موسكو.. الرئة التي يتنفس بها النظام السوري   
الأحد 1436/12/28 هـ - الموافق 11/10/2015 م (آخر تحديث) الساعة 11:00 (مكة المكرمة)، 8:00 (غرينتش)

تطور الموقف الروسي من الصراع بين نظام بشار الأسد بسوريا والمعارضة المسلحة بعد انطلاق الثورة السورية في مارس/آذار 2011، من استعمال الفيتو في مجلس الأمن بمبرر منع التدخل الأجنبي والدفاع عن سيادة البلاد، إلى التدخل المباشر في الشأن السوري والتدخل العسكري الذي بررته موسكو بمحاربة الإرهاب، ورآه معارضوها "احتلالا".

 وفي ما يلي أبرز معالم الدور الروسي في الأزمة السورية:

- استعمال سلاح الفيتو لدعم النظام السوري
استعملت سلاح "الفيتو" بوصفها عضوا في مجلس الأمن أربع مرات لمنع صدور قرارات دولية تدين النظام السوري، أو تسمح بإقامة مناطق عازلة وتمرير المساعدات الإنسانية، ورأت أن الحل السياسي وحده هو القادر على إنهاء الصراع.

كان الفيتو الأول في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2011، حيث عطلت روسيا والصين بموجبه مشروعا لمجلس الأمن يقضي بفرض عقوبات على النظام السوري في حال عدم توقفه عن "قمع" المعارضة.

واستعملت موسكو الفيتو الثاني في الرابع من فبراير/شباط 2012، فعطلت مع رفيقتها بكين مشروعا آخر يحمّل بشار الأسد المسؤولية عن إراقة الدماء في بلاده، وبررت موقفها بمنع الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية من استخدام القرارات الأممية "ذريعة للتدخل العسكري، وفرض إملاءاتها بتغيير نظام الأسد بالقوة".

واستخدمت الفيتو الثالث في 19 يوليو/تموز 2012، لمنع صدور قرار أممي بفرض عقوبات على النظام السوري، لأنها محاولة من الدول الغربية "لتبرير تدخلها في الشؤون الداخلية لسوريا".

ورفعت موسكو سلاح الفيتو للمرة الرابعة في 22 مايو/أيار 2014 ضد مشروع قرار بإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في "جرائم حرب".

واتهم مندوب روسيا الدائم في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين مقدمي مشروع القرار بالبحث عن ذرائع للتدخل في سوريا، وتقليص إمكانيات الحل السلمي.

- إنقاذ النظام السوري من ورطة السلاح الكيميائي
لعبت موسكو دورا حاسما في إنقاذ نظام بشار الأسد من المحاسبة عن استخدامه أسلحة كيميائية في الغوطة الشرقية لدمشق في 21 أغسطس/آب 2013، وذلك بتعطيل روسيا والصين مشروع قرار أممي يتيح استخدام القوة ضد النظام لردع استعماله السلاح الكيميائي.

وحاور وزير خارجية روسيا سيرجي لافروف في العاشر من سبتمبر/أيلول 2013 وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم، مما أسفر عن موافقة النظام على تسليم مخزونه من الأسلحة الكيميائية وفق خطة روسية وافقت عليها واشنطن، وتلا ذلك قرار لمجلس الأمن الدولي لتسليم وإتلاف مخزون سوريا من الأسلحة الكيميائية بمقتضى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

- الدفاع عن النظام السوري في المحافل الدولية
أعلن وزير الخارجية الروسي في العاشر من أبريل/نيسان 2012، عقب لقائه نظيره السوري في موسكو، أن دمشق وافقت على تنفيذ خطة المبعوث الدولي كوفي أنان بنقاطها الست، وأنها سوف تسمح للمراقبين الأمميين بالعمل.

وفي الثلاثين من يونيو/حزيران من العام نفسه، توصلت موسكو مع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وجامعة الدول العربية، إلى "إعلان جنيف1"، غير أنه سرعان ما دبّ الخلاف بشأن مصير الأسد في الفترة الانتقالية، وتم تشكيل "هيئة الحكم الانتقالي" المنصوص عليها في الإعلان.

وفي السابع من مايو/أيار 2013 اتفق وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع نظيره الروسي لافروف على ضرورة عقد مؤتمر دولي ثان بشأن سوريا، وبالفعل عقد مؤتمر "جنيف 2"، في 22 يناير/كانون الثاني 2014 في سويسرا، بمشاركة مندوبين عن 39 بلدا.

وعقدت المفاوضات بين وفدي النظام والمعارضة على جولتين، ولم يسفر إلا عن إيصال مساعدات إنسانية إلى حمص (وسط)، وفك الحصار عنها، وإجلاء المدنيين منها.

- موسكو الرئة التي تتنفس بها دمشق
لم تنقطع الاتصالات المباشرة بين موسكو ودمشق في مستويات مختلفة، ورغم تصريحات المسؤولين الروسيين في فترات معينة بأنهم غير متمسكين بالأسد، فكانوا الحليف الأهم له والمنقذ الأكبر لنظامه من قرارات أممية كانت ستغير المشهد السوري لو لم يقتلها سلاح الفيتو الروسي في مهدها.

لقد شكلت موسكو الرئة التي تتنفس بها دمشق، وواجهتها في المحافل الدولية الكبرى، ولأجل ذلك زارها وزير الخارجية السوري ست مرات منذ بدء الثورة السورية.

وزار لافروف دمشق في السابع من فبراير/شباط 2012 رفقة رئيس الاستخبارات الخارجية الروسية ميخائيل فرادكوف، والتقيا الأسد، حيث أعلن الأخير استعداده للتفاوض مع المجلس الوطني السوري المعارض -الذي وضع شرط رحيل النظام ورئيسه قبل أي عملية تفاوض- لكن مصادر معارضة سورية رأت أن الزيارة كانت بهدف تنسيق إدارة الصراع مع المعارضة ودخول موسكو بقوة على الخط لدعم الأسد.

بعد استخدامها حق الفيتو مرتين لصالح نظام الأسد، اتفقت موسكو في 11 مارس/آذار 2012 والجامعة العربية على خمسة مبادئ لتسوية الأزمة السورية عقب اجتماع مع وزراء خارجية عرب في القاهرة، وذلك لفتح المجال للتوصل إلى موقف موحد داخل مجلس الأمن يستند إلى جملة مبادئ.

وهي وقف العنف من أي مصدر كان، وإنشاء آلية رقابة محايدة، وعدم اللجوء إلى التدخل الخارجي، وإتاحة المساعدات الإنسانية لجميع السوريين دون إعاقة، والدعم الكامل لجهود الموفد الدولي كوفي أنان إلى سوريا آنذاك، استنادا إلى المرجعيات التي قبلتها الأمم المتحدة والجامعة العربية.

في العاشر من ديسمبر/كانون الأول 2014، عرض ميخائيل بوغدانوف الممثل الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين على النظام عقْد لقاءات بين المعارضة والحكومة في موسكو، وعقدت الجولة الأولى في 26 يناير/كانون الثاني 2015، تحت اسم منتدى "موسكو-1 التشاوري"، والثانية في السادس من أبريل/نيسان 2015.

واستقبلت موسكو وفودا معارضة قريبة من النظام -أو من يسمون معارضي الداخل- منذ بدايات الأزمة، فاستقبلت وفودا من هيئة التنسيق الوطنية (الجهة الأكبر الممثلة للمعارضة داخل سوريا)، بقيادة حسن عبد العظيم، وغيرها من الوفود بما فيها وفود عشائرية ودينية، كما استقبلت وفدا عن المجلس الوطني السوري عبد الباسط سيدا، ووفدا من الائتلاف السوري المعارض بقيادة أحمد الجربا دون تحقيق أي اختراق.

- التدخل العسكري في سوريا
بعد فشل دفاع موسكو عن النظام السوري أمام المجتمع الدولي باستعمال سلاح الفيتو أو الدبلوماسية، والفشل في محاصرة قوى المعارضة المسلحة، تدخلت بشكل مباشر بالضربات الجوية بحجة محاربة الإرهاب، والاستجابة لطلب المساعدة الذي تقدم به بشار الأسد.

وكانت أنباء وتقارير إعلامية تواترت في سبتمبر/أيلول 2015 عن تعزيز روسيا وجودها العسكري في سوريا، ورغم نفي المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا ذلك، وتأييدها التنفيذ الكامل -وغير المشروط- لمبادئ إعلان جنيف1.

وعرض الرئيس الروسي في 28 سبتمبر/أيلول 2015 في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خطة لتحالف دولي لمواجهة "الإرهابيين" في سوريا بالتعاون مع النظام السوري، وقال إن بلاده "تقدم الدعم العسكري والفني لكل من العراق وسوريا اللذين يخوضان الحرب ضد الجماعات الإرهابية".

وبعد بيومين من ذلك، خوّل مجلس الاتحاد الفيدرالي الروسي بوتين حق استخدام القوات الروسية في الخارج، وأعلنت بعد ذلك وزارة الدفاع الروسية بدء غاراتها الجوية التي تستهدف مواقع تابعة لتنظيمات "إرهابية" أخرى بناء على طلب من بشار الأسد رأس النظام السوري، في حين رأى الائتلاف السوري (أكبر مظلة للمعارضة) التدخل العسكري المذكور "احتلالا وعدوانا".

وقال لافروف في مؤتمر صحفي عقده بمقر الأمم المتحدة يوم الخميس الأول من أكتوبر/تشرين الثاني 2015، إن العمليات العسكرية لبلاده في سوريا "تستهدف تنظيم داعش، وجبهة النصرة، وجماعات إرهابية أخرى، وأن موسكو في ذلك تلتزم بشكل كامل بالقانون الدولي".

لكن القصف استهدف عمليا مواقع تابعة للمعارضة السورية في محافظات إدلب (شمال)، وحماة وحمص (وسط)، بينما تحدثت تقارير إعلامية عن سقوط العشرات من الضحايا المدنيين جراء ذلك القصف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة