرائيلي على قبة الصخرة، وحرق المصاحف ومنع الصلاة فيه، كما صادر مفاتيح أبواب المسجد وأغلقه أسبوعا كاملا، حيث مُنعت فيه الصلاة ولم يرفع الأذان.

أعيدت المفاتيح إلى الأوقاف الأردنية التي تولت شؤون المسجد، باستثناء مفتاح باب المغاربة المخصص حاليا لاقتحامات المستوطنين. ومنذ تولي الأردن إدارة الأوقاف وشؤون المسجد الأقصى، حددت المملكة فترتين: صباحية بين الساعة السابعة والنصف والعاشرة، وأخرى مسائية بين الواحدة والثانية ظهرا، لدخول السياح الأجانب إلى المسجد.

وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، التي أطلق شرارتها اقتحام زعيم حزب الليكود آنذاك أرييل شارون المسجد، أصبحت إسرائيل تتحكم منفردة في حركة الدخول والخروج ضمن الوقتين المذكورين، وشرعت في إدخال مجموعات من المستوطنين إلى المسجد بحراسة أمنية.

وبينما أصرت إسرائيل على استمرار اقتحامات المستوطنين، رغب الأردن في العودة إلى ما كانت عليه الحال قبل عام 2000، لكن اقتحامات المستوطنين لم تتوقف عند السير في مسالك محددة ومغادرة باحات الأقصى، بل تطور الأمر إلى اقتحامات واعتداءات للجيش طالت المصلى القبلي، فضلا عن تشريعات وفتاوى ضد الفلسطينيين ممن يحاولون منع اقتحامات المستوطنين.

تواريخ لها دلالة
بدأت محاولات التقسيم بالتدرج بعد عام 1967، حيث قررت قاضية في المحكمة المركزية الإسرائيلية عام 1976 أن لليهود الحق في الصلاة داخل الحرم. وفي عام 1981 اقتحم أفراد من حركة "أمناء جبل الهيكل" المسجد الأقصى برفقة حاخامات، وأرادوا الصلاة وهم يرفعون العلم الإسرائيلي ويحملون كتب التوراة.

وفي عام 1986، عقد عدد من الحاخامات اجتماعًا خاصًا قرروا فيه بصورة نهائية السماح لليهود بأداء الطقوس في المسجد الأقصى، ثم سمحت الشرطة الإسرائيلية رسميا -وللمرة الأولى- عام 1989 بإقامة صلوات للمتدينين اليهود على أبوابه.

وخلال شهري فبراير/شباط وأكتوبر/تشرين الأول 2014 قدم نواب متطرفون للكنيست مشروعين بقانونين: الأول لسحب الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية، والثاني يتعلق بالتقسيم الزماني والمكاني للمسجد.

منحى جديد
مع حلول الثلاثين من أكتوبر/تشرين الأول 2014 أخذ التقسيم منحى جديدا، حيث أغلقت قوات الاحتلال -لأول مرة منذ عام 1967- بوابات المسجد الأقصى تماما أمام المصلين، بما في ذلك العاملون فيه، وأتبعت ذلك بفرض قيود عام 2015 حالت دون دخول النساء إليه في الفترات المخصصة لاقتحامات المستوطنين، فضلا عن إبعاد مصلين بأوامر شرطية، ومنعهم من دخوله لفترات.

video

وتزامنت الإجراءات ضد المصلين مع مساع لاتهام المرابطين والمرابطات الذين يتواجدون في الأقصى بالخروج على القانون، وتصنيفهم تنظيما إرهابيا، وساد بين الفلسطينيين تخوف من استغلال إسرائيل الوضع العربي المترهل للمضي في تنفيذ مخطط التقسيم بتخصيص أماكن لليهود.

وأشار رئيس أكاديمية الأقصى للعلوم والتراث ناجح بكيرات إلى أطماع يهودية، خاصة في منطقة المصلى المرواني، ولم يستبعد أن تُخصص للصلوات التلمودية في حال ظل الصمت مطبقا على قبلة المسلمين الأولى.

ووفق بكيرات، فإنه يتحدد مسار الجماعات الاستيطانية المقتحمة للأقصى حسب الوضع في المسجد، فوجود المرابطين وتصديهم للمستوطنين يجبرهم على اختصار الاقتحام، وفي حال لم يجدوا مقاومة يتجولون في كل الأمكنة بما في ذلك أبواب المسجد القبلي.

ورغم أن الفتوى الرسمية لا تجيز للمستوطنين الصلاة في الأقصى، فإن الحاخامات يتمردون على هذه الفتوى، وتم طرح باب الرحمة والأقصى القديم والمصلى المرواني بوصفها أبنية قديمة كأمكنة تصلح لتحويلها إلى كنس.

وتتجه الأطماع -وفق تقدير رئيس أكاديمية الأقصى للعلوم والتراث- إلى تقسيم مكاني فعلي، وهو ما يرى أنه يُخطط له بأذرع مختلفة، منها الاستيطان، بحيث يتم الاستيلاء على المصلى المرواني والأقصى القديم للمسجد كمشروع إستراتيجي وخطوة للاستيلاء على المسجد بكامل مساحته البالغة 144 دونما.

المسجد الإبراهيمي
ويعيد التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى تجربة المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل للواجهة، حيث يُرفع العلم الإسرائيلي، ويقسم بين المسلمين واليهود. وتم ذلك بعد المجزرة التي ارتكبها المستوطن الإسرائيلي باروخ غولدشتاين بحق المصلين في صلاة فجر 25 فبراير/شباط 1994، حيث أقرت لجنة عسكرية إسرائيلية اقتطاع أكثر من نصف المسجد وتخصيصه للمستوطنين، مع إغلاقه تماما أمام المسلمين أثناء الأعياد اليهودية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة