مهرجان كان السينمائي   
الأربعاء 1436/8/9 هـ - الموافق 27/5/2015 م (آخر تحديث) الساعة 11:29 (مكة المكرمة)، 8:29 (غرينتش)

مسابقة عالمية للأفلام السينمائية، تقام سنويا، وتقدم جائزة السعفة الذهبية للأعمال الفائزة، كانت انطلاقتها الرسمية سنة 1946 بعد مخاض عسير. 

مخاض صعب
يعتبر الفرنسيون أن الانطلاقة الحقيقية لمهرجان كان السينمائي كانت سنة 1939، على الرغم من أن اندلاع الحرب العالمية الثانية حال دون إتمام الاستعدادات التي كانت جارية على قدم وساق لإنجازها.

وجاءت المبادرة ردا على تدخل مباشر من الزعيم النازي أدولف هتلر ورفيق دربه بينيتو موسوليني لتوجيه لجنة التحكيم في المهرجان السينمائي لمدينة البندقية الذي انطلق عام 1932.

فقد رأى هتلر سنة 1937 أن الأفلام الألمانية خرجت خاوية الوفاض من مهرجان المدينة الإيطالية، فقرر في العام الموالي ـبتنسيق مع موسوليني- التدخل بشكل مباشر وفرض على  لجنة التحكيم اختيارات محددة، ففاز الشريط الوثائقي الألماني "آلهة الملعب" والفيلم الإيطالي "لوشيانو سيرا.. الربان".

تسبب ذلك في غضب الشخصيات المشاركة، وكان من بينهم الديبلوماسي الفرنسي فيليب إرلانجي الذي بادر إلى تقديم مشروع بإنشاء مهرجان سينمائي للسلطات الفرنسية وافق عليه في نهاية المطاف وزير التربية الوطنية جون زاي، ووزير الداخلية ألبرت سارو.

غير أن أفرادا آخرين من الحكومة الفرنسية بدوا مترددين إزاء المبادرة الجديدة لعدم رغبتهم في توتير العلاقات أكثر بين باريس وروما، في ظل الأزمة التي كانت تعصف حينئذ بأوروبا، والتي لعبت فيها النازية دورا بارزا.

وكان القرار النهائي لصالح تنظيم المهرجان وفي اليوم نفسه الذي ينطلق فيه مهرجان البندقية.

وشرعت السلطات الفرنسية في التواصل مع دول العالم للمشاركة في المهرجان، وكان طبيعيا أن يكون الرفض موقف كل من ألمانيا وإيطاليا اللتين رأتا فيه إجراءً عدوانيا ضد مهرجان البندقية، كما رفضت اليابان بدورها المشاركة.

في حين عبرت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وبلجيكا وهولندا والمكسيك والدنمارك والسويد وتشيكوسلوفاكيا عن استعدادها للمساهمة في إنجاح المهرجان الدولي الفرنسي. 

اختيار كان
خلال فترة الاستعدادات، طفا مشكل جديد على السطح يتعلق باختيار المكان المناسب لتنظيم المهرجان السينمائي، فطغيان شهرة مدينة البندقية بمعالمها الجغرافية المتميزة، وتاريخها الفني العريق، شكل تحديا أمام فرنسا التي بدت ملزمة باختيار مكان ينافس شهرة وقيمة البندقية.

ظهرت عدة مقترحات كانت بينها "كان" وبياريتز وإكس-لي-بان وتوفيل وحتى الجزائر العاصمة التي كان المحتل الفرنسي يعتبرها ولاية فرنسية.

غير أن مسؤول المشروع فيليب إرلانجي قرر حصر الاحتمالات في كل من كان وبياتريز، لتختار الحكومة الفرنسية مدينة كان بعد إجراء الدراسات اللازمة.

أنشئت لجنة للإشراف على تنظيم المهرجان تحت إشراف وزارة الخارجية وهيئة الفنون، وقدرت الميزانية التي يحتاجها المهرجان بنحو 970 ألف فرنك فرنسي (174 ألف يورو). وقد تعاونت بلدية كان مع الحكومة لتوفير المبلغ.

الحرب العالمية
وبينما كانت الاستعدادات جارية على قدم وساق لإطلاق مهرجان كان في بداية سبتمبر/أيلول 1939، اندلعت المعارك في أوروبا بعد اجتياح النازية لمناطق مجاورة، ما دفع دولا كثيرة لإعلان تراجعها عن المشاركة في المهرجان الذي تشبثت تسع دول فقط بحضوره. غير أن تدهور الأوضاع الأمنية بسبب اشتعال الحرب، دفع السلطات الفرنسية إلى تأجيل المهرجان.

ومع حلول عام 1945، تقدم إرلانجي مجددا بمشروعه غير أن الحالة الاقتصادية والسياسية الصعبة التي كانت عليها فرنسا بعد  سنوات الحرب عجلت برفض استئناف إجراءات تنفيذ المشروع، وتأجيله إلى العام الموالي.

موعد عالمي
وطيلة عشر سنوات (1946-1956) حاول مهرجان كان فرض نفسه كموعد بارز للسينما على مستوى العالم، سواء من خلال إلغاء كل قيود الرقابة، أو من خلال استضافة المشاهير.

غير أن الظروف السياسية المتقلبة التي كانت تعيشها فرنسا أثرت سلبا على المهرجان وحرمته من استقرار هو في أمس الحاجة إليه لإيجاد موطئ قدم له على الساحة العالمية، وكان من بينها الإضراب الكبير الذي شل فرنسا كلها عام 1968.

ومع حلول عقدي السبعينات والثمانينات، وحالة استقرار نسبي عرفتها الحياة السياسية والاقتصادية في فرنسا، تنفس مهرجان كان الصعداء، ونجح في استقطاب مشاهير السينما العالمية، منتجين وممثلين، وكرس المهرجان نفسه كحل بديل للأفلام الممنوعة في بلدان أخرى، في ظل طفرة فنية عالمية كبرى حولت السينما إلى صناعة قائمة بذاتها. 

وقد احتفل مهرجان كان السينمائي عام 1997 بمرور نحو خمسين عاما على بدايته الفعلية الأولى.

وقد عرفت مدينة كان تطورا سريعا بعد انتظام فعاليات المهرجان، فبعد أن كانت منطقة صغيرة خاصة بالصيادين تحولت إلى منطقة لا تهدأ بسبب كثرة الأشغال، كما تضاعف عدد السكان، وصارت المدينة والمنطقة قبلة للأثرياء.

ومع مرور السنين، كرس مهرجان كان السينمائي مكانته كواحد من أشهر المهرجانات السينمائية في العالم التي يتسابق المنتجون ومشاهير صناعة السينما للمشاركة فيها والمنافسة على جوائزها. وصار بذلك منافسا شرسا للأوسكار الأميركي الذي تسيطر عليها الصناعة السينمائية الأميركية، فيما يتميز مهرجان كان بأنه مفتوح أمام الجميع.

السعفة الذهبية
إلى حدود 1954، كانت اللجنة المنظمة للمهرجان تمنح للفائز بالمسابقة "الجائزة الكبرى للمهرجان الدولي للفيلم".

ومع نهاية 1954 بادر المنظمون للإعلان عن مسابقة لاختيار تصميم جديد لجائزة المهرجان تركز على سعفة النخيل كموضوع لها. وقتها فاز تصميم للوشيان لازون، وكان عبارة عن سعفة مغروسة في قلب. وقد منحت الجائزة الأولى لدلبريت مان صاحب فيلم "مارتي".

وخلال عشر سنوات كاملة (1964-1974) رجع المنظمون إلى صيغة الجائزة الكبرى التي بدأ بها، قبل أن يعودوا لموضوع السعفة عام 1975 التي قرر منحها لمخرج الفيلم الفائز، على أساس تكون هي الجائزة الأخيرة ضمن الجوائز المقدمة للفائزين.

وتغير شكل السعفة مع بداية الثمانينيات ثم مرة أخرى عام 1992، قبل أن تأخذ شكلها الجديد، حيث تقدم في مايو/أيار من كل عام للفائز الأول، فردا أو مجموعة.

وإلى جانب السعفة الذهبية، تخصص جائزة كبرى لأحسن فيلم، وجوائز لأفضل مخرج وأفضل سيناريو وأفضل ممثل وأفضل ممثلة، وذلك إلى جانب جائزة لجنة التحكيم. كما تخصص جوائز لأفضل الأفلام القصيرة.

وعلى امتداد تاريخ المسابقة، برزت أفلام عديدة كإنتاجات مبدعة استحقت الجائزة الأهم.

فقد فاز فيلم سبات الشتاء للمخرج نوري بيلج سيلان بجائزة السعفة الذهبية عام 2014، فيما فاز عبد اللطيف كشيش مع الممثلتين ليا سيدو وأديل إكساركوبولوس، بالجائزة ذاتها عن فيلم حياة أديل عام 2013.

وفي دورة 2012 فاز بالجائزة ذاتها فيلم "حب" للمخرج مايكل هانيكي.

أما سنة 1983 ففاز فيلم "بالاد أوف ناراياما" للمخرج شوهي إيمامورا بالسعفة الذهبية، وهي الجائزة التي حصل عليها فرانسيس فورد كابولا عن فيلمه "المحاورة" عام 1974.

وفي 1958 فاز بالجائزة ميخائيل كالاتوزوف عن فيلم "كرينز آر فلايينغ" (الكراكي تطير) فيما حصل تاينوسوك كينوغازا على الرتبة الأولى في المهرجان عام 1954 عن فيلمه بوابة جهنم.

أما عام 1951 فقد شهد فوز فيتوريو دي سيكا بالجائزة الكبرى للمهرجان عن فيلمه معجزة في ميلانو.

وتميزت أول انطلاقة فعلية للمهرجان عام 1946 بفوز جميع الأفلام المشاركة وكان عددها 11 فيلما بجائزة محددة، بينها الأسبوع الضائع لبيلي ويلدر، وروما مدينة مفتوحة لروبرتو روسوليني.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة